حكاية الشهيد معاذ والقاتل ''الفهداوي''

علي سعادة- على نحو غريب لم يغب عن ذهني منذ أن أسقطت طائرته فوق نهر الفرات في محافظة الرقة السورية في 24 كانون الأول الماضي، وخشيت عليه كثيرا، بينما كان شاكر وهيب الفهداوي والمعروف بـــ”أسد داعش” أو “سفاح داعش” يضع يديه على كتفيه، مرتديا بدلة عسكرية وطاقية سوداء.الشهيد معاذ الكساسبة
 
خشيت على هذا الشاب الأردني العربي المسلم، لأنني أعرف سيرة هذا الفهداوي الذي ينادي أيضا “ابو وهيب”، رجل لا مكان مستقر له، حيث يظهر تارة في المحافظات العراقية (الأنبار، الفلوجة، القائم،) وتارة أخرى في المحافظة السورية وأهمها مدينة الرقة التي يبسط “التنظيم” سيطرته عليها بالكامل.
 
ويلجأ الفهدواي إلى توثيق معظم نشاطه وعملياته بالصوت والصورة، سواء بالتنقل من مكان إلى آخر، أو بالمشاركة في إطلاق النار خلال عمليات “التنظيم”، وصولاً إلى القتل البارد، كما أظهرت “الفيديوهات” والصور على “اليوتيوب” ومواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الخاصة بـــ”التنظيم”.
 
رجل بلا قلب يأخذ قراراته بنفسه، ويبتكر أساليب غريبة في عملية القتل والذبح، حيث كان عضواً في “تنظيم القاعدة”، قبل أن تعتقله القوات الأميركية، وتنقله إلى سجن بوكا في البصرة، وفي عام 2010 نقل إلى سجن تكريت، ومنه نجح في الفرار مع آخرين عام 2010، بعد أن هاجم “التنظيم” المعتقل المحصن جيداً.
 
ومن مقاطع الفيديو التي نشرت له قتله ثلاثة سائقين سوريين على طريق بغداد الدولي رميا بالرصاص بعد أن أخطأوا في إجابتهم عن سؤال حول عدد ركعات الصلوات الخمس وفقا لأنباء منشورة على “الإنترنت”.
 
لماذا تخيلت معاذ صافي يوسف الكساسبة كما لو كان ابنا لي، وأنا لا أعرفه شخصا ولا أعرف أحدا من عائلته الكريمة، هل لأنه شاب طيب القلب، صاحب وجه ضحوك يفيض بالحنان وبرضا والديه ومحبة زوجته وإخوته ومن عرفه، هل لأنه أردني، عربي، مسلم؟ هل لأنه جندي، هل لأنه جزء من منظومة الجيش العربي، الجيش الوحيد في وطننا العربي الذي لم يحمل اسم بلد بعينه وإنما حمل اسم الأمة العربية، الجيش الذي قاتل جنوده ببطولة على أسوار القدس عامي 1948 و1967؟
 
هل لأن آخر “بوست” له على “الفيسبوك” كان صورة للمسجد الأقصى المبارك، قبلة المسلمين الأولى وقد كتب عليها التعلق التالي: “بلغوها إذا أتيتم حماها أنني مت في الغرام فداها”.
 
ولد معاذ في لواء عي بمحافظة الكرك في 29 أيار عام 1988 لأب عمل مدير مدرسة في تربية قصبة الكرك وأم امتهنت التعليم أيضاً، أنهى دراسته الثانوية في الكرك ثم التحق بكلية الحسين الملكية للطيران الحربي وتخرج منها عام 2009.
 
وبحسب صحيفة “الإندبندنت” فإن والده كان يأمل في أن يصبح ابنه طبيباً، ورغب أن يدرس الطب في موسكو.
 
التحق معاذ بصفوف طياري سلاح الجو الملكي الأردني ورفع لرتبة ملازم أول في 2014، ووفقاً لمرؤوسيه وأقرانه يعد من أكثر الطيارين في سلاح الجو خبرةً وتميزاً، وبعد وفاته تم ترفيعه إلى رتبة نقيب.
 
تزوج في تموز عام 2014 من المهندسة أنوار يوسف الطراونة، ووفقا للمهندسة أنوار فقد “كان يريد أن ينادى بأبي كرم، وأعطاني الحرية باختيار أي اسم إن كانت بنتاً، واخترت ليا”.
 
وتصف حياتها مع زوجها بقولها: “الخمس أشهر التي قضيتها مع معاذ كانت من أجمل أيام حياتي، وأفضل من الـ25 عاماً كلها، وهي حياتي كلها”.
 
كان معاذ يدخل دائرة الحدث في صباح الأربعاء الرابع والعشرين من كانون الأول عام 2014 عندما كان قائدا لإحدى المقاتلات في سرب قوات “التحالف” أثناء طلعة جوية ضد مواقع “تنظيم الدولة”، كانت المهمة ملاحظة أي مضادات أرضية تطلق على الطائرات المشاركة، ومن ثَم تقوم طائرة أخرى تابعة من طائرات “التحالف” بقصف الأهداف المحددة بواسطة القنابل الليزرية الموجهة ثم تقوم طائرة أخرى ضمن “التحالف” بتطهير ثانوي للمكان.
 
وعندما بدأت عمليات الدخول سمع معاذ صوت المحرك الخلفي بطائرته الذي اشتعلت فيه النيران، ثم سقطت طائرته وهي مقاتلة من طراز إف-16 في محافظة الرقة شمالي سوريا، وقبل الارتطام قذف نفسه من الطائرة وبقي معلقاً في المظلة إلى أن هبط في نهر الفرات بمنطقة مائية تسيطر عليها قوات “تنظيم الدولة” ووقع معاذ أسيرا في أيدي “التنظيم”.
 
وما زال الغموض يحيط بكيفية سقوط طائرة معاذ، إذ تصرح مصادر أن الطائرة سقطت بعد إصابتها بصاروخ أرض-جو موجه بالأشعة تحت الحمراء “حراري” من قبل قوات “تنظيم الدولة”، وتصرح مصادر أخرى أن “التنظيم” لم يسقط الطائرة بل أن الطائرة عانت من أعطال فنية، وأعطال في نظام الملاحة مما أدى إلى سقوطها في الرقة.
 
الجيش الأميركي نفى أن يكون “تنظيم الدولة” أسقط الطائرة وقالت القيادة الأميركية الوسطى التي تشرف على عمليات التحالف الجوية فوق العراق وسوريا إن الأدلة تشير بوضوح إلى أن “التنظيم” لم يسقط المقاتلة الأردنية.
 
واتهم أقارب معاذ الطيار الإماراتية بأنها أطلقت صاروخا نحو الطائرة الأردنية مما تسبب في إسقاطها ووقوع معاذ في الأسر، أو أنها أعطته إحداثيات خاطئة.
 
وكانت تقارير إعلامية تحدثت عن أن السلطات الأردنية تحقق في احتمال إسقاط طائرة الكساسبة من قبل صاروخ أطلقه أحد الطيارين الذين رافقوه في السرب، إلا أن شبكة “إن بي سي نيوز” الإخبارية الأمريكية قالت إن الأردنيين قالوا لهم: “نحن غير قادرين على فحص حطام الطائرة لكونه في مناطق داعش”.
 
وكانت طائرة معاذ ضمن السرب المقاتل الذي كان يتكون من 7 طائرات مقاتلة، بينها طائرتان أردنيتان، وإماراتيتان وأميركية.
 
وحسب مصادر فإن طائرة معاذ بدأت بالانخفاض من ارتفاع 11 ألف قدم، وأثرها تم تحذيره والمناداة عليه عبر إحدى طائرات “الاواكس”، إلا أنه لم يستجب لأن خللاً فنياً حدث في نظام الملاحة أدى إلى سقوط الطائرة، وقفز الطيار بالمظلة.
 
وتم تحديد مكان نزول الطيار وسقوط الطائرة بالقرب من بحيرة الأسد، وهي بحيرة اصطناعية أنشئت عليها مدينة نموذجية هي مدينة الثورة التابعة لمحافظة الرقة.
ورصد زملاء معاذ والسيطرة الأرضية والجوية مكان سقوط الطائرة وتحطمها، ونزول معاذ بشكل دقيق، وتم تمرير تلك المعلومات والخرائط للقيادة الأرضية، التي قامت على الفور بدراسة المكان القريب والمناسب من مكان معاذ لتشكيل فريق مظلي لإنقاذه.
 
كان أمام المخططين العسكريين خياران لانطلاق فريق المظليين، الأول كردستان العراق، وكان هو الخيار الأنسب بسبب قربه من منطقة الحادث، والثاني الانطلاق من منطقة الأزرق في الأردن وهو بعيد نسبيا.
 
وبدأت ملامح تشكيل خلية المظليين لإنقاذ الطيار وإعادته إلى وطنه، إلا أن القدر أدى إلى وقوعه في المنطقة التي يسيطر عليها “تنظيم الدولة”، حيث قام عدد من أفراد “التنظيم” وعلى الفور باقتياده إلى منطقة مأهولة بالسكان، ولم يسقط في منطقة نائية نسبيا، ولو نزل معاذ بمنطقة بعيدة نسبياً ولو ساعة من الزمن لتم إنقاذه، حسب رأي المصادر.
 
بدورها نفت الناطقة باسم الخارجية الأمريكية، ماري هارف، الجمعة الماضية، صحة التقارير التي تحدثت عن تهاون القوات الأمريكية في مهمة البحث عن الطيار الكساسبة وإنقاذه، قائلة: “بعض هذه التقارير غير صحيحة، حالما سقطت الطائرة، بدأت عملية بحث جوّية مكثفة، ومضت قوات استعادة الطواقم قدمًا إلى آخر موقع معروف للطيار”.
 
ورفضت هارف كذلك التعليق على تقارير تفيد أن سقوط طائرة الكساسبة تمّ جرّاء إصابتها من قبل أحد طياري السرب المرافق له، قائلة: “السلطات الأردنية تواصل التحقيق في الحادث، وتعمل من خلال ردّها على القتل المتوحش لطيارهم. أعتقد أنه من غير المناسب مناقشة تفاصيل معينة لهذا التحقيق”.
 
وكشفت صحيفة ايطالية أنه جرت محاولة لم يكتب لها النجاح لإنقاذ معاذ، وكانت غارتان مشتركتان بين أميركا والأردن حاولتا تحريره بعد تحديد البيت الذي كان أسيرا فيه على بعد 20 كيلومترًا من وسط مدينة الرقة، معقل “تنظيم الدولة”.
 
ونقل موقع “فرانس 24” عن الصحيفة الإيطالية، أن الطيار الكساسبة كان موجودًا في مبنى يستعمله “التنظيم” لسجن رهائن غربيين أيضًا، كما أكدت المعلومات الاستخباراتية وجود الأسير في المبنى المستهدف، ما فتح المجال لتنظيم عملية إنقاذ عسكرية معقدة بمشاركة قوات نخبة أميركية وأردنية، مع تغطية جوية كبرى.
وجاء في الصحيفة، أن أحد أسباب فشل العملية ربما يعود لوجود البغدادي شخصيًا في الرقة بعد عودته من الموصل في العراق، ما جعل “التنظيم” يكثف من حضوره الميداني وينشر قوات إضافية ومدفعية متنوعة في محيط المدينة.
 
وكشفت أن “كثافة جدار النار الجوي الذي لجأ إليه التنظيم، جعل تغطية العملية على الأرض محفوفة بالمخاطر، ما دعا القادة العسكريين الأميركيين إلى رفض المغامرة بسقوط مقاتلة أو طائرات أميركية مع طياريها في يد التنظيم”.
 
وهذه رواية لم يتم نفيها أو تأكيدها رسميا من أي جهة عسكرية سواء كانت أردنية أو أميركية في ذلك الوقت حفاظا على حياة الطيار الأسير.
 
أثار استعجال “تنظيم الدولة” إجراء صفقة تبادل غير مباشرة مع الأردن لإطلاق سراح المحكومة بالإعدام ساجدة الريشاوي المتهمة بتفجيرات عمان عام 2005، مقابل الحفاظ على حياة معاذ وإطلاق الرهينة الياباني الثاني كينجي غوتو الذي إعدام في 31 كانون الثاني الماضي مقابل الريشاوي، شكوكا ومخاوف لدى الأردن، وطلب الأردن تقديم دليل على سلامة الطيار الكساسبة لإتمام الصفقة، لكن لم يتم ذلك من قبل “تنظيم الدولة”.
 
واستمرت المفاوضات غير المباشرة والسرية حتى اللحظة الأخيرة في الثالث من شباط الحالي، حين قام “التنظيم” بالإعلان عن إعدام معاذ حرقاً وهو حي في الثالث من كانون الثاني الماضي، أي أنهم تفاوضوا بعد قتله وفقا لما أعلنه التلفزيون الأردني الرسمي.
 
قيل الكثير حول أسباب سقوط طائرة معاذ، وهي جميعها روايات لم يتم التثبت من صحتها، ولم تؤكد أو تنفى من مصدر موثوق، وسيقال الكثير حول توقيت التفاوض وكيف انتهى، وربما يعترف ذات يوم أحد القتلة بتفاصيل أسر معاذ أو ظروف إعدامه، لكن سيبقى فعل الإعدام بحد ذاته عالقا في ذهن عشرات الملايين من الناس في شتى بقاع العالم، الملايين الذي شاهدوا أو سمعوا أو قرؤوا تفاصيل حرق معاذ، المشهد الهمجي، البربري، اللاإنساني واللاأخلاقي.
 
نهاية “تنظيم الدولة” لم تكن بحاجة إلى حرب شاملة، وإلى ثورة شعبية، كان يكفي قتل هذا الشاب العربي المسلم الأردني بهذه الطريقة البشعة حتى ينقلب العالم.
استشهاد معاذ على هذا النحو أيقظ العالم على حقيقة ثابتة لا تقبل النقاش أنه لا يجوز للعالم التسامح مع الطغاة والمستبدين في أي مكان ومهما كانت مواقعهم.
وطريقة مواجهة معاذ للموت وهو واقف بشجاعة أضافت إلى مقتله بعدا آخر دفعني لكي أحبه أكثر؛ لأن استشهاده على هذا النحو كان سببا في وحدة أبناء وطنه، ولأنه أيضا كان إنسانا جميلا رقيقا حد التوهح.” السبيل”

Read Previous

بريطانية تقتل صديقها المسلم بسبب شجار حول ملابسها القصيرة والضيقة

Read Next

الوحشية والمرض العقلي: الارهابي المتطرف يعود الى الغابة..!

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *