نيكول كيدمان تعيد احياء "الخاتون صانعة العراق الحديث"

عرض مهرجان برلين السينمائي في يومه الثاني فيلم “ملكة الصحراء” المشارك في المنافسة، والذي تقوم بدور البطولة الرئيسية فيه الممثلة الأسترالية الحاصلة على جائزة أوسكار نيكول كيدمان، وهو للمخرج الألماني فيرنر هيرتزوغ.queen-of-the-desert1
 
وتقوم نيكول كيدمان في الدراما الصحراوية “ملكة الصحراء” بدور الباحثة والمستكشفة البريطانية غيرترود بيل التي عاشت في العراق وسورية وايران بداية القرن العشرين وقت تفكك الإمبراطورية العثمانية.
 
ورغم الدور الخطير الذي لعبته في المنطقة فهي لم تحظ بشهرة “زميلها” “لورانس العرب”، حتى ان المخرج هيرتزوغ نفسه صرح للصحافة بانه لم يكن يعرف عنها شيئا قبل ان يقترح عليه منتج الفيلم القصة.
فمن هي غيرترود بيل؟
 
وبيل، التي كان يلقبها العراقيون بـ”الخاتون”،يعتبرها بعض المؤرخين “صانعة العراق الحديث”، فهي لعبت دورا بالغ الأهمية في ترتيب أوضاعه بعد الحرب العالمية الأولى، فقد كانت بسعة علاقاتها ومعارفها وخبراتها بالعراق أهم عون للمندوب السامي البريطاني في هندسة مستقبل العراق، يعتبرها بعض المحدثين بأنها جاسوسة فيما يعتبرها البعض الاخر موظفة بريطانية خدمت بلدها بريطانيا بكل جد وإخلاص.
 
يقول تقرير ورد في صحيفة “الرياض”:”السلطة للسنة على حساب الشيعة، استخدام القوة لجعل الأراضي الكردية منطقة فاصلة مع تركيا، استفتاءات تعطي اكثر من تسعين بالمئة للحاكم”… ان الذي خطط لهذا العراق ليس صدام حسين بل الموظفة البريطانية غيرترود بيل في العشرينات من القرن الماضي.”.
 
وغيرترود بيل هذه لم تكن سوى سكرتيرة للشؤون الشرقية لدى الحاكم البريطاني في بغداد، وقامت غداة الحرب العالمية الاولى التي وضعت اوزارها عام 1918بالتخطيط لاقامة دولة العراق الحديث التي تشكلت من ثلاث ولايات كانت تابعة للسلطنة العثمانية هي الموصل وبغداد والبصرة.
 
وفي عام 1920اعطت عصبة الامم بريطانيا حق الانتداب على هذه الدولة الحديثة في نشأتها والعريقة في تاريخها العظيم.
 
وجاء هذا الانتداب بمثابة تسوية بين الحكام البريطانيين الذين كانوا من الهند (المستعمرة البريطانية) يعملون على توسيع الامبراطورية البريطانية وبين الذين كانوا في لندن يريدون صيغة جديدة غير الاستعمار المباشر لأنهم وعدوا العرب بالاستقلال لاقناعهم بالتمرد على السلطنة العثمانية عدوة بريطانيا خلال الحرب العالمية الاولى.
 
وكتبت غيرترود بيل رسالة الى والدها في الرابع من كانون الاول/ ديسمبر عام 1921تقول فيها “امضيت قبل الظهر في مكتبي ارسم حدود الصحراء جنوب العراق” في اشارة الى رسم الحدود مع المملكة العربية السعودية بشكل خاص.
 
وفي رسالة اخرى تقول بأنها “اقسمت على عدم التورط مجددا في اقامة مملكة (…) لأن الامر مثير فعلا للاعصاب”.
 
في البنتاغون يقرأون ما كتبته بشغف، اما في العراق فإن مجرد ذكر اسمها يعني الكلام عن مرحلة استعمارية بغيضة.
 
وعاد الكلام عنها اليوم بسبب الحرب القائمة حاليا في العراق.
 
وسبق لجامعة نيوكاسل في انكلترا ان نشرت رسائلها وصورها وكل ما يتعلق بها على موقع على الانترنت.
 
في بغداد تحولت الآنسة بيل الى السيدة خاتون الذائعة الصيت والمتنفذة القادرة في الوقت نفسه، على التعبير عن ازدراء كامل ببلاد ما بين النهرين “المتخلفة”، وعلى التباهي بأنها تعمل على اقامة دولة حديثة في العراق.
 
والسيدة خاتون تخرجت من جامعة اوكسفورد وهي تعشق الآثار والحضارات الشرقية وكانت الامراة الوحيدة التي اختارها مكتب الاستخبارات البريطانية الخاص بالعالم العربي في القاهرة حيث عملت الى جانب تي. اي لورنس البريطاني الذي اصبح لاحقا لورانس العرب والذي شارك في الثورة العربية ضد العثمانيين.
 
وهي كانت ايضا المرأة الوحيدة بين 39رجلا اختارهم وزير المستعمرات ونستون تشرشل للمشاركة في مؤتمر في القاهرة عام 1921حول مستقبل بلاد ما بين النهرين.
 
وهي ايضا التي اصرت على تنصيب الامير فيصل ابن الشريف حسين ملكا على العراق بعد ان كان طرده الفرنسيون من سوريا.
 
وفي الاستفتاء الذي نظمته الآنسة بيل او السيدة خاتون حسب التسمية العراقية لها حصل الامير فيصل على تأييد 96بالمئة من الشعب العراقي لتنصيبه ملكا وهي ارقام لم ينافسه فيها سوى صدام حسين بعد عشرات السنين.
 
وكانت السيدة خاتون تجد لذة كبيرة في مرافقة القوات البريطانية والتفرج على المقاتلات البريطانية وهي تقصف مواقع الاكراد في شمال العراق لقمع تمردهم.
 
وعندما قامت ثورة الشيعة في جنوب العراق (ثورة العشرين) التي اودت بحياة ثمانية آلاف بريطاني اقتنعت السيدة خاتون بأن الادارة البريطانية المباشرة ستكون مكلفة ومن الافضل السعي الى اقامة سلطة عراقية تعتمد على عناصر من النخبة في البلاد. وهذا ما حصل.
 
وتبين ان الشيعة الذين كانوا رأس حربة الثورة العراقية على الانتداب البريطاني لم يحصلوا على اي مكسب سياسي، فقد فضل البريطانيون الاعتماد على الموظفين الذين كانوا قائمين في العهد العثماني وهم بالطبع من السنة لاقامة الدولة الجديدة الناشئة.
 
وتعتبر الآنسة بيل ان “السلطة يجب ان تكون بأيدي السنة رغم قلة عددهم لأن تسلم الشيعة يعني قيام سلطة دينية”.
 
وفي تقرير لمجلة “ناشيونال جوغرافيك”:”عندما عزمت بريطانيا على إنشاء دولة من قبائل صحراوية منقسمة، توجهت نحو غيرترود بيل؛ المستكشفة والعالمة والجاسوسة.
 
لاح في الأفق أمامنا دخانٌ ومجموعة من الأشخاص… لا شك أنهم من عرب الجبل. وبعد نصف ساعة، تقدم نحونا رجل على صهوة جواده وقد استشاط غضباً. كان يطلق النار وهو في طريقه إلينا، فاستلّ رجل آخر سيفه وراح يلوّح به صوبي وصوبه”، كتبت بيل في يومياتها.
 
غادرت دمشق في يوم 16 كانون الاول/ ديسمبر 1913 نحو البادية السورية، في اتجاه الجنوب الشرقي عبر امتدادات شمال الجزيرة العربية غير المُضمَّنة في أي خرائط. كانت وِجهتهم حائل، المستوطنة الصحراوية الأسطورية التي لم يحظ برؤيتها سوى قلة قليلة من الأوروبيين، ومعقل إحدى العشيرتين القويتين اللتان تتنافسان للسيطرة على شبه الجزيرة العربية. والآن، ها هي ذي امرأة بريطانية، تدعى غيرترود بيل، تقود حملتها الاستكشافية إلى هذا الصقع النائي.
 
في المساء، جلست بيل وأعضاء فريقها حول نار المخيم لتسمع منهم قصص الصحراء، والتي غذّت بها يومياتها ورسائلها المستفيضة التي كتبتها طيلة أسفارها في الشرقين الأدنى والأوسط. لم تكن تلك اليوميات والرسائل تحوي فقط ملاحظات تقليدية عن التضاريس والناس والمغامرات الشخصية، بل كانت تشكل أيضا سجلاً دقيقاً لتحركات أهل الصحراء، وولاءاتهم وعداواتهم، وكذلك شكاوى ومؤامرات، وتنقُّل النفوذ بين القبائل والشيوخ الأقوياء.
 
كتبت بيل في مقدمة جزء خاص من اليومية: “يتردد حديث حول إرسال الحكومة العثمانية هدية من الأسلحة إلى ابن رشيد”.
 
سنوات بعد ذلك، سيكون من الممكن التأكد عبر سجلات الحكومة البريطانية من أن الآنسة بيل “كانت عملت، عدة سنوات… لمصلحة قسم الاستخبارات التابع للبحرية”.
 
ويبدو أن الآنسة بيل الشجاعة لم تكن مجرد رحالة مرموقة وكاتبة وخبيرة في اللغة العربية ومصورة وعالمة آثار لكنها كانت إلى جانب ذلك تتمتع بموهبة فذة في جمع المعلومات – أو يمكننا القول، جاسوسة.”.
 
كانت بيل، الصديقة المقربة من “لورانس العرب” ومستشارة ملوك الصحراء، تمتلك شبكة من العلاقات تمتد من مخيمات البدو إلى قاعات صنع القرار الداخلية في بريطانيا. وفي المحصلة، استطاعت بيل توظيف موهبتها الهائلة المتمثلة في معرفتها الشخصية المتميزة بأهل الصحراء، باتجاه هدف واحد محدد: لعب دور مركزي في المشروع الذي يتردد صدى نتائجه إلى اليوم وهو إنشاء دولة عصرية تسمى العراق.
 
وماتت السيدة خاتون في تموز/ يوليو من عام 1926اثر تناولها جرعة زائدة من الادوية المنومة وقد دفنت في بغداد.

Read Previous

النسور: خصصنا مليار دينار للجيش والعجز 1.5 مليار

Read Next

بريطانية تقتل صديقها المسلم بسبب شجار حول ملابسها القصيرة والضيقة

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *