إدارة أوباما والنظام السوري… و«داعش»!- خيرالله خيرالله

التقط النظام السوري الرسالة الأميركية. كشف أنّه في مركب واحد معها… ومع «داعش»، وذلك بعد إحراق التنظيم الإرهابي الطيار الأردني معاذ الكساسبة.images
 
هناك بكل بساطة غياب للمنطق الأميركي في شأن كلّ ما له علاقة بالحرب على «داعش».غياب المنطق الأميركي حمل النظام السوري على الإعلان بلسان وزير الخارجية وليد المعلّم أنّه ضد أي عمليات برّية تستهدف «داعش». هذا يعني في طبيعة الحال وجود وحدة حال بين النظام السوري والإدارة الأميركية في ما يخصّ التنظيم الإرهابي.
 
بعد إحراق الطيّار، يتصدّى الأردن وحده تقريبا بإمكاناته المحدودة لهذا التنظيم الإرهابي الذي دلّت تصرفاته على أن هناك من يريد الإساءة إلى الإسلام والمسلمين.
 
في الواقع، لم يكن الأردن وحيدا تماما، ذلك أنّ دولة الإمارات العربية المتحدة سارعت إلى إرسال سرب من طائراتها إلى المملكة الأردنية الهاشمية لتأكيد أنّ هناك بين العرب من يسعى إلى أن تكون هناك استراتيجية متكاملة في شأن كلّ ما له علاقة بتخليص المنطقة من وباء «داعش» السنّية والدواعش الشيعية…
 
لعب التحالف الدولي دوره في التصدي لـ«داعش» والحد من تمدّده. نجح في ذلك نسبيا. ما لم ينجح به هو الخروج بأجندة حقيقية تؤدي إلى اقتلاع «داعش» من جذوره. لا وجود لرغبة في عمليات برّية للانتهاء من «داعش». وهذا ما جعل النظام السوري يلتقي مع الإدارة الأميركية في إطالة الحرب على «داعش» خدمة لمصالحه.
 
اعتمدت الإدارة الأميركية، أقلّه إلى الآن، على توجيه ضربات إلى مواقع لـ«داعش» من دون أن تأخذ في الاعتبار الاسباب التي مكنت هذا التنظيم الإرهابي من إيجاد بيئة حاضنة له في سورية والعراق. أكثر من ذلك، هناك رغبة أميركية، ظهرت من خلال تصرّفات المسؤولين في الإدارة، في اقتصار الدور العربي على ما تطلبه واشنطن وما يخدم توجّهاتها فقط. يبدو مطلوبا، أميركيا، من العرب توفير الغطاء لضربات جوّية أميركية من دون أي مشاركة فعلية في القرار السياسي.
 
بكلام أوضح، مطلوب من العرب أن يكونوا تابعين للولايات المتحدة وليسوا شركاء لها. وهذا ظهر بوضوح عندما أسرت «داعش» الطيار الإردني. كشف ذلك، غياب ما يمكن وصفه بإجراءات يمكن أن توفرّها الإمكانات العسكرية الكبيرة التي تمتلكها الولايات المتحدة من أجل حماية الطيارين المشاركين في ضرب «داعش».
 
هناك باختصار رفض عربي للعب دور التابع المساهم في المماطلة التي لا تخدم سوى النظام السوري من جهة والميليشيات التابعة للأحزاب المذهبية العراقية التي تلعب دورا مهما في انتعاش «داعش» من جهة أخرى. همّ هذه الميليشيات يبدو محصورا في تطهير بعض المناطق العراقية، على رأسها بغداد والمناطق المحيطة بها من أي وجود سنّي تحت غطاء محاربة «داعش». يعبّر عنه السرب الإماراتي الموجود في الأردن عن رفض لكلّ هذه التوجّهات الخاطئة. هذا السرب يؤكّد وجود قرار عربي مستقلّ يخدم المصلحة العربية التي لا تفرّق بين إرهاب وإرهاب بغض النظر عن توجّه الإدارة الأميركية الحائرة التي تعتبر أنّ الملف النووي الإيراني يختزل كلّ قضايا المنطقة ومشاكلها.
 
ليس سرّا أنّه سبق للعرب الواعين أن رفضوا سيطرة الإخوان المسلمين على مصر خلافا لتوجّه إدارة أوباما التي كانت تمتلك كمّية لا بأس بها من الأوهام في شأن دور الإخوان وما يمثّلونه في الدول العربية، خصوصا في مصر.
 
كان رأي إدارة أوباما، وربّما لا يزال، أنّ في استطاعة الإخوان لعب «دور إيجابي» على صعيد تعزيز الديموقراطية في كلّ دول المنطقة.
 
كان لا بدّ من ثورة مصر كي يتبيّن أن هذا ليس صحيحا وأنّ المصريين يرفضون، بأكثريتهم الساحقة، رفضا قاطعا حكم الإخوان الذي لا يختلف في شيء عن حكم العسكر. بل إنّه أكثر تخلّفا بكثير من حكم العسكر. الفارق الوحيد بين الانقلابات العسكرية وحكم الإخوان يتمثّل في أنّ العسكر يستولون على الحكم عن طريق الانقلابات والبيان الرقم واحد، في حين أنّ الإخوان يتسللون إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع، ويرفضون بعد ذلك أيّ تبادل سلمي لها…
 
كان تأييد ثورة الشعب المصري بمثابة نقطة تحوّل على الصعيد العربي. كشف هذا التأييد الذي جاء على الرغم من الموقف الأميركي المؤيّد للإخوان أنّ هناك موقفا عربيا مستقلّا. هذا الموقف قادر على مقاومة الضغوط الأميركية وتأكيد أنّ لا شيء يعلو على الأجندة العربية، مهما فعلت إدارة أوباما ومهما مارست من ضغوط.
 
ما نشهده حاليا هو متابعة لتكوين القرار العربي المستقلّ في ما يخصّ الحرب على «داعش».
 
ليس هناك من يستخفّ بالدور الأميركي والقدرات العسكرية للولايات المتحدة. على العكس من ذلك، سيكون هناك دور أميركي حاسم في هزيمة «داعش» ولكن لا يوجد هناك، بين العرب الواعين، من لديه أيّ وهم في شأن الحاجة إلى مقاربة شاملة للحرب على هذا التنظيم الإرهابي المتخلّف. مثل هذه المقاربة تتطلّب أوّل ما تتطلّب الاعتراف بأنّ «داعش» جزء من المشكلة وليس كلّ المشكلة. لا يمكن عزل تمدّد «داعش» من دون معالجة الأساس. هذا الأساس متمثّل في وجود نظام سوري لا يقلّ خطورة عن «داعش» ووضع عراقي يساهم، بدعم من إيران طبعا وتشجيع منها، في إثارة الغرائز المذهبية.
 
ليس أمام العرب الواعين، على رأسهم دولة الإمارات والأردن، سوى أخذ العلم بذلك وبأنّ لا مجال للاكتفاء بلعب دور الغطاء لسياسة أميركية ليس معروفا هل هي مع «داعش» أو ضدّه.
 
جاء إحراق الطيّار الأردني، لحسن الحظ أو لسوئه، ليكشف كم الحاجة كبيرة إلى أجندة عربية مستقلّة وإلى دور أميركي مختلف في حال كان مطلوبا اجتثاث «داعش» بدل الرهان على احتوائها خدمة لأهداف أخرى. من بين هذه الأهداف تفتيت سورية بدل السعي إلى لملمة الوضع فيها عن طريق حلّ سياسي يؤمّن أساسا قيام دولة مدنية بعيدا كلّ البعد عن النظام الطائفي القائم الذي لا مستقبل له.
 
ليس ما يخدم النظام الذي أخذ على عاتقه الانتهاء من الكيان السوري بشكله الحالي، سوى إطالة عمر «داعش». ولذلك يقف وزير خارجية النظام، الذي لا حول له ولا قوّة، في وجه أي عملية برّية. هل «داعش» نقطة التقاء بين النظام السوري، الذي لم يعد سوى دمية إيرانية، والإدارة الأميركية؟ يبدو أن على العرب الواعين لخطورة «داعش» التفكير في هذا السؤال طويلا ومليّا.

Read Previous

أقامة حسينية داخل المسجد الأموي

Read Next

تاريخ فلاسفة الإسلام في المشرق والمغرب

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *