رجلان أميركيان: أبيض وأسود التقيا عند مفترق طرق – هشام ملحم

القرار التاريخي الذي اتخذته هيئة محلفين بإدانة الشرطي السابق ديريك شوفين بجريمة قتل جورج فلويد، والذي راقبه الملايين من الأميركيين يبث حياً على شاشات التلفزيون ووسائل الاتصال الاجتماعي، خفف من حدة الاحتقان ومشاعر الإحباط والغضب والترقب والقلق التي خيمت على البلاد وعلى محاكمة شرطي أبيض بتهمة خنق رجل أسود حتى الموت في شهر أيار (مايو) 2020، عندما التقيا على مفترق طرق في مدينة مينيابوليس، في ولاية مينيسوتا، في مشهد مأسوي استمر لتسع دقائق وتسع وعشرين ثانية، بدا من أول ثانية أنه سينتهي حتمياً بكارثة. وسرعان ما تحولت محاكمة شوفين الى محاكمة أخلاقية وقانونية لكل النظام الجنائي الأميركي، على خلفية التراكمات الهائلة للخطيئة الأصلية الأميركية: أي إرث الاستعباد والتمييز العنصري الذي لا تزال أميركا عاجزة عن نقضه وتخطيه. في 25 أيار (مايو) 2020 عندما التقى القاتل بالمقتول كانا رجلين مغمورين في منتصف عمريهما ولكنهما كانا عملياً يعيشان في كوكبين مختلفين، ولم يكن في حياتهما أي شيء يوحي بأنهما سوف يدخلان التاريخ احدهما كمجرم والآخر كضحية، ولذلك كان لقاؤهما مأسوياً.

ولو أخفقت هيئة المحلفين بالتوصل الى قراراتها (التي يجب أن تكون بالإجماع) أو حكمت بتبرئة شوفين، لكانت التظاهرات الغاضبة، وربما أعمال الشغب والعنف قد عمت المدن الرئيسية في البلاد كما حدث في العام الماضي. مدينة مينيابوليس، مثلها مثل مدن أخرى اتخذت تدابير أمنية وقائية بما فيها نشر عناصر من الحرس الوطني تحسباً لأعمال العنف والاضطرابات في ما لو كانت قرارات هيئة المحلفين مغايرة.

إدانة شوفين بالتهم الثلاث التي وجهت اليه: القتل والقتل غير المتعمد والعنف المتعمد، فاجأت العديد من الأميركيين، وبخاصة الأميركيين من أصل أفريقي لأنها كانت الاستثناء الذي يظهر القاعدة في شكل نافر. خلال جريمة قتله البطيئة، التي صورتها شابة بعمر السابعة عشرة، كان فلويد يستغيث بصوت كان يضعف أكثر مع مرور كل دقيقة بدت وكأنها أبدية: لا استطيع التنفس. صرخة رجل يحتضر رددها عشرين مرة. هذه كانت الصرخة ذاتها التي كررها في 2014، رجل أسود في نيويورك اسمه أريك غارنر تقريباً بعمر فلويد عندما كان ذراع شرطي أبيض يضغط على عنقه، ورددها 11 مرة قبل موته. كلا الرجلين، فلويد وغارنر اختنقا وهما ممدين على الطريق وهما محاطين برجال الشرطة. وبين غارنر وفلويد، شهدت شوارع مدن أميركية عديدة مشاهد مأسوية مماثلة لأميركيين من أصل أفريقي من العزل، معظمهم من الشباب، وبعضهم شابات وآخرون في سنوات المراهقة، وهم يسقطون، برصاص رجال شرطة معظمهم من البيض في حالات لا تبرر استخدام العنف ضدهم. رجال الشرطة الذين اعتقلوا إريك غارنر ورموه على الأرض فعلوا ذلك لأنهم اشتبهوا بأنه كان يبيع السجائر من دون ترخيص. رجال الشرطة الذين رموا فلويد على الارض فعلوا ذلك بعد أن اتهمه عامل في محل تجاري بأنه استخدم عملة مزورة بقيمة عشرين دولاراً لشراء علبة سجائر. كلا الرجلين قتلا خنقاً، وكلاهما لم يرتكب أي جرم جّدي.

معظم رجال الشرطة إما لم يحاكموا (الشرطي الذي قتل غارنر لم يحاكم) أو تعرضوا لعقاب إداري، او طردوا من وظيفتهم. هذا الاستخفاف بأرواح الشباب السود، أدى الى ولادة “حركة حياة السود مهمة”، التي نظمت تظاهرات احتجاجية بعد كل هذه المواجهات الدامية، حيث رفع المتظاهرون شعارات منددة بالتمييز العنصري الممنهج والمتفشي في النظام الجنائي الأميركي، وصرخوا في هذه التظاهرات صرخة: لا نستطيع التنفس. وللتدليل على عمق التمييز العنصري الممنهج في مدينة مينيابوليس على سبيل المثال، يصل عدد المواطنين السود الى 20 في المئة. ولكن عدد الضحايا السود الذين طاولهم عنف الشرطة في الفترة الممتدة بين 2009 و2019 وصل الى نسبة 60 في المئة من الضحايا.

بعد الحكم بإدانة الشرطي شوفين، رأى البعض أن النظام القضائي حقق بعض العدالة لعائلة فلويد. ولكن، تاريخ مثل هذه المواجهات يظهر العكس. ولو لم يتم تصوير الجريمة ببطء خانق، ولو لم يرها الملايين في الولايات المتحدة، وفي العالم، لكان قتل فلويد قد تم تصنيفه كحادث موت عرضي، وليس كجريمة أو عنف متعمد. ولكن فظاعة الجريمة، ومشهد الشرطي شوفين، وركبته تضغط باستمرار على عنق فلويد من دون أي مبالاة، ويده اليسرى في جيبه وهو يتطلع بدم بارد وبوجه خلا من أي ملامح في كاميرا التلفون النقال التي كانت تصور جريمته، هزّ المجتمع الأميركي. وفور بث شريط خنق فلويد عمت التظاهرات الاحتجاجية كبريات المدن الأميركية في أكبر تعبئة شعبية ضد التمييز العنصري شهدتها البلاد منذ منتصف ستينات القرن الماضي. هذه المرة شارك عدد ضخم من الأميركيين البيض في هذه التظاهرات.

وبعد كل جريمة تطاول شاباً أو شابة من السود العزل على أيدي الشرطة، كانت التظاهرات تُستأنف، وترفع الشعارات ذاتها والمطالب نفسها، ولكن من دون التوصل الى قوانين جديدة تخفف من الحصانة النسبية التي يتمتع بها رجال الشرطة، او لتغيير وسائل اعتقال المشتبه بهم، او عدم استخدام القوة اذا كانت التهمة بسيطة، ولا تتعلق بجرم جنائي حقيقي. وخلال معظم محاكمات رجال الشرطة البيض الذين تمت تبرئتهم، كان الأميركيون يشهدون ما يسمى بـ”الحائط الأزرق” العازل، وهو إشارة الى تضامن رجال الشرطة الذين يرتدون البزّات الزرقاء مع بعضهم البعض ورفضهم في شكل شبه مطلق إدلاء الشهادات ضد زملائهم الذين ينتهكون القوانين. ولكن خلال محاكمة شوفين، هوى الحائط الأزرق، عندما أدلى تسعة افراد من الشرطة، من بينهم رئيس شرطة مينيابوليس بشهادات ضد الشرطي شوفين، وقالوا إن ما قام به ليس من بين تدريبات الشرطة، أو أنه استخدم العنف غير المبرر ضد رجل مكبل اليدين وممدد على الأرض.

الجدال الحاد الذي يحيط بحوادث قتل الشباب السود على أيدي رجال الشرطة البيض، مماثل الى حد كبير للنقاش الحاد والعاطفي الذي يحيط بجرائم القتل الجماعي في أميركا. بعد كل حادث قتل جماعي في مدرسة أو جامعة او صالة سينما أو في كنيس او في كنيسة، ترتفع الاحتجاجات ذاتها، والمطالب ذاتها بفرض قيود صارمة أكثر ضد اقتناء الأسلحة النارية، وغيرها. ولكن استمرار هذه الظاهرة المشينة (خلال أقل من شهر، اضطر الرئيس بايدن الى تنكيس العلم الأميركي فوق البيت الأبيض ثلاث مرات تضامناً من الضحايا وعائلاتهم) يوحي أنه في غياب إصلاحات جذرية، سوف تبقى الولايات المتحدة تعيش في ظل إرثها العنصري الخانق، وفي ظل علاقتها المعقدة والمأسوية بالأسلحة النارية.

الرئيس جوزف بايدن الذي شاهد مع نائبته كمالا هاريس ومع ملايين الأميركيين البث المباشر لقرار هيئة المحلفين، قال إن الحكم يعد “خطوة عملاقة نحو أميركا أكثر عدلاً”. وأضاف: “مقتل جورج فلويد رفع الستار عن العنصرية الممنهجة في بلادنا”. كما أجرى اتصالاً هاتفياً بعائلة فلويد لمواساة أعضائها، وقال بايدن لابنة فلويد، إن والدها “سيغير العالم”.

سوف يتطرق الرئيس بايدن في الثامن والعشرين من الشهر الجاري إلى هذه الظاهرة البشعة عندما يلقي خطاباً أمام مجلسي الكونغرس حيث سيحضّ الأعضاء الجمهوريين بالتحديد للتصويت على مشروع قرار يحمل اسم جورج فلويد يمكن في حال إقراره أن يؤدي الى تغيير في القوانين التي تمس بمختلف أنواع ممارسات رجال الشرطة، خصوصاً علاقات الشرطة بالأميركيين من أصل أفريقي وغيرهم من الأقليات أو الذين يعيشون في المناطق الفقيرة. حتى الآن لا تزال هناك معارضة جمهورية لمثل هذا القانون، الذي يدّعي الجمهوريون أنه مجحف بالشرطة.

جريمة قتل جورج فلويد، وإدانة قاتله، هزتا المجتمع الأميركي، وأرغمتا الأميركيين، مرة أخرى، على مراجعة تاريخهم، خصوصاً الخطيئة الأصلية التي لطخت، ولا تزال، الديموقراطية الأميركية وهدفها الأساسي المذكور في أول كلمات الدستور الأميركي: “نحن شعب الولايات المتحدة، رغبة منا في إنشاء اتحاد أكثر كمالاً، وإقامة العدالة…”.

وحده الزمن سيبين ما اذا كان جورج فلويد بمقتله المأسوي “سيغير العالم” أم لا.

Read Previous

لوموند: سجون الجزائر تمتلئ مجدداً بسجناء الرأي والسلطات تتحدث عن صلات بالإرهاب

Read Next

محاكمات معيبة.. “رايتس ووتش”: إقليم كردستان العراق يحتجز صحفيًا وناشطًا دون إدانتهما

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *