فرجة مسرحية من فصل أخير – علي السوداني

مسرح صغير بإضاءة جزئية ، يحتوي على باب واطئة في عمقه المرئي .

دكة مزروعة فوق دكة المسرح الرئيسية . أدوات سيرك مختلفة الأشكال والمهام .

يخرج من الباب مهرج السيرك الحزين بقيافة ناقصة ، وبيده هاتف من الصنف القديم .

الجمهور ينتظم على الدكة الرئيسية بصورة سطرين من الكراسي المتوازية وعلى مبعدة متر واحد فقط من عتبة المهرج .

كرسي وحيد منفرد على يمين الدكة يستوطنه شخص غامض بلحية طويلة وشعر منفوش وأمامه كأس عرق وكتاب ضخم وقلم ونظارة واطار واقف من دون لوحة.

في الجهة المقابلة لهذا المشهد أي خلف الجمهور الافتراضي ، توجد كاميرا عملاقة يقف خلفها مصور شاب يرتدي نفس ثياب المهرج البطل ، وبجانبه رجل ضخم طويل عريض بلباس أنيق وحمالات بنطلون ملونة مع أي ايحاء ممكن يوحي للمشاهد بأن هذا الكائن هو مالك المسرح .

بخروج المهرج البطل تبدأ عاصفة من التصفيق والتهليل والرقص ، وتتواصل لدقيقتين حتى تصمت لتتحول الكامير من العام الى وجه البطل الذي بدا حزيناً ولاصقاً سماعة الهاتف القديم بأذنه التي أخذت شكل أذن الفيل .

قبل صعود المهرج على دكته ، يحدث الحوار الهاتفي التالي بينه وبين الآخر الافتراضي الموجود على الجهة الثانية للخط .

صوت المهرج حزين ومجروح ، وصوت الآخر مسترخ وفيه رائحة شماتة :

المهرج : سلام صديقي هل أنت متأكد من هذا الخبر ؟

الآخر : نعم صابر عزيزي تماماً كما هو يقيني من اسمي واسم أمي وأبي

المهرج : لكنني لم أر شيئاً مما تقول . كنت تحت نصب الحرية في الباب الشرقي وتناولت لفة فلافل رائعة من عربة متجولة ، ثم قطعت شارع السعدون مشياً وتوقفت عند بائع الشاي قرب سينما بابل . كان هذا قبل أربع ساعات فقط !!

الآخر : تمام جدا يا صديقي .. لقد تم الأمر قبل ساعة من الآن ..

الدبابة الأمريكية أسقطت تمثال الرئيس بساحة الفردوس والناس تتجمع حول بقايا وشظايا البرونز بهرج ومرج وذهول ..

لقد سقطت بغداد يا صابر ..

هنا وبعد دقيقة من الصمت والموسيقى المشجنة ، يبدأ جمهور المسرح بالتململ والوقوف الفوضوي مع هتاف جمعي ملحون :

الجمهور يريد أن يضحك .. الجمهور يريد أن يضحك ..

في هذه اللحظة يقوم المهرج بوضع الهاتف القديم على الأرض ، وينهض متثاقلاً مكسور الظهر متوجهاً الى الحضور الهائج ، وبصوت يكاد ينتج بكاء مكتوماً ليحدث الحوار التالي بينه وبين المتفرجين الثائرين :

المهرج : أيها الأحبة اعتذر جداً لأنني لا أستطيع الآن تقديم وصلة الضحك لهذا اليوم !

أحد الحاضرين : اسمع أيها المهرج البليد ، لسنا معنيين بأوجاعك حتى لو كنت تعاني من امساك شديد .. إن كنت تريد تبديل وصلتك وتخرج على النص الأصلي فنحن موافقون شريطة أن تطلق صلية ضرطات من مؤخرتك الرائعة وهذا يكفي لإنتاج بحر من الضحك ههههههه

المهرج بنفس النبرة الموجعة : جمهوري العزيز أنا بخير وجسدي يؤدي وظيفته من دون أي عطب !

مشاهد آخر : إذن اتحفنا بما تجود .. نحن نشتهي الضحك الآن

المهرج يدور حول نفسه ويوزع نظراته حتى تصل الى مالك المسرح والمصور الشاب ، وبصوت باكٍ تماماً :

لكنَّ بغداد قد سقطت قبل ساعة وليس بمقدوري أن أزودكم سوى ببكاء مرير مرير ..

قطع بأغنية فيروز :

بغداد والشعراء والصورُ

ذهبُ الزمانِ وضوعُهُ العطرُ

يا ألفَ ليلةَ يا مكمّلة الأعراس

يغسلُ وجهَكِ القمرُ

تعود الفوضى لتعم من جديد بين الجمهور فيقوم ثالث يحمل بيده حبتي طماطم ويوجه كلامه القوي صوب المهرج التالف المنكسر :

وما ذنبنا نحن بكل ما حدث وما سيحدث .. لقد دفعنا ثمن التذاكر ونريد حصتنا من الضحك أيها الشاطر الحيال ، نريدها فوراً حتى لو اتصل بك صاحبك الغبي ثانيةً وزف اليك نبأ موت أمك تحت سرفة دبابة أمريكية أو انكليزية .. أضحكنا أيها الفتى أو نجعل جسدك ووجهك وخشمك مصداً للطماطم الفاسدة !!

قطع يصور تضامن الجمهور مع طلب صاحبهم الهائج مثل ثور ، وانتقال سريع صوب الكرسي والطاولة التي يجلس إليها الملتحي المخمور الذي سيكرع كأساً قوية من بقايا خمرته ثم يشعل سيجارة رخيصة وينهض على حيله ببطء شديد ، ويوجه أصبعه السبابة ويده المرتعشة نحو عمق المسرح المضاد ، فيظهر مالك المكان بملابسه الملونة الباذخة وسيكاره الكوبي الفخم ، وعندما يطلق صاحب المكان ضحكةً مجلجلة طويلة ومتقطعة ، ينهض الجمهور مقلداً ضحكة المالك السمين ، ويصطف بخط مستقيم ، ثم يبدأ الخروج فرادى من نفس الباب الذي دخل منه المهرج البطل أول مرة !!

Read Previous

ماذا نعرف عن تصاعد أعمال العنف في الصومال؟

Read Next

القدس.. باب العامود خط أحمر

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *