العرب ومفاوضات فيينا: لا بد من جبهة وخطة – علي حمادة

يوم السبت الماضي، انتهت الجولة الثالثة للمفاوضات بين إيران و”مجموعة دول ٤+١”، ومعها بشكل غير مباشر الولايات المتحدة حول البرنامج النووي الإيراني في فيينا.

وحسب مجمل التصريحات العلنية للأطراف المفاوضة يمكن القول إن المفاوضات تسير بشكل “إيجابي” نحو إتمام اتفاق بين إيران والمجتمع الدولي في غضون أسابيع قليلة.

فمنسق المفاوضات نياية عن الاتحاد الأوروبي إنريكي مورا يقول في تصريح بعد انتهاء الجولة الثالثة: “حققنا تقدماً، ولكن التعقيدات في التفاصيل تؤخر الاتفاق”. من ناحيته يصرح المندوب الروسي في فيينا السفير ميخائيل اوليانوف: “لا نتوقع اختراقات في المفاوضات النووية مع إيران قريباً. لكن كل المؤشرات تقودنا الى توقع نتيجة نهائية ستكون ناجحة خلال بضعة أسابيع”. أما كبير المفاوضين الإيرانيين عباس عراقجي فيكشف أن “الولايات المتحدة موافقة على حذف غالبية أسماء الأفراد والكيانات والمؤسسات من قائمة الحظر”، مضيفاً أن “أسماء أخرى ما زالت على قائمة الحظر لأسباب مختلفة، ومفاوضاتنا حول هذا الجزء لا تزال جارية”.

كل هذا فيما يبقى الموقف الأميركي على ضبابيته، إذ يتجنب المفاوضون الأميركيون بقيادة مستشار الشؤون الإيرانية في البيت الأبيض روبرت مالي إطلاق أية مواقف، أو التحدث مع الإعلام لإبقاء الغموض حول المفاوضات، لا سيما في ظل المعارضة التي واجهها في الكونغرس من قبل الحزب الجمهوري، فضلاً عن معارضة حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. ومن هنا قول مستشار الأمن القومي جيك سوليفان يوم الجمعة الماصي أن “المفاوضات تقف في منطقة غير واضحة”.

في هذا الإطار تأتي زيارة الوفد الأمني الإسرائيلي الرفيع المستوى الذي يضم كلاً من مستشار الأمن القومي مثير بن شبات، ورئيس “الموساد” يوسي كوهين لمقابلة كبار المسوؤلين الأميركيين، وصولاً الى الرئيس الأميركي جو بايدن في سياق المعارضة الشديدة  والمعلنة التي تبديها إسرائيل لما تعتبره توجهاً من خلال المفاوضات الجارية في فيينا حالياً للعودة الى الاتفاق النووي للعام 2015، من دون أي تعديل، والاكتفاء بترحيل التعديلات المطلوبة لجهة تقويته، وإطالة أمده، وطرح الملفات الأخرى الخلافية مثل برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، وسياسة التدخل الإيراني في بلدان الشرق الأوسط التي تطلق عليها واشنطن تعبير “السياسة المزعزعة للاستقرار “، وذلك إلى أمد غير معلوم. وتشعر إسرائيل، ومعها حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة بأن إدارة الرئيس جو بايدن تسعى الى إحياء الاتفاق المعقود في العام 2015 بأي ثمن، من دون إقامة اعتبار لمصالح حلفائها في المنطقة، بما يذكر بمرحلة الرئيس الأسبق باراك أوباما.

ويبدو أن الإسرائيليين يحملون معهم إلى واشنطن أجزاء جديدة من الملفات المرتبطة بالبرنامج النووي التي تمكنوا من سرقتها من إيران في العام 2018، ولم يتم إطلاع الأميركيين عليها، وتدعم وجهة نظرهم في أن للإيرانيين برنامجاً نووياً عسكرياً لم يتخلوا عنه حتى الآن.

بالعودة الى المفاوضات، فمن الواضح أن الطرفين الأميركي والإيراني يرغبان في تحقيق تقدم، والتوصل إلى اتفاق سريع. ويظهر أن الطرفين يعملان وفق توقيت الانتخابات الرئاسية الإيرانية المقررة في 18 حزيران (يونيو) المقبل، فالمفاوض الإيراني الذي يمثل الحكومة (فريق الرئيس حسن روحاني)، وإن كان يتحرك ضمن القيود التي وضعها مكتب المرشد علي خامنئي، فإنه يعمل على تسريع وتيرة التفاوض، وانتزاع ما أمكن من تنازلات أميركية، من أجل التوصل الى اتفاق يصب في صالح مرشح الفريق الإصلاحي، ولا يستفيد منه مرشح المحافظين، لا سيما بعد انفجار أزمة التسجيل الصوتي لوزير الخارجية محمد جواد ظريف الذي كشف عنه في الأسبوع الماضي. أما الأميركيون فإن مؤشرات عدة تفيد بأنهم قد يسيرون في اتجاه تقديم “دعم” غير مباشر عبر الدبلوماسية للفريق الإصلاحي، وقد يكون مرشح الفريق محمد جواد ظريف الذي يرى الكثيرون أن التسجيلات التي كشف عنها، وفيها انتقادات يوجهها الى المتشددين، والى قاسم سليماني تصب في صالح تلميع صورته أكثر في الغرب، لا سيما لدى أصدقائه في إدارة الرئيس جو بايدن الذين سبق أن خدموا في إدارة باراك أوباما، وعملوا ضمن فريق التفاوض على الاتفاق النووي. ولكن تجدر الإشارة الى أن ترشح ظريف في الانتخابات الرئاسية دونه عقبات كبيرة أهمها أنه إذا أقدم على تقديم ترشيحه قد يستبعد بقرار من المرشد، في حال كان هدف المرشد والمحافظين هو إيصال مرشح متشدد، والسيطرة على السلطة التنفيذية بلا منازع.

في مطلق الأحوال ستعقد جولة المفاوضات المقبلة يوم الجمعة، وسط معلومات بأنها ستحقق تقدماً أكبر. من هنا يتعين على حلفاء الولايات المتحدة العرب أن يسمعوا صوتهم، وأن ينظموا أنفسهم أكثر لمواجهة تداعيات العودة الى اتفاق سيء سبق أن فتح أبواب المنطقة على مصاريعها أمام التوسع الإيراني. ما نقوله لا يلغي ضرورة إطلاق حوار مع الإيرانيين، وإن كنا نرى أنهم يمرون حالياً بمرحلة انتقالية غير واضحة المعالم، إضافة الى أنهم لن يقدموا بواسطة الدبلوماسية تنازلات في ما يتعلق بملف تهديدهم أمن دول المنطقة الاستراتيجي.

في كل الأحوال لا بد من جبهة حقيقية متراصة، ولا بد من خطة مواجهة!

Read Previous

ما آخر تطورات محاكمة رئيس الوزراء العراقي السابق عادل عبدالمهدي في فرنسا؟

Read Next

الإنصاف في مسائل الخلاف – حسن العلوي

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *