إيران تحوّل البوكمال السورية ثكنة لميليشياتها

وسط تراجع حالة التنافس التي كانت تطغى، طوال الشهور الماضية، على العلاقة بين الميليشيات الإيرانية في شرق سوريا وتلك التابعة للقوات الروسية، ثمة مؤشرات مهمة الى أن قيادة “الحرس الثوري” الإيراني بدأت منذ نحو أسبوعين تنفيذ خطة تقضي بتعزيز قبضتها على مدينة البوكمال الحدودية بين سوريا والعراق، بهدف تحويلها ثكنة عسكرية خاصة بالقوات التابعة لها. ويبدو أن المساعي الايرانية تجاوزت عقدة الاعتراض الروسية، لا سيما في ظل ميل موسكو إلى التعايش مع النفوذ الإيراني في سوريا، وعدم رغبتها في تحويله بؤرة صراع علنيّة بين الطرفين.

وشكلت مدينة البوكمال محطة أساسية لوصول تعزيزات كبيرة للميليشيات الإيرانية من عدد من المحافظات السورية، خلال الأيام الماضية. ومعظم هذه التعزيزات انتشرت في نقاط متاخمة لنقاط انتشار ميليشا الدفاع الوطني التي أصبحت تعتبر ذراع روسيا في المنطقة منذ انسحاب قوات “لواء القدس” قبل بضعة شهور.

وبدأ التركيز الإيراني على مدينة البوكمال في 17 نيسان (أبريل)، مع قيام أبو عيسى المشهداني قائد ميليشيا “الهاشميون” المشكّلة حديثاً، بإنشاء مقر له في شارع الانطلاق في المدينة شرق دير الزور. وانتشر في المقر ما يقارب 50 عنصراً معظمهم من عشيرة المشاهدة وأهالي بلدة السكرية غرب البوكمال.

بعد ذلك بفترة قصيرة، بدأت الميليشيات الإيرانية تنفيذ عملية انتشار واسعة تمتد من قرية الصالحية وصولاً إلى الحدود السورية – العراقية. وذكرت تقارير إعلامية أن الميليشيات قامت بإنشاء ما يقارب 30 نقطة جديدة بالقرب من نقاط ميليشيا الدفاع الوطني، من أجل فرض سيطرتها على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي.

وأضافت التقارير أنَّ ميليشيات “الحرس الثوري” الإيراني استقدمت عدداً من آليات الحفر من البوكمال والعراق، وبدأت عمليات حفر خنادق وأنفاق والتجهيز لزرع حقول ألغام في المواقع الجديدة.

في غضون ذلك، وصلت تعزيزات كبيرة الى الميليشيات الإيرانية في البوكمال وريفها. وذكرت شبكة “عين الفرات” المتخصصة بنقل أخبار المنطقة الشرقية والمناهضة للوجود الإيراني، إنَّ الميليشيات الإيرانية نقلت نحو 200 عنصر من منطقة المزارع والحيدرية التابعتين لمدينة الميادين إلى منطقة الصالحية التي كانت مربعاً أمنياً للروس قبل أن يخليها لمصلحة “الحرس الثوري” قبل فترة طويلة.

ونقلت الميليشيات معها غرفاً جاهزة نحو الصالحية في ريف البوكمال لتجهيز أماكن إقامة للعناصر الذين تم نقلهم نحو المنطقة، والتابعين لميليشيا “اللواء 47” في “الحرس الثوري” الإيراني (يقودهم في الحيدرية الحاج مالك الإيراني).

ومن التعزيزات عناصر منتدبون من قوات النظام السوري لـ”الحرس الثوري” تحت مسمى كتيبة “الاختصاص” وضمن عناصرها مختصون بالتعامل مع المضادات والصواريخ والمدفعية والدبابات، ويتحدرون من محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة وحمص، كما يرافقهم عناصر إيرانيون وأفغان من الفوج ذاته.

ووصفت شبكة “عين الفرات” التعزيزات الإيرانية بأنها تعكس نية طهران تحويل البوكمال ثكنةً عسكرية خاصة بميليشياتها.

ويأتي الالتفات الإيراني إلى البوكمال بعد انحسار موجة التنافس التي هزت العلاقة بين الميليشيات الإيرانية والروسية طوال العام الفائت. وفي دلالة الى احتدام التنافس الروسي – الإيراني، أرسلت روسيا أواخر العام الماضي تعزيزات عسكرية إلى بادية البوكمال بذريعة تمشيطها من خلايا تنظيم “داعش”. وضمت التعزيزات الروسية أكثر من 10 ضباط وخبراء تابعين للقوات الروسية وأكثر من 250 عنصراً من الميليشيات التي تدعمها روسيا، مثل “الفيلق الخامس”، “لواء القدس”، و”الدفاع الوطني”. وتوزع ضباط وعناصر التعزيزات في حينه ما بين مقر الميليشيات الروسية في الفندق السياحي، وحقول الحمار والورد في ريفها الغربي، ليأسسوا هناك غرف عمليات بغية الإشراف على عمليات التمشيط.

واعتبر مراقبون أن التعزيزات الروسية جاءت في سياق “تطويق الوجود الإيراني” في محافظة دير الزور، مشيرين إلى أن “تحييد الإيرانيين في عموم سورية هدف روسي – أميركي مشترك”. ورأى هؤلاء أن “الوجود الإيراني في محافظة دير الزور يهدد أي تفاهم متوقع بين موسكو وواشنطن”، لافتين إلى أن “الإيرانيين يضعون ثقلهم في محافظة دير الزور لأسباب كثيرة، لعلّ أبرزها اعتبار هذه المنطقة محطة رئيسية في ممر برّي، تخطط طهران لفتحه من أراضيها وصولاً إلى سواحل البحر المتوسط”.

غير أن مدير مركز “الشرق نيوز” فراس علاوي كان له رأي مختلف، اذ عبّر عن قناعته بأن هدف التعزيزات الروسية هو “التنسيق مع الجانب الإيراني للقيام بعملية عسكرية واسعة النطاق ضد تنظيم “داعش” في بادية دير الزور بعد فشل الحملات السابقة”، كاشفاً عن هدف آخر لها وهو “ضبط الحدود السورية – العراقية”. واعتبر أن الجانب الروسي لا يهدف إلى مزاحمة الإيرانيين في مدينة البوكمال، فالمنطقة قاعدة أساسية لإيران وهناك توافق بين موسكو وطهران حول هذا الأمر. وأوضح علاوي، وهو من أبناء ريف دير الزور الشرقي، أن الجانب الروسي “متمركز داخل مدينة دير الزور وعلى المعابر بين قوات النظام وقوات سورية الديمقراطية (قسد)، المسيطرة على ريف دير الزور، شمال نهر الفرات”.

وكانت العلاقات بين القوات الروسية وميليشيات إيران شهدت توتراً ملحوظاً، بعدما طلبت القوات الروسية من قيادة ميليشيا “الحرس الثوري الإيراني” تسليمها موقع الحمار، بالإضافة إلى موقع الخشم الأحمر، في البادية الجنوبية الشرقية لمدينة البوكمال، إلا أن هذا الطلب رفضته الميليشيات الإيرانية.

وتواصل طهران مساعيها للاستحواذ على البوكمال وريفها، رغم تعرض مواقعها في المنطقة لغارات مكثفة من طائرات أميركية وإسرائيلية بين الفينة والأخرى. واستهدفت آخر الغارات يوم الخميس الماضي رتل سيارات تابع للميليشيات الإيرانية في قرية السيّال شمال البوكمال. وتبيّن أن إحدى السيارات المستهدفة كانت تقل قيادات كبيرة في “لواء فاطميون” التابع لـ”الحرس الثوري” الايراني، وذكرت بعض المواقع السورية المعارضة أن من بين القتلى الحاج ساجد الأفغاني الذي يتولى منصب القائد العسكري لـ”اللواء”، ولكن لم يتسنّ تأكيد هذه المعلومة من مصادر مستقلة.

Read Previous

القضاء الفرنسي يبرئ مارين لوبن بعد نشرها صور انتهاكات ارتكبها تنظيم الدولة الإسلامية على تويتر

Read Next

غوستاڤ إِيفل: شقّة شخصيّة في أَعلى البرج

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *