غوستاڤ إِيفل: شقّة شخصيّة في أَعلى البرج

كتب: هنري زغيب

منذ نشوبه في قلب “عاصمة النُور” قبل 132 سنة، وهو مَعْلَمٌ ثقافي عالمي يقصده السيَّاح من كل العالم، لا يكونون زاروا پاريس إِن لم يدخلوه هيكلًا حديديًّا صامتًا بمهابة، ويرتقوه عَلْوَةً فوق عَلْوَة حتى يُطِلُّوا من قمته (نحو 280 مترًا) على منبسطات العاصمة الفرنسية الجميلة.

الشقَّة الشخصية

هل أَعلاه هو القمة؟ قليلون يعرفون أَن قمته الحقيقية أَعلى من أَعلاه: هي الشقَّة التي رسمها لسكَنَه الهانئ بانيه المهندسُ غوستاڤ إِيفل (1832-1923). بعدما أَنجز تصاميم البرج جميعَها، وضع تصميمًا لشُقَّةٍ خاصة من نحو 93 مترًا مربعًا عند النقطة الأَعلى من البرج (304 أَمتار)، لا يبلُغها السيَّاح لأَن لها مدخلًا جانبيًا صغيرًا مُقفَلًا، ومصعدًا خاصًا بها.

الشقَّة، على صغرها، تحوي مطبخًا وحمَّامًا وغرفة جلوس فيها طاولة ومقعدٌ طويلٌ وپيانو. لا غرفة نوم فيها، ما يرجِّح أَن إِيفل لم يكن ينام فيها، بل كان يقصدها للراحة ومتابعة الخرائط والأَعمال الهندسية من مكتبه، ولاستقبال ضيوف مميَّزين من حلقته الخاصة، بينهم المخترع الأَميركي توماس إِديسُون (1847-1931).

على عكس المفاصل الحديدية التي بنى بها البرج، كانت شقَّته ذاتَ مناخ آخر: أَثاث مترَف من مقاعد مخملية الجِلْد، طاولة خشبية أَنيقة، خزائن صغيرة، وورق جدران ملوَّن أَنيق. ولأَنها كانت أَعلى شقة سكَنية في پاريس فترتئذٍ (1889)، كانت مرنى كثيرين ممن يعلمون بها. فعن الكاتب هنري جيرار (واضع كتيِّبٍ عن البرج بُعَيد إِنجازه) أَن “بعض المهتمين مستعدُّون لأَن يدفعوا رسمَ دخولٍ خاصًّا، غير الرسم لزيارة طبقات البرج، كي يروا تلك الشقة الصغيرة، أَو يستأْجروها ولو لليلة واحدة”. ومما جاء أَيضًا في الكتيِّب: “رغِبَ المئات في اختبار ما يراه المهندس من تلك العَلْوة الفريدة الـمُشْرفة على كل المدينة. جاءته رسائل لا تُحصى يعرض عليه أَصحابُها مبلغًا مُغريًا جدًّا كي يستأْجروا تلك الشقَّة ولو ليلةً واحدة. لكن إِيفل رفضَ تلك العروض جميعَها ولم يكن يستقبل إِلَّا قليلين نعموا معه برؤْية العاصمة الجميلة من ذاك الارتفاع الجميل… وكان إِيفل يحب أَن يطلَّ من شرفة شقته ليلًا على أَنوار المدينة، يلفح وجهَهُ نسيمٌ يحمل إِلى عينيه جمالات المدينة من فوق، فيما يرفع بصره إِلى أَعلى فيخال النجوم باتت أَقرب إِليه. ويروح من تلك العَلْوة يحلم بمشاريع تاليةٍ لعاصمته وبلاده”.

الشقَّة اليوم في ذاتها جاذبٌ سياحيّ

لا تزال حتى اليوم منعزلةً فوق، غيرَ متاحة لدخول السيَّاح. يتأَملونها من الخارج عبر عازل زجاجي، فيرون بين أَثاثها ثلاثة تماثيل من شمع لغوستاف إِيفل وابنته كلير وضيفه توماس إِديسون. وهي باتت، في ذاتها، مَعْلَمًا سياحيًّا تاريخيًّا دافعًا لختام الجولة على طبقات البرج، بلوغًا إِلى “شقَّة مسيو إِيفل” تتوِّج برجه العالمي الأَشهر.

الأَشهر؟ طبعًا. فپاريس هي أَكثر المدن استقطابًا سيَّاحَ العالم، لمعالم فيها تراثية ثقافية سياحية تاريخية. وزيارةُ برج إِيفل إِحدى أَكثر الوُجهات قصدًا وإِعجابًا بهذا “الصرح الحديدي الهندسَة”، بين هندسات بيوت پاريس الحجرية وكاتدرائياتها القوطية.

كيف؟ ومتى؟

السائح المثقَّف لا يكتفي بزيارة البرج بل يطَّلع على تفاصيل بنائه وظروف تشييده، منذ فاز بالمناقصة في 7 كانون الثاني/يناير 1887 مكتبُ “غوستاف إِيفل للهندسة”، بين نحو 100 عرض لتشييد مبنى يقام فيه “معرض پاريس الدُوَلي سنة 1889″، وشرط المناقصة أَن ينتهي البناء في ما سوى سنتين (كانون الثاني/يناير 1889). ووضعَت إِدارة “المعرض” برنامجَ احتفالات خاصًّا للمناسبة بين عروض مسرحية وموسيقية تجذب الزوار من العالم إِلى زيارة “المعرض”.

كان التصميم الأَوليّ أَن يكون المبنى ذا أَربعة أَجنحة مستقلَّة في القاعدة، تجمع بينها قبة عالية موحدة. وتستقبل الأَجنحة المعروضات وأَكشاكًا مرافقة بين مطاعم ومحالّ لبيع البضائع والتذكارات. بعد الموافقة الرسمية جنَّد إِيفل معه نخبة ممتازة من زملاء له مهندسين معماريين وداخليين لبناء برجٍ في ثلاث طبقات من حديد تعلو حتى 300 متر.

إِلى إِبراز عبقريته الهندسية، شاء إِيفل أَن يكون بُرجُه كذلك “هدية پاريس” احتفاءً بالمئوية الأُولى للثورة الفرنسية (1789-1889)، فلا يكون البرج مناسبةً فقط لـ”المعرض العالمي الكبير” بل “تعبيرًا عن مجد فرنسا”.

زال الحاسدون وبقي البرج

لم يستقطب مشروع إِيفل إِعجابًا عميمًا بل تصدَّت له اعتراضات حسودة مغْرضة ادَّعت خشيتها أَن يضيع الفن والجمال في المدينة وسْط حديدية الهندسة. لذا بادر مهندسون وفنانون ومؤَلفون موسيقيون وكتَّاب وحريصون على بهاء جمال پاريس أَلا يضيع في هذا “الصنم الحديدي”، فوقَّعوا على عريضة رفعوها إِلى السلطة في شباط/فبراير 1887، عنوانها “اعتراض الفنانين على برج مسيو إِيفل”، لكنّ عريضتهم جاءت متأَخرة لأَن ورشة البناء كانت انطلقت في 28 كانون الثاني/يناير.

انفتح البُرج أَمام الزوَّار (كان اسمه يومها “برج الـ300 متر”) في 15 أَيار/مايو 1889 بعد 9 أَيام من افتتاح “المعرض العالمي” (6 أَيار). لكنّ المصاعد لم تكن جاهزة بعد، فكان على الزوَّار أَن يرتقوا مشيًا 1710 درجات كي يبلغوا قمَّة البرج. مع ذلك شهدت الأَيام التسعة الأُولى صعود 28.922 زائرًا مأْخوذين بجمال البرج ورؤْية العاصمة من طبقاته العالية.

نجحَت حجة البقاء

كان في أَحد بنود العقد إِزالة البرج بعد المعرض بعشرين سنة. لكن إِيفل، لإِنقاذ إِنجازه الكبير، اقترح أَن تتركَّز على قمته محطةٌ لهوائيات الاتصالات، فوافقت السلطة وبقي البرج رمزًا خالدًا لباريس خصوصًا ولفرنسا عمومًا.

وها هو اليوم أَكثر معْلَم سياحي في العالم، يجذب سنويًّا نحو 7 ملايين زائر إِلى هندسته الفريدة.

Read Previous

إيران تحوّل البوكمال السورية ثكنة لميليشياتها

Read Next

ثروته تتخطى ملياري دولار.. محامية فرنسية لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة: من أين لك هذا؟

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *