هابرماس ورفض جائزة الشيخ زايد: عندما تحوّل الاحتفال إلى مأتم

كتب: محمد عبد الرحيم

«قلّما نجد شخصيات بارزة في الحقل الفلسفي والثقافي والفكري مثل يورغن هابرماس، فهو يتمتع بمسيرة حافلة بالإنجازات والأعمال المتميّزة، التي جعلته الصوت الأكثر حضوراً وتأثيراً في الحياة الثقافية الألمانية، على مدى أكثر من 50 عاماً، وما لقب شخصية العام الثقافية إلا تأكيد على تميّز مسيرته ونتاجه الفلسفي المهم، الذي أثر في الثقافة العالمية، ومنها الثقافة العربية». (علي بن تميم، أمين عام الجائزة)

«لقد أعلنت استعدادي لقبول جائزة الشيخ زايد للكتاب لهذا العام. كان هذا قراراً خاطئاً، وأنا أصححه… لم يكن واضحاً لديّ بشكل كافٍ الصلة الوثيقة للغاية بين المؤسسة التي تمنح هذه الجائزة في أبوظبي، بالنظام السياسي هناك». (هابرماس)

«تعرب جائزة الشيخ زايد للكتاب عن أسفها لتراجع السيد يورغن هابرماس عن قبوله المسبق للجائزة، لكنها تحترم قراره». (عن موقع الجائزة)

توإلى الإعلان تباعاً الأيام الماضية عن اسماء الفائزين بجائزة الشيخ زايد للكتاب لهذا العام في فروعها المختلفة، فاشتعلت الصحافة ومواقع التواصل بالتهليل والتهاني لهذا الفائز أو ذاك، ليأتي موقف عالم الاجتماع والفيلسوف الألماني يورغن هابرماس ـ مواليد عام 1929 ـ برفضه للجائزة كشخصية العام الثقافية، ليضع الفائزين في موقف لا يحسدون عليه. هذا بداية، ثم أدى قرار الرجل إلى عقد مقارنة سريعة بين موقفه وموقف (المثقفين) العرب، سواء الذين فازوا أو الذين يحلمون بالفوز، فالقليل من المهتمين بالشأن الثقافي ثمّنوا موقف الرجل، مقابل الكثير من المحسوبين على الثقافة العربية، وهم بالطبع أشهر أبواقها، وهُم إما التزموا الصمت، رغم أنهم يصمّون آذاننا ليل نهار عن القيم والمبادئ والانتصار للحريات، أو شككوا في رفض الجائزة.

فقط موقف

اتخذ هابرماس موقفه التصحيحي هذا نتيجة انتقاد صحيفة «دير شبيغل» الذي جاء في مقال بعنوان «هابرماس والبروباغندا الإماراتية» حيث أشار إلى أن منح الجائزة سيشكل نجاحاً دعائياً للإمارات، التي يسري فيها حكم استبدادي. فردّ الرجل بإعلانه تراجعه عن قبول الجائزة، هذا القرار الذي اعتبرته الصحيفة قراراً يستحق التهنئة، بعدما ذكرت أن هابرماس أوضح أن مَن قدّم له المشورة في البداية ودفعه لقبول الجائزة، هو يورغن بوس، وهو مدير معرض فرانكفورت للكتاب، وهو نفسه أحد أعضاء اللجنة العلمية لجائزة الشيخ زايد للكتاب.

كرامة المثقف

نستعرض بداية آراء بعض المثقفين من خلال صفحاتهم على فيسبوك، والمؤيدة لموقف هابرماس.

□ الباحثة والأكاديمية التونسية رجاء بن سلامة:

قبل يورغن هابرماس الجائزة الإماراتية، ثم رفضها، بسبب انتهاكات حقوق الإنسان، غياب الحقوق السياسية والمدنية في البلاد، ومنظومة الكفالة التي تجعل العمالة الآسيوية في وضع مهين، وأخيراً المشاركة في التحالف الذي يؤدي إلى استهداف المدنيين في اليمن. قيمة الجائزة حوالي 262 ألف يورو. لكن القيم أهمّ من قيمة الجائزة. وحقوق الإنسان هي القيميّة الكونيّة التي تجمعنا، والتي يحرص عليها الفيلسوف الألماني. عالمنا يتغيّر سريعا، من لم يفهم هذا، يعش بين الحفر.

□ الكاتب والأكاديمي الفلسطيني خالد الحروب:

هذا الرفض المبدئي من قِبل الفيلسوف الألماني الكبير هابرماس لجائزة الشيخ زايد نضعه برسم التأمل، أمام كُتّاب عرب كثيرون يلهثون وراء هذه الجوائز التي تحولت إلى تحسين صورة التطبيع والمطبعين.

□ الكاتب المصري شادي لويس:

قبل أيام منحت الإمارات جائزة الشيخ زايد للفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، ومن شويّة أعلن هو عن رفضه لقبولها، والسبب علاقة الجائزة بمنظومة الحكم السياسية هناك. كل الاحترام لرجل يعرف قيمة نفسه وقيمة الكتابة وأخلاقياتها، ودور المثقف وكرامته، ومعنى أن يكون للفرد ضمير وموقف عام.

□ المُترجم المصري سمير جريس:

رفض هابرماس لجائزة الشيخ زايد بعد أن قبلها، تبرز قدرة هابرماس على قبول النقد، والاعتراف بالخطأ. جاء رفض هابرماس بعد أن نشر موقع «دير شبيغل» صباح أمس مقالة تنتقد قبوله جائزة من نظام سياسي يمثل عكس ما يدعو إليه هابرماس. قرأ الفيلسوف المقالة، واقتنع بالنقد، وأرسل على الفور اعتذاراً عبر ناشره إلى إدارة الجائزة، واعترف أن قبوله للجائزة كان من البداية خطأ.

□ الكاتب السوري فواز حداد:

المفكر والفيلسوف وعالم الاجتماع يورغن هابرماس رفض تسلم جائزة الشيخ زايد للكتاب. هذا التصرف يجعلنا نؤمن بأن هناك مثقفين كبارا، يمنحون للثقافة معناها الحقيقي.

□ الكاتب والباحث المصري نبيل عبد الفتاح:

هابرماس أهم فيلسوف ألماني معاصر يرفض جائزة الشيخ زايد لهذا العام. درس كبير للساعين واللاهثين وراء الجوائز الأدبية السخية، سعياً وراء المال وفقدان الجوائز لمعناها وقيمتها الرمزية.

ضد التطبيع

وحتى لا نظلم ونعمم موقف المثقف العربي بالتحالف والتواطؤ مع هذه الأنظمة، نجد العديد من الأصوات رفضت موقف الإمارات من التطبيع مع إسرائيل، عبر المطالبة بوقف تمويل أبوظبي لجوائز تختص بالأدباء والروائيين والشعراء العرب، أو الانسحاب من جوائز أخرى إماراتية، فطالب بعض الكتاب الفائزين بالبوكر العربية، بوقف التمويل الإماراتي لها، قائلين: «ندعو مجلس الأمناء الحالي إلى تحمل مسؤوليته الثقافية التاريخية في حماية الجائزة، عبر إنهاء التمويل الإماراتي، وذلك حفاظاً على مصداقية الجائزة واستقلاليتها». وعلى رأسهم من فلسطين، إبراهيم نصر الله، الفائز بالجائزة عام 2018، ربعي المدهون، الفائز بالجائزة عام 2016، والراحل مريد البرغوثي، رئيس لجنة التحكيم لعام 2015، ومحمد بنيس من المغرب، إلياس خوري من لبنان، فواز حداد من سوريا، وهدى النعيمي من قطر.

من ناحية أخرى، أعلن الأكاديمي والناقد المغربي يحيى بن الوليد، والروائيان والمترجمان أحمد الويزي وأبو يوسف طه، والروائية الزهرة رميح، والشاعر محمد بنيس، انسحابهم من جائزة «الشيخ زايد للكتاب». كذلك أعلنت مؤسسة «بيت الشعر في المغرب» ـ مؤسسة مستقلة ـ إدانتها واستنكارها التطبيع الإماراتي مع إسرائيل. إلا أن رد اتحاد كُتاب وأدباء الإمارات، جاء معتبراً أن «ما صدر من أصوات نشاز ومعارضة لمعاهدة السلام، ما هي إلا أصوات لا تمثل الواقع».

في صحة المثقف العربي

فكرة رفض الجوائز الأدبية قلما تصدر عن مثقف عربي، لكنها ولله الحمد تحدث، ربما أشهرها موقف الروائي المصري صنع الله إبراهيم، عندما رفض جائزة القاهرة للإبداع الروائي، في ما يُشبه (الشو) الإعلامي قائلاً: «أعلن اعتذاري عن عدم قبولها، لأنها صادرة عن حكومة لا تملك، في نظري، مصداقية منحها».

أما المصري بهاء طاهر فرفض جائزة (مبارك) في الآداب عام 2011، قبل تنحي (المخلوع) قائلاً إنه قبلها في 2009 «باعتبارها في المقام الأول جائزة الدولة المصرية، والآن وقد أهدر نظام مبارك دماء المصريين الطاهرة، فإنني أرد هذه الجائزة بكل راحة ضمير» ، كذلك رفض المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري جائزة من صدام حسين، وأخرى من معمر القذافي، مشيراً إلى أن الأولى لم تكن تشمل اختصاصه (الفلسفة) أما الثانية فرفضها لأنه لا يستحقها. وبمناسبة القذافي، نذكر موقف الرفض الشهير للكاتب الإسباني خوان غويتيسولو، الذي رفض جائزة القذافي العالمية للآداب في دورتها الأولى، قائلاً: «إن رفضي للجائزة التي يمولها نظام مثل نظام القذافي، هي بمثابة خطوة في اتجاه البحث الدائم عن التماشي مع مواقفي المناهضة للأنظمة الاستبدادية». هذه الجائزة التي كان يترأس لجنتها الروائي إبراهيم الكوني، الذي لم يجد إلا جابر عصفور ليمنحها له. وما كان من الأخير إلا أن رد له الجائزة بمثلها، و منحه جائزة الرواية المصرية.

ونختتم بحالة أخرى من حالات الرفض، التي قام بها الصحافي والكاتب الإيطالي كورادو أوجاس، الذي ذهب إلى السفارة الفرنسية وأعاد وسام الشرف الفرنسي، الحاصل عليه عام 2007، بسبب منح الوسام نفسه للرئيس المصري، قائلاً: «في رأيي، لم يكن ينبغي للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن يمنح وسام جوقة الشرف رئيس دولة أصبح شريكاً لمجرمين. أقول هذا ليس إحياء لذكرى جوليو ريغيني فحسب، إنما أيضاً لفرنسا، للأهمية التي ما زال يمثلها هذا الوسام». كان ذلك في نهاية العام الفائت.

Read Previous

أحدهما من أصول باكستانية والآخر يتحدّر من جامايكا.. مرشّحان يمثّلان التنوّع في بريطانيا يتنافسان على رئاسة لندن

Read Next

الرئيس التونسي قيس سعيد: سأتقدم قريبا بمبادرات تستجيب لمطالب الشعب

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *