فورين بوليسي: غزة هي أول امتحان لأجندة بايدن الديمقراطية

قالت إليس لابوت، الأستاذة المساعدة بمدرسة الخدمات الدولية في الجامعة الأمريكية، إن غزة هي أول امتحان لأجندة جوزيف بايدن الديمقراطية.

 

وأشارت إلى تفاخر جارد كوشنر، صهر ومستشار الرئيس السابق دونالد ترامب، في مقال نشره قبل شهرين عن نهاية الصراع العربي- الإسرائيلي، والذي تبين حسب زعمه أنه لم يكن سوى “نزاع عقاري” بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وقالت إن دورة الانتصار ربما كانت سابقة لأوانها، فمنذ 10 أيار/ مايو، قُتل أكثر من 230 فلسطيني في العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة، حيث دكّت إسرائيل معظم القطاع، فيما ردت حماس بإطلاق الصواريخ. وربما توصل الطرفان إلى اتفاق وقف إطلاق النار الخميس أو الجمعة، لكن هذا لن يُحدث فرقا على سيناريو “جرذان الأرض” التي تخرج فيه من جحرها بعد فترة من السبات الشتوي ويشير خروجها إلى خروجها استمرار الشتاء أو بداية الربيع والصيف.

 

فسياسة بايدن في الأزمة الحالية كما يقول الدبلوماسيون كانت “ضعيفة إن لم تكن في الحد الأدنى غامضة”. فقد كان إعلان بايدن بداية الأسبوع عن “دعمه لوقف إطلاق النار” بدون الدعوة الحاسمة ووضع الثقل الدبلوماسي مجرد ضوء أخضر لإسرائيل كي تنهي المهمة في أسرع وقت. وكان شجب بايدن للقادة الإسرائيليين مجرد دعوة لتخفيض العنف على طريق وقف إطلاق النار. كما أن مبعوثه إلى الشرق الأوسط، هادي عمرو وإن كان دبلوماسيا مجربا ويعرف سياسة المنطقة، إلا أنه جاء إليها بدون صلاحيات وأوكلت له مهمة صعبة من حكومة ليست لديها رؤية واضحة عن الأزمة.

 

سياسة بايدن في الأزمة الحالية كما يقول الدبلوماسيون كانت “ضعيفة إن لم تكن في الحد الأدنى غامضة”

 

وفي الوقت الذي أكدت فيه إدارة بايدن أن النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني ليس من أولويات المئة يوم الأولى للإدارة، حيث ركزت على احتواء وباء كورونا ومعالجة الاقتصاد والتعامل مع الصين، لكنها لم تكن جاهزة للأزمة الأخيرة، وبدون فريق كاف، حيث لم تعيّن بعد سفيرا لها في إسرائيل.

 

وكل هذا جزء من استراتيجية الإدارة الواسعة وهي “غسل يديها من الشرق الأوسط” والتحول نحو المواجهة المهمة في منطقة المحيط الهادئ. وبدون اهتمام بالموضوع أو خطة اتبعت الإدارة الموقف الفعلي المعروف والذي فشل مرات عدة. ولكن الجميع في المنطقة يعرف أن العنف قادم لا محالة، فزعيم السلطة الفلسطينية محمود عباس، ألغى انتخابات دعا إليها متهما إسرائيل أنها هي السبب في ذلك، بسبب منعها سكان القدس الشرقية من المشاركة.

 

وكان الإلغاء متوقعا؛ لأن عدو عباس اللدود “حماس” والتي تسيطر على غزة كانت ستستفيد من الانتخابات على حساب حركة فتح التي تدير الضفة الغربية. ثم جاء بنيامين نتنياهو الذي يقاتل من أجل البقاء في السلطة الذي تحالف مع اليمين اليهودي المتطرف وقام بإذكاء نار العنف ضد الفلسطينيين في المدينة القديمة بالقدس ومهاجمة أحيائهم. وتم تشجيع المتطرفين على طرد عائلات فلسطينية من حي الشيخ جراح في القدس. وفي الأيام الأخيرة من رمضان دخلت الشرطة الإسرائيلية المسجد الأقصى واعتدت على المصلين.

 

وربما يقول البعض ساخرا إن نتنياهو خلق الأزمة لمنع تشكيل حكومة وحدة وطنية في إسرائيل تنهي مسيرته السياسية، وهذا بالضبط ما حدث. وبات نتنياهو اليوم ضرورة سياسية أكثر مما كان عليه قبل 10 أعوام، مقابل عباس الذي أصبح في وضع ضعيف جدا سمح لحماس لكي تثير نار المواجهة التي كانت تعرف نتائجها وطريقة الرد الإسرائيلي عليها من أجل سحب البساط من تحت قدميه، وإظهار أنها هي القادرة على معالجة مطالب الشارع الفلسطيني المحبط.

 

ومن السهل تخيل نهاية الفيلم الأخير: وقف إطلاق نار فعلي ولكن ليس قبل أن يعاني المدنيون (وبخاصة الفلسطينيين الذين تكبدوا خسائر عالية). وتعرف إسرائيل أنها لا تستطيع هزيمة حماس أو توجيه ضربة قاصمة لها وهي لا تحاول. فبعد آخر مواجهة عام 2014 حصلت إسرائيل على سبعة أعوام من الهدوء النسبي، وهي تعتقد أن فترة أخرى من الهدوء هي هدف متواضع يمكن الحصول عليه.

 

ولكن الأمور مختلفة هذه المرة، فقد اندلع العنف وأعلن عن إضراب عام في كل أنحاء الضفة الغربية وداخل إسرائيل، من القدس ونابلس والخليل وبيت لحم ومدن أخرى، ولم يعد الفلسطينيون يطالبون بوقف الجولة الأخيرة من العنف، بل إحداث تغيير جذري على معاملتهم كمواطنين من الدرجة الثانية.

 

وتعلق الكاتبة أن العنف داخل ما يطلق عليها “المدن المختلطة” في إسرائيل حطم النسيج الحساس عن “التعايش”. وتوتر عال كهذا لا يمكن الحفاظ عليه. وهذا لا يعني أن على الولايات المتحدة المسارعة بتقديم خطة سلام لا شهية لأحد بها، أو مناخ يسمح بالدعوة إليها. ولكن عليها أن تتحرك من محددات السياسة التي أدت إلى التصرفات المعادية للديمقراطية من الإسرائيليين والفلسطينيين. وعليها اتخاذ خطوات ملموسة لتحسين الوضع على الأرض للمواطنين الأكثر عرضة للتهديد من النزاع، وتغيير ميزان القوة من خلال معالجة الحقوق الفلسطينية المهملة وتأمين أمن إسرائيل في الوقت نفسه.

 

العنف داخل ما يطلق عليها “المدن المختلطة” في إسرائيل حطم النسيج الحساس عن “التعايش”

 

وعندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين، على الولايات المتحدة التوقف عن الرقص حول معاناتهم تحت الاحتلال الإسرائيلي. وبدأت إدارة بايدن بإعادة العلاقة معهم، واستئناف الدعم الذي ألغاه ترامب بعد نقله السفارة الأمريكية إلى القدس وإغلاقه الممثلية الفلسطينية في واشنطن. وتحتاج الجهود هذه إلى مزيد من المنشطات لتحسين حياة الفلسطينيين، وهذا في الضفة الغربية يعني حرية العمل والعيش والتحرك بدون خوف من الاعتقال أو التشريد. وفي غزة التي يعيش فيها أكثر من مليوني شخص مقطوعين عن بقية المناطق الفلسطينية والعالم منذ أكثر من عقد، فعلى الولايات المتحدة الدفع باتجاه فتح دائم للقطاع وإنهاء الحصار لكي تدخل البضائع ويتحرك السكان.

 

وخطوات كهذه كافية لأن تعطي الفلسطينيين مساحة للتنفس والتفكير ومعالجة مستقبلهم السياسي. فهم لا يعانون فقط من الجرافات والحصار، بل من عجز القيادة والفساد. فعباس يحكم بالمراسيم ويرفض تنظيم انتخابات منذ عام 2006، والقيادة الفلسطينية موزعة بين الضفة تحت قيادة فتح وحماس في غزة، وكلاهما فشل في تحسين ظروف الفلسطينيين.

 

وكجزء من هذه الجهود، على الولايات المتحدة التأكيد على الإصلاح كما فعلت بمستوى من النجاح في ظل جورج دبليو بوش. وهذا يعني مكافحة الفساد والتأكيد على الشفافية ووقف التحريض والتحفيز ضد إسرائيل. ويجب على واشنطن تشجيع الفلسطينيين على الانتخابات والمصالحة بين فتح وحماس. وهو ما قد يفتح الباب أمام توجيد الضفة وغزة في ظل حكومة واحدة تشمل حماس بشرط احترامها للقانون الدولي وتخفيف العنف ضد إسرائيل. والمهم أيضا هو استخدام الولايات المتحدة نفوذها على إسرائيل لفرض شروط على المساعدة السنوية (4 مليارات دولار) بدلا من كتابة صك مفتوح. وعليها أن تخضع إسرائيل لنفس معايير حقوق الإنسان التي تستخدمها مع حلفائها. وعليها أن تنهي حالة الحصانة التي أدت لسياسات تمييزية ضد الفلسطينيين وجعلت الحكم الفلسطيني في المناطق المحتلة معقدا.

 

وعلى المدى القريب، يجب على واشنطن دفع إسرائيل لضمان معاملة متساوية وحماية لكل المواطنين في ظل القانون، بما في ذلك إلغاء هدم البيوت في الشيخ جراح، والحد من تصرفات المتطرفين اليهود. وهناك فرصة لتحلل أمريكا من الأعباء التي أثقلت الدبلوماسية الأمريكية وتدويل الأمر من خلال إشراك دول لها علاقات بمستويات مختلفة مع إسرائيل مثل تركيا ومصر والإمارات وقطر والأردن التي تتعاون مع حماس وفتح، وكذا السعودية التي تقوم وبشكل تدريجي بتحسين علاقاتها مع إسرائيل ولكن تعليقاتها في الأزمة الأخيرة في الوسط، بين نقد إسرائيل وحماس.

 

وعلى الولايات المتحدة أن تتخلى عن سياسة الدعم من جانب واحد لإسرائيل مع أن هذه الجهود التحويلية تحتاج إلى مشاركة على مستوى عال، ودبلوماسية مكوكية على طريقة كيسنجر. وهي بحاجة لرجل اتصال يعيّنه بايدن للتواصل عبر دبلوماسية هادئة مع كل الأطراف بالمنطقة.

 

على الولايات المتحدة أن تتخلى عن سياسة الدعم من جانب واحد لإسرائيل مع أن هذه الجهود التحويلية تحتاج إلى مشاركة على مستوى عال، ودبلوماسية مكوكية على طريقة كيسنجر

 

ومع تصاعد عدد الضحايا وصور الدمار التي تنقلها عدسات التلفزة من غزة، على واشنطن زيادة جهودها لوقف العنف، لكن بايدن لا يجد نفسه أمام الجمهوريين المؤيدين لإسرائيل، ولكن بين مؤيدها داخل الحزب الديمقراطي وجيل جديد من الديمقراطيين التقدميين الذين يدفعون الولايات المتحدة لاتخاذ خطوات قوية ووقف العنف والتعامل بشدة مع إسرائيل.

 

وبدأت زيارة بايدن يوم الثلاثاء إلى ديربورن التي تعيش فيها أكبر جالية عربية بمواجهة مع النائبة عن ميتشغان رشيدة طليب، وهي من أصول فلسطينية. ثم لاحقه المتظاهرون الغاضبون أثناء زيارته إلى مصنع فورد للسيارات.

 

وربما كان بايدن يراهن على نهاية العنف، لكن التظاهرات داخل إسرائيل والأراضي المحتلة وحركة الاحتجاج في أمريكا وحول العالم، تشير إلى أن الأزمة أعمق مما يتصور. وجعل بايدن الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان حجر الأساس في سياسته بعد سنوات ترامب الكارثية، فلو كان بايدن يريد فعلا المضي في أجندته ومساعدة كل من إسرائيل والفلسطينيين للتحول إلى ديمقراطية أحسن تستجيب لاحتياجات المواطنين وأقل ميلا لبدء العنف، فهذا هو المكان للبداية

Read Previous

هنية يلتقي مع مبعوث الأمم المتحدة للشرق الأوسط وينسلاند في الدوحة لبحث “التهدئة”

Read Next

العراق.. فرق طبية إلى فلسطين واستعداد لاستقبال الجرحى

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *