غسان كنفاني.. وذاكرة شعب لن تموت – وداد سلّوم

فتحت اسرائيل بوابة مندلبوم أمام الفلسطينيين ليزوروا قراهم ومدنهم، فينظروا إلى الأمكنة كأمر واقع، وقد تغيرت وصارت مسكونة باليهود وصارت مدناً اسرائيلية، هو رهان على العامل النفسي لدى الفلسطيني ليدرك ان الأمر وصل إلى حد اللاعودة، وذلك بعد حرب الـ67. يقول غسان كنفاني على لسان سعيد في روايته «عائد إلى حيفا»:
– أتعرفين؟ طوال عشرين سنة كنت اتصور أن بوابة مندلبوم ستفتح ذات يوم.. ولكن أبداً، أبداً لم اتصور أنها ستفتح من الناحية الأخرى. لم يكن ذلك يخطر على بالي، ولذلك فحين فتحوها بدا لي الأمر مرعباً وسخيفاً وإلى حد كبير مهيناً تماماً.. قد أكون مجنوناً لو قلت لك إن كل الأبواب يجب ألا تفتح إلا من جهة واحدة، وإنها إذا فتحت من الجهة الأخرى فيجب اعتبارها مغلقة لا تزال ولكن تلك هي الحقيقة.

الاتجاه الآخر

هي إشارة منذ بداية الرواية لما يخبئه فتح تلك الأبواب، وما أضمره الاحتلال في تلك الخطوة كلاحقة لما فعله عسكرياً، التعزيز الذهني والنفسي والاجتماعي لضياع فلسطين في الذهنية الفلسطينية.

الرواية تعمل في الاتجاه الآخر، اتجاه الطرف المهزوم، الطرف الخاسر، الذي دفع دفعاً للهجرة القسرية تحت السلاح وتحت الضياع والمفاجأة، وبداية رحلته المريرة في المنافي والهجرات، وهي رحلة سعيد س وزوجته من حيفا، وفيها يفقد الزوجان ابنهما خلدون (تتركه الأم في المنزل ولا تتمكن من العودة لاستعادته) تبدو القصة غريبة نوعاً ما، لكن ما حدث في الواقع يبدو اكثر غرابة. عشرون عاماً والطفل نائم في سريره بالنسبة إليهما، عشرون عاماً وابنهما وطن ما زال في الحلم ممكنا وفي الواقع حسرة لا يحاولان الاقتراب من ذكرها، سنين من انتظار غير معلن انتظار العودة وانتظار الغائب.

كانت خلالها تنمو مشاعر الحنين والغربة والقهر والظلم، وكما فلسطين لم يتخيل الفلسطيني انها ضاعت ولم يقبل الفكرة.

ذاكرة التاريخ

بعد عشرين عاما، حين فتحت اسرائيل بوابة مندلبوم ليعود الفلسطينيون كزائرين وحسب، عادت الأسرة لاسترجاع ابنها.

الخوف، الخوف من الواقع ومن مواجهته مواجهة فكرة أن الطفل قد مات او قد فُقد للأبد جعل التردد في عبور البوابة قاسياً، لكنهما سعيد وصفية يتخذان القرار ويذهبان، فتعود الذكريات، يبرع الكاتب في وصف الحالة النفسية للزوجين وفي وصفه لحيثيات المكان، إذ يقدم غسان كنفاني ذاكرة شعب لم تمت ولا يمكن ان تموت او تغتصب، لارتباطها اللصيق فهي ليست ذاكرة حدث وحسب، بل ذاكرة تاريخ وحياة معاشة، والمفارقة تكمن في تقديمه للذاكرة بتلك الحميمية والعاطفة في طريق العودة، وكأن عشرين عاماً من الغربة ليست سوى ايام ينظر سعيد للجدران والمفارق والشوارع والأشجار، حيفا كلها تحيا كما قبل عشرين عاماً، العودة للبيت واستهجان ظهور عائلة يهودية تسكن فيه مع بقايا الأثاث. تستغرب صفية أن المرأة تتحرك وكأنه بيتها، كل هذا يتوج باكتشاف ان ابنهما حي وأن العائلة اليهودية قامت بتربيته وتبنيه حتى صار شاباً وصار فرداً في الجيش الاسرائيلي، المواجهة بين الأب والابن تضع حداً للتداعي العاطفي الذي يعيشه سعيد وصفية، ومن خلالهما كل فلسطيني، إذ يتبدد الحلم بالولد كما الحلم بحيفا ويكتشفان كم تغيرت الأشياء، ويدركان حجم الغربة فلا الشوارع ولا البحر ولا الظلال ولا الكتابة على السلم تعني شيئا، ويعرفان ان الوطن مسروق والولد مسروق وأن الحنين الذي تعاظم والشوق والانتظار لا يفيدان في اعادة ما استُلب، وفي أثناء الحوار بين سعيد ودوف ابنه، خلدون الذي صار دوف، يدرك سعيد أن هناك طريقا واحدا للعودة أن تفتح البوابة من الجهة الأخرى.

الإيمان بالحق

تتمحور فكرة الرواية الرئيسية في هذا الانتقال من العفوية وانتظار الحل عبر الآمال العاطفية والايمان العميق بالحق، إلى السعي لامتلاك الحق وصناعة الحل والمسير فيه، ويشير هنا إلى العمل الفدائي كحل وحيد، وليس خافياً ان كل حل هو ابن ظرفه التاريخي، القصة وعلى حجمها الصغير تجيب عن تساؤلات في عمق القضية الفلسطينية وفي عمق كل فرد، حين يسأل الكاتب: ما الوطن؟ وحين يجيب عما يختلج في نفسه متلمساً الخطأ التاريخي الذي وقع فيه كغيره من الفلسطينيين وهو الخروج، ويشير إلى الذين قاوموا ورغم ذلك فإن سياسة اسرائيل في التغيير الديموغرافي للمكان لإحداث القطع بين الشعب والانتماء للوطن، فحين يعود الابن إلى بيته متوقعاً وجود اسرائيليين فيه يفاجأ بوجود فلسطينيين لكنهم فقدوا بيتهم واحيلوا إلى بيت آخر ليسكنوا فيه. إنه عمل اسرائيل الاستيطاني الذي يراهن على الزمن وفقدان الصلة والذي تعمل عليه اليوم تهجير سكان القدس والـ48 من بيوتهم، والتي قد تكون أحيانا ليست لهم وإنما لأشقاء.

ربما كان في القصة نوع من المباشرة، لكنها كانت من دواعي الحوار ومن طبيعة القصة التي لا تتحدث عن مشاعر مستقلة، بل عن مواجهة مرتبطة بظرف تاريخي وسياسي.

الحق لا ينمو لأنه اصلا ثابت وكبير ولكن كثيرا من الأشياء تنمو محاولةً أن تلتهمه.

فيلم المتبقي

من حق الفيلم اللعب على تغيير الشخصيات والأسماء، فالفيلم عمل مستقل ومتكامل يستنير بالقصة لكن في الحقيقة بدا الفيلم وقد غيّر الكثير مما ينقل المحور الرئيسي الذي عنيت به الرواية، وهو ترك بصمة في الوعي الفلسطيني ومساره متماشياً مع محاولة إخراجه من دوامة الهزيمة في الـ67، وتغيير خط العمل على الآمال غير المدروسة. بينما الفيلم يسير بإظهار النضال الفلسطيني منذ الـ48 والمقاومة، علماً بأن هناك كانت مقاومة يشير إليها الكاتب في الرواية، ولكن بشكل ضعيف وهو الواقع، فلو أن عقلية العمل الفدائي والمقاومة كانت متبلورة في الـ48 ولو كانت تحمل إمكانيات حقيقية لما حصل ما حصل، لا ينتقل الفيلم إلى ما بعد النكبة ولا إلى ما بعد النكسة يبقى في إطار إظهار البطولة والمقاومة بشكل مبالغ فيه.

وهنا الفارق الذي يلفت الانتباه بين الرواية والفيلم دون الحديث عن التقنية الفنية التي ظهرت ضعيفة في أماكن كثيرة، كمحاولة الزوجين العودة للبيت لاصطحاب ابنهما، او كنجاح الشابين الفلسطينيين بالتسلل إلى صفوف حرس القطار الذي يقل جيشاً في مهمة حربية وغيرها.

———————–

شاعرة وناقدة سوريّة

Read Previous

مظفر النواب.. رساماً – قحطان جاسم جواد

Read Next

سياسية ليبية: سيف الاسلام القذافي ما زال مطلوباً للعدالة

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *