يصدر قريباً.. رواية “جنازة السيدة البيضاء” للكاتب عادل عصمت

يصدر قريبًا عن دار الكتب خان، أحدث أعمال الكاتب الكبيرعادل عصمت ، رواية “جنازة السيدة البيضاء” والتى يقدم فيها تجربة فنية جديدة ومتعمقة فى شخصية وحياة عالمة الأثير فى ريف الدلتا المصرية…

 

تبدأ رواية “جنازة السيدة البيضاء” من لحظة الذروة، يقدم فيها “عادل عصمت” أكثر أعماله درامية، من خلال لحظات احتضار “نعمة”، الأم والزوجة، مؤلفًا لها نشيدًا جنائزيًا شجيًا وإنسانيًا. مستعينًا بخمسة خطوط لحنية تتقاطع وتتشابك وتتصاعد معًا على إيقاع أنفاس “نعمة الأبيض” الأخيرة، حتى تصل ذروتها اللحنية عند جنازة السيدة البيضاء. والخطوط الخمسة هى أصوات الزوج، والعاشق، والابنة، ونعمة الأبيض، والرواى . خمسة وجوه أو آلات لحنية اختار الكاتب أن يكشف لنا من خلالها قصة السيدة البيضاء منذ كانت فتاة جميلة حالمة فى قريتها وكيف صارت فى طليعة المتعلمات من فتيات القرية، ومصيرها مع زوج مستبد. رحلة السيدة البيضاء من الطفولة إلى الكهولة ثم الموت، بعد أن انطفأت فيها شعلة النور والحياة. تتشابك مع تاريخ قرية “نخطاي” الذى يسرده الراوى منذ الحملة الفرنسية على مصر وحتى ثورة 25 يناير.

 

يتعمق الكاتب أكثر فى منطقته الأثيرة، فى ريف الدلتا، من خلال الكشف عن الإرث الأخلاقى والاجتماعى والجغرافى الذى يحيط بشخصياته، ويشكل مصائرهم، وتكتسب الرواية عمقًا ورمزية من خلال الحفر فى طبقات المجتمع الذى تقدمه، وهو بالتأكيد قطعة من روح مصر، برع الكاتب فى كشفها ورصد تحولاتها وأثرها فى قالب روائى لم يتخل عن فنيات القص والحكى والدراما. محافظًا على الإمتاع والمؤانسة بسلاسة لغوية وفنيات آسرة.

 

“جنازة السيدة البيضاء” عمل روائى ممتع ونافذ، يحمل بين طياته مستويات عديدة للقراءة، يكتسب فرادته من بناءه الدرامى وشكله الجمالى الأصيل.

 

من الرواية: “فى قديم الزمان، كانت “نخطاي” مجموعة من الدور وقصر آل راضى وأرض النخيل، تحيطها البرارى على امتداد البصر. فى ذلك الزمن ظن الناس أن بلدتهم آخر بلدة فى البر، وأن من يمشى خلال البرارى حتى نهايتها سوف يصل إلى بوابات العالم الآخر. فى تلك الأيام البعيدة، وفى ظهيرة من ظهيرات الصيف، كانت صبية تغسل المواعين عند شاطئ الترعة. تحت شجرة صفصاف شعر البنت. الماء فى الترع عالٍ فى ذلك الوقت من الصيف. تفوح فى الجو رائحة الطمي. ونخطاى تستعد بسدودها لكى تواجه الفيضان. الماء يمور حولها عارمًا، بلونه الطينى اللامع. رفعت الصبية عينيها فرأت شابًا من عائلة راضى يقع من فوق الحصان. كل ما فعلته أنها ضحكت وكتمت ضحكتها فى صدر جلبابها عندما قام الولد من الأرض ونظر إليها بغضب ثم نادى السايس أن يسحب الحصان إلى الإسطبل.

 

يقولون فى نخطاى إن هذا الموقف هو أساس عائلة الأبيض، بكل ميراثها من العلم والاعتزاز بالنفس المبالغ فيه الذى يسميه العقيد عثمان الفقى “عجرفة فارغة” أو “نفخة كذابة”، لكن الأهم أنه أساس وضع مقبرتهم فى القلب من ذلك الميراث، تُروى قصتها على أنها حكاية العائلة.

 

عائلة الأبيض من بين عدد محدود من عائلات نخطاى تصر، حتى انكسار العقد الأول من الألفية الثالثة، أن تقضى شطرًا من الأعياد مع الجدود فى المقابر. عادة لازال يعمل على صيانتها الآن “أنس الأبيض”، مدرس الرياضيات فى مدرسة نخطاى الثانوية والأخ الأكبر لنعمة التى ترقد الآن تصارع الموت وقد أغمضت عينيها منتظرة القضاء، تفكر فى باحة البيت وأبيها يرتدى الجلباب الكشمير والعباءة فى صباح العيد الكبير ويقول: “يا للا يابت انت وهي، شهلوا شوية، نلحق نزورهم قبل الشمس ما تطلع”.

 

لابد أن يقوم أكبر فرد فى عائلة الأبيض بأداء مراسم ليلة العيد. يفرش الحصير ويجلس بجوار أهله عند القبر. رغم أن هذه العادة قد بطلت، وتوقف أغلب أهل نخطاى عن تناول إفطار آخر أيام رمضان ووقفة عيد الأضحى فى المقابر، لكن عائلة الأبيض لم تتوقف عنها. وفى الأعوام الأخيرة ازداد إصرار العائلة على تلك العادة عندما أبطلها انتشار الأفكار السلفية ولم يعد أحد يذهب فى الأعياد إلى المقابر، غير عجائز البلد. الناس فى نخطاى تعرف قصة المقبرة ولذا لم يعتبروا الأمر خروجًا عن الإجماع ولا تحديًا للتفسير الجديد الذى أشاعه السلفيون، بل محافظة على ذكرى دماء سالت عندما بُنيت تلك المقبرة.

 

ترسخت حكاية المقبرة فى الأذهان بسبب تلك العادة. لا أحد من عائلة الأبيض لايعرفها. فقد حكيت أمامهم عشرات المرات حتى “مروان” ابن نعمة الذى يكمل دراسة الطب فى ألمانيا وابنتها “منار” التى تعمل طبيبة فى معهد ناصر فى القاهرة، يعرفون تلك التفاصيل، التى سمعوها وهم يلعبون على المراجيح فى باحة الدار، أو فى الغيط فى أصباح ضبابية ينتظرون فيها الجمال لتحمل القمح والأرز، أو فى الليالى الواسعة لنخطاى عندما ينقطع التيار الكهربائى لساعات طويلة.

 

فى تلك الحكاية أمر لا يطوله القدم، وإن كانت بعض تفاصيلها تتعرض للسخرية وتجعل المتمرد من فتيان العائلة يتوقف ليسأل كيف نقلت هذه التفاصيل عبر السنين؟ لكن الأمر لايخلو من تسامح فقد شاهدوا أكثر من دليل على صدق الحكايات”.

عادل عصمت: روائى مصري، صدرت له العديد من الأعمال الروائية: الوصايا، حكايات يوسف تادرس، أيام النوافذ الزرقاء، صوت الغراب، حالات ريم، حياة مستقرة، الرجل العاري، هاجس موت. وكتاب “ناس وأماكن”، وقصص “مخاوف نهاية العمر”. حصل على جائزة الدولة التشجيعية وجائزة نجيب محفوظ، كما وصلت روايته “الوصايا” إلى القائمة القصير للجائزة العالمية للرواية العربية فى 2019 وحصلت على جائزة ساويرس فى الرواية، كبار الكتاب . ترجمت بعض من أعماله إلى الإنجليزية والفرنسية والصربية والإسبانية والصينية والأيطالية.

Read Previous

“مملكة مارك زوكربيرج وطيوره الخرافية” للكاتب أحمد عبد اللطيف

Read Next

يشمل السوريين.. اليونان: لن نقبل طلبات لجوء القادمين عبر تركيا

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *