بعد 50 عاما على تأسيس أطباء بلا حدود: صنعنا قصة ملحمية من مجرّد حلم

لا تزال منظمة أطباء بلا حدود التي تأسست على أيدي أطباء فرنسيين تمد يد العون لضحايا الزلازل والمجاعات والأوبئة والنزاعات وغيرها من الكوارث بعد 50 عاما من مساعدة المحتاجين للرعاية الصحية.

واليوم، من مساعدة النازحين جرّاء الحرب الأهلية في اليمن مرورا بمكافحة فيروس إيبولا في إفريقيا ووصولا إلى إنقاذ المهاجرين في المتوسط، بات لدى المنظمة نحو 100 عملية في حوالى 75 بلدا.

لكن تطورها من مجرّد حلم لمجموعة متفانية بقليل أو من دون موارد، إلى هيئة تحظى باعتراف وتقدير عالمي لعملها الإنساني الذي أكسبها جائزة نوبل للسلام، لم يمر من دون جدل.

ويقول أحد مؤسسي أطباء بلا حدود كزافييه ايمانويلي الذي يبلغ اليوم 83 عاما بكل فخر: “صنعنا قصة ملحمية من مجرّد حلم”.

فظائع بيافرا

وأكد أحد مؤسسيها برنار كوشنير: “أردنا التوجّه إلى الأماكن حيث يعاني الناس. قد يبدو ذلك سخيفا اليوم، لكنه كان ثوريا في تلك الحقبة”.

لكن الحلم بدأ من كابوس.

عام 1968، كانت حرب بيافرا تشتعل بين الانفصاليين في جنوب شرق نيجيريا والقوات الحكومية.

وكان المدنيون يقتلون جرّاء القنابل والمجاعات، بسبب حصار فرضته السلطات.

وفي باريس، حيث نزل الطلاب والنقابيون إلى الشوارع في أيار (مايو) من ذاك العام في انتفاضة تاريخية، استجاب عدد من الأطباء الذين تخرّجوا للتو من الجامعة إلى نداء للجنة الدولية للصليب الأحمر.

ومع وصولهم إلى نيجيريا، كانوا شاهدين على الفظائع والفوضى.

وقال كوشنير (81 عاما) الذي كان بين هؤلاء الأطباء: “لم نكن مستعدين”.

وأضاف: “كان الأطفال يموتون بشكل جماعي لأن الجيش كان يحجب جميع الإمدادات. كان واضح بالنسبة إلينا كأطباء شباب بأن مهمّتنا كعاملين في مجال الصحة الإفصاح عمّا يحدث”.

وفي تحدٍ لسياسة الصمت التي انتهجتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، قرر الأطباء كشف حقيقة ما يحصل في نزاع بيافرا عبر الإعلام.

ومهدّت خطوتهم التي جمعت بين تقديم الرعاية والشهادة على الواقع لتطور مبدأ المساعدات الإنسانية في شكلها الحديث.

إحباط

تأسست أطباء بلا حدود في كانون الأول (ديسمبر) 1971، وتم اختيار اسمها خلال أمسية اجتمع فيها الأطباء للتدخين والشرب، بحسب إيمانويلي.

وكانت البدايات صعبة إذ لم تكن المنظمة الوليدة التي افتقدت إلى التمويل سوى مصدر للأطباء الذين وظفتهم منظمات أخرى غير حكومية.

ورغم أن حملة علاقات عامة سنة 1977 منحت المنظمة غير الحكومية شهرة أوسع في فرنسا، إلا أن مهمّاتها الأولى غالبا ما كانت تتحول إلى تجارب مروعة.

وعندما شد كلود مالوريه الذي كان طبيبا شابا حينذاك الرحال إلى تايلاند عام 1975، شعر بالحماسة يومها لمهمة مساعدة الضحايا الذين فروا من الخمير الحمر في كمبوديا. لكن سرعان ما أصابه الإحباط.

وقال عضو مجلس الشيوخ الفرنسي اليميني الوسطي: “كان الأمر فظيعا. لم نملك شيئا، كان عليك تدبر أمرك بما هو متاح”.

وأوضح الطبيب البالغ 71 عاما أن ذلك كان ينطبق على إيجاد المعدات وتأسيس المخيم وحتى الحصول على الأدوية والغذاء.

واستذكر كيف شكّلت التجربة هزّة بالنسبة لفريق بأكمله أدرك أعضاؤه أنه لا يمكنهم الاعتماد على حلول موقتة فحسب.

انقسام جراء خلاف

وفي تلك الفترة، سادت خلافات بشأن مستقبل المنظمة في أوساط القائمين عليها.

من جهة، كان هناك أشخاص يفضّلون اقتصارها على مجموعة صغيرة من الأصدقاء الذين يعملون كفريق “كوماندوز”. ومن جهة اخرى، كان الأعضاء الجدد يميلون إلى توسيعها.

بلغ الوضع ذروته عام 1979 على خلفية أزمة فيتنام عندما حشد كوشنير، رئيس أطباء بلا حدود آنذاك، المثقّفين في باريس بمن فيهم الفيلسوف جان-بول سارتر لاستئجار قارب لإنقاذ اللاجئين الفارّين من النظام الشيوعي.

وأثار هذا النشاط حفيظة الخصوم ضمن صفوف المنظمة الذين رفضوا الخطوة، ما دفع بعض أعضائها بمن فيهم كوشنير للانسحاب من أطباء بلا حدود.

وأسس منظمة تقوم بحملات طبية أطلق عليها “أطباء العالم”.

لكن جروح تلك المرحلة لا تزال تؤلمه بعد أربعة عقود.

وقال كوشنير الذي تولى منصب وزير خارجية فرنسا بين العامين 2007 و2010 في معرض حديثه عن الحادثة: “كان صراعا مؤسفا على السلطة. شعرت بغضب بالغ حيالهم”.

لكن بالنسبة لإيمانويلي، وزير الدولة السابق للشؤون الإنسانية، لم يكن تودد كوشنير للإعلام الطريق الأمثل للمضي قدما.

وقال: “سخّف أسلوب كوشنير منظمة أطباء بلاد حدود”.

وانطلق فصل جديد بدأت المنظمة خلاله تتحول إلى هيئة أكثر مهنية فيما تأسست فروع دولية.

وقال مالوريه: “احتجنا إلى المال لنتمكن من النمو. توجّهت إلى الولايات المتحدة لتعلّم جمع الأموال”.

معضلة التحدّث علنا من عدمه

ومع استقلالها بفضل حصولها على تمويل خاص، لا تتوانى أطباء بلا حدود عن التحدّث علنا.

وقال المحامي فيليب ريفمان المتخصص في المجال الإنساني إن أطباء بلا حدود لم تتبع مبدأ الحياد واحترام سيادة الدول الذي تتمسك به اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

وأضاف: “لا يترددون في التحدّث علنا لحشد الرأي العام”.

ونددت أطباء بلا حدود بانتهاكات الأنظمة الشيوعية في كمبوديا، مشيرة إلى القلق بشأن حقوق الإنسان.

وأرسلت فرقا بشكل سري لمساعدة الأفغان بعد الاحتلال السوفياتي عام 1979، حيث انتشرت عالميا سمعة “الأطباء الفرنسيين”.

وقالت جولييت فورنو التي نظّمت مهمات أطباء بلا حدود إلى أفغانستان حتى العام 1989: “كنا الوحيدين الذين اطلعنا على تداعيات الحرب”.

واضطر الأطباء يوميا لبتر أطراف أطفال وعلاج مزارعين من الحروق الناجمة عن مادة “نابالم”.

وأكدت: “من المهم جدا أن تكون شاهدا على الأحداث، لا يزال الأفغان يذكروننا اليوم”.

لكن التحدث صراحة في إثيوبيا عام 1985 أثر مباشرة على عمل أطباء بلا حدود.

وقالت الطبيبة بريجيت فاسيه إن مراكز توزيع الأغذية التابعة للمنظمة “تحوّلت إلى فخ”.

وتابعت: “كانت السلطات المحلية تستغل المخيّمات لتسجّل اللاجئين وتجبرهم بعد ذلك للانتقال جنوبا وإفراغ مناطق المتمرّدين من السكان”.

وواجهت المنظمة معضلة بشأن إن كان عليها التحدّث علنا أم لزوم الصمت.

وقرر أحد الأطباء التابعين لها روني براومان انتقاد الحكومة الإثيوبية علنا حينها، ما أدى بالتالي إلى طرد أطباء بلا حدود من البلد الإفريقي.

وقال براومان “تحوّلت المساعدات إلى أداة في أيدي نظام إجرامي لم نكن نريد أن نتواطأ معه”.

 “حق التدخل”

وواصلت أطباء بلا حدود التحدّث علنا عن الأزمات، كما فعلت بعدما سحق نظام صدام حسين أكراد العراق في أعقاب حرب الخليج.

وعام 1991، أقر مجلس الأمن الدولي عملية عسكرية لمساعدة وحماية النازحين.

ورغم ترحيب البعض حينذاك بما اعتبر بداية “حق التدخل الإنساني”، شعرت أطباء بلا حدود بالقلق حيال عدم وضوح الخطوط الفاصلة بين العمل العسكري والإنساني.

وبعد عام، تواصل الجدل في الصومال التي كانت تتجه إلى حرب أهلية ومجاعة.

وبموجب تفويض من الأمم المتحدة، تم نشر جنود أميركيين وقوة حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة في مقديشو لضمان سلامة عمليات توزيع الأغذية.

وفي البوسنة عام 1992 وبعد عامين في رواندا، طالبت أطباء بلا حدود بتدخل عسكري لوقف التجاوزات التي يرتكبها الصرب وإبادة التوتسي.

وسرعان ما صدم الطبيب جان-ايرفي برادول، المنضوي في أطباء بلا حدود، بحجم عمليات القتل التي كانت ترتكب لدى وصوله إلى كيغالي في نيسان (أبريل) 1994.

واستذكر تلك الفترة قائلا: “كانت الأمور تجري بشكل متسارع للغاية، كنا نرى الناس يختفون ونحاول إيجاد الكلمات لوصف ما يحصل”.

وتابع: “انتهى بنا الأمر بشراء مساحة إعلانية في صحيفة لوموند لنقول إنه لا يمكن لأطباء وقف عملية إبادة وإن هناك ضرورة لتدخل عسكري دولي”.

وأكد: “لم نفعل ذلك قبلا قط”.

جائزة نوبل

وفازت المنظمة بجائزة نوبل للسلام عام 1999، ما مكنها من تمويل حملة لتوسيع نطاق الوصول إلى الأدوية لعلاج أمراض المناطق المدارية أو الإيدز.

ولديها اليوم 25 قسما وطنيا تضم 61,000 شخص، ثلثاهم منتشرون ميدانيا.

وتبلغ ميزانيتها السنوية حوالى 1,6 مليار يورو (1,9 مليار دولار) مصدر 99% منها تبرعات خاصة.

وقال ريفمان: “أصبحت منظمة أطباء بلا حدود الرقم واحد بلا منازع في حالات الطوارئ الطبية في العالم”.

ومع ذلك، فإن قراراتها لا تسير دائما بشكل جيد، كما عندما أوقفت مناشدتها للعثور على ناجين من تسونامي المحيط الهندي عام 2004 بعدما اعتبرت أن حالة الطوارئ مرت.

ويثير توسعها تساؤلات حتى داخل صفوفها.

ويقول رئيس القسم الفرنسي ميغو ترزيان: “أصبحنا آلة بيروقراطية كبيرة مع إدارات تمارس ضغوطا على الأشخاص في الميدان من أجل تقديم تقارير وجداول إكسل”.

لكن مع الاعتراف بأن فرع فرنسا لم يعد يتحكم بالكامل في قراراتها، تشير بريجيت فاسيه إلى أنه “الشر الذي لا مفر منه لأنه منحنا موارد هائلة”.

زمن متغيّر

ويقول الكاتب والطبيب جان كريستوف روفان إن استقلال المنظمة المالي هو المفتاح، مشيرا إلى تغير الزمن والأولويات.

وذكر أن الإرهاب والمهاجرين والفقر وحالات الطوارئ الداخلية الأخرى تشكل الآن أكثر التحديات الإنسانية إلحاحا.

وبالتالي، يطرح تساؤل عن الدور المستقبلي لأطباء بلا حدود التي تعقد جمعيتها العامة في الفترة من 10 إلى 13 حزيران (يونيو) الجاري في عام تحتفل فيه أيضا بالذكرى الـ50 لتأسيسها.

وتتزامن الذكرى مع تغير الممارسات وتزايد الحاجة إلى المساعدات، بينما يتم إعاقة الوصول إلى المحتاجين في كثير من الأحيان، وحيث يعد الحفاظ على سلامة الموظفين أمرا بالغ الأهمية وسط هجمات يشنّها متطرفون في دول عدة.

وقال ترزيان: “المزيد والمزيد من الدول باتت قادرة على تنظيم الإغاثة على نطاق واسع في حالة وقوع كارثة طبيعية”. وتساءل: “هل ستظل منظمة أطباء بلا حدود مفيدة؟ ربما نتطور إلى مؤسسة لدعم المنظمات المحلية”.

ومع ذلك، لا يزال نداء الواجب قويا كما كان على الدوام.

وفور انتهاء فترة التدريب، توجهت فاني توديير (29 عاما) إلى جنوب مدغشقر حيث ضربت مجاعة قبل ثلاثة شهور.

وذكرت الطبيبة الشابة من مخيم أمبواساري: “أشعر بأن لي فائدة هنا”. وأوضحت: “يعطي ذلك معنى وقوة للحياة. إنه أمر مثير. هناك تجارب لا تصدق. مغامرة كل يوم، حتى لو أنه في بعض الأيام لا تكون الأمور يسيطة”.

وبذلك، كان الانضمام إلى أطباء بلا حدود الخيار الواضح بالنسبة لها.

وأوضحت: “يذهبون إلى حيث لا يذهب الآخرون، ويبقون عندما يغادر الجميع. وبعد ذلك، يتمتعون بحرية التصرف والكلام”.

Read Previous

عالم كريسي تيغن ينهار بسبب تنمرها… خسرت كلّ أعمالها بأقل من شهر

Read Next

“تظاهرة طائفيّة” في بغداد… محاولات لهدم تمثال مؤسس بغداد دار السلام

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *