سمفونيّة الكون وجماليّاتها في لوحات شوقي شمعون

كتبت: مهى سلطان

منذ بداياته، استمدّ الفنان شوقي شمعون إلهامات أعماله من قوى الطبيعة وسطوتها، جبالاً وأنهاراً وصحاري ورياحاً عاتية وسهولاً خصيبة، غير أن معرضه الأخير “سماء مزهرة” (غاليري مارك هاشم)، جاء مستمداً من ذكريات طفولته، حين كان يتأمل السماء المليئة بالنجوم، مستلقياً على ظهره، على سطح بيت منزل العائلة في سرعين (البقاع الشرقي). تأملات مثل نوافذ مفتوحة على اللانهائي، ليذهب البصر إلى ما هو أبعد من الفضاء، ليقطف هذا السحر الوجودي بشاعرية الخلاء.

 إنه السحر الذي نادى الإنسان منذ فجر البشرية ليضعه في حيرةٍ من أمره حيال المنظور القريب والبعيد، إذ كيف يمكننا أن نراقب حركات النجوم وإشعاعات الأضواء البعيدة، وأن نتلمس هذا الوجود الذي ينقسم ويتساقط كي يضيء؟

إنها ليست المقاربة الأولى لمسائل الفضاء لدى شوقي، بل لعلّها الأسئلة المتعالقة ما بين الأفق الأرضي حيث الوجود المتضائل للإنسان إزاء الفضاء كمطلق.

ثمة حافة دوماً للوقوف والتطلع الى ما يُدهش، وهي الحافة التي لا يتخلّى عنها شوقي بتاتاً لأنها أمست توقيعه الثاني، وإن كانت تردداتها الشكلية واللونية مثل اللازمة الموسيقية في الإيقاع، ولكنها تعكس الرغبة الدفينة في البقاء على التخوم العاطفية للذات المحرِّكة لعوالمها البصرية خشية المحو الكلي للأنا، في غمرة التجريد اللوني بطبيعته البصرية.

 

التمدّد الفضائي

القراءة السيميولوجية للوحة شوقي تشير الى مدى انغماسه في إعطاء أعماله صفاتها البصرية المتجردة، كما تؤكد كذلك فرضية إحالتها الى نظريات العلم عن التمدد الفضائي والثقوب السوداء والاختفاء والإظهار والسطوع والانسجام والتجمّع والتناثر، أي سمفونية الكون في أبهى تجلياتها. لذلك يسعى شوقي في أعماله نحو النظام ليقدم عملاً بسيطاً في محتواه البصري ومعقداً في مساراته التقنية.

عندما تزهر سماء شوقي شمعون وتتفتح ورودها يكون الربيع قد حلّ، وتتدلى حبات الثّريا ببريقها الأخّاذ لنكتشف أننا لسنا إلا أمام عالم مفتوح بلا حدود، عالم متغير في ضيائه الأبدي، بأفلاكه وكواكبه الدوّاره. في مهب الحركة الكونية، ليس من سكون البتة، بل ثمة نظام محكوم بالحركة لأنّها مصدر الحياة وينبوع استمرارها.

وعندما تتحرك يد الفنان تبعث في حركتها الطاقة مبعث السرعة، فالتوثب الحيويّ الذي تحدّث عنه الفيلسوف برغسون قد غيّر كل العادات في الرسم، وأضحى السعي لاقتحام الفضاء في عصر الضوء والعلم والتطور التكنولوجي شعاراً فنياً استفزازياً يحدد طبيعة العمل الفني.

 

الفوضى القزحيّة

شوقي شمعون المنخرط تلقائياً في طريقة التقطير اللوني الذي زاوله لسنوات طويلة على طريقة فناني مدرسة نيويورك، يتخطى في تجاربه الأخيرة أسلوب “الأكشن” نحو اختبارات موادية على لوحات كبيرة بأحجام جدارية تعكس تأثيرات الألق البصري للسماء النجمية في ليلها ونهارها وأعاصيرها ودواماتها.

هذه الدوامات ذات الطبيعة المركزية الضخمة التي استجدت بعد انفجار 4 آب 2020، تشير الى غورٍ مستعصٍ، هو حال من الغرق داخل متاهةٍ مثل فوضى قزحية دوّارة وسط كائنات الأثير.

فالصورة عابرة والحقيقة دائمة، والمرئي منسوب إلى جوهر أشمل، وكأن ما نراه في الوجود ليس إلا قبساً من وجود أعظم وأكبر.

هكذا يأخذ الاتساع معنى الشسوع، وليس من قبيل المصادفة أن تقوم تصميمات شوقي على تصوير أطباق عائمة في فضاء لوني كتيم، على مسافات أفقية متساوية مثل نوتات موسيقية مرتبة أو كلمات على سطور. والأطباق نظائر عدسات العيون، لا تحتمل انزياحات غنائية، ولا تتجاوز حدود عباءة الفضاء بل تلامس الوجود بمجرد النظر اليه.

النّثار الكوني

شوقي شمعون يمشي في اللوحة، كمن يمشي في حديقة اللون التي ينثر بذارها ويزرعها وينمّي أشجارها ويشم أزاهيرها ويتفيأ ظلالها تحت سماء واطئة، يتسكع من دون أن يتيه أو يضل الطريق، يظل متيقظاً وهو يقطّر اللون ويدور حول القماش ليوزع خيوطه المكوكية التي يتوشى بها نسيجه اللوني وهو يشفّ حيناً ويتكاثف في أحيان أخرى.

في بعض الأعمال يتفوّق التبقيع على التقطير، فتبدو قماشاته مثل حدائق ربيعية موشاة بالبقع الخضر واللازوردية وأحمر الأزاهير، تعيش في حال من الامتلاء الأقصى، بل في خاصية التمازج والاندماج والتمويه والسحر. كما أن الوقت والزمن والحركة والسرعة، هي دلالات لمرور الأجسام الصغيرة الملونة التي لا يمكن أن تُرى إلا من بعيد، سواءً في سماء الظهيرة الزرقاء أو في عباءات الليل.

 

ضوء في الظّلام

يسعى شوقي لإيهام البصر بذلك النثار الكوني من خلال نثر قطع صغيرة من الأكريليك الناشف الملوّن، على سطح القماش، فتبدو تلك الجسيمات كقطع الموزاييك الزجاجية المعلقة في الفضاء، وهي تتجلى كزينة العيد أو كرنفالات مشاعل الضوء في الظلام.

الفن يحثنا دائماً للذهاب الى الأبعد، وكثر هم الذين اعتبروا أن الفن هو خرق لمفهوم الفضاء (لوتشيو فونتانا)، لذا كان الأزرق لإيف كلين هو قوة الفراغ في الفضاء الروحاني، ولطالما كانت الزرقة دليل البعد في المنظورية الهوائية لعلم الألوان، والأزرق الجويّ هو لون الهواء في البعيد الشفاف، وهو يبعث الروح والحيوية والبهجة وهو “الأزرق الكبير” كما وصفه غاستون باشلار في مؤلفه الذي يحمل العنوان نفسه.

أما شوقي شمعون الذي ظلّ يحلم بالسماء، في ليله ونهاره، في ظلام الليل وشمس الظهيرة، فقد لجأ الى الأزرق السماوي والكوبالتي، استخدمه بمفارقاته البصرية وتعبيراته التشكيلية كعمق تصويري، يجذب البصر نحو الأبعاد أو يوحي بالاستدارات، كما يوهم بالقريب، فيتراءى قريباً من العين وواطئاً أحياناً يكاد يلامس الرؤوس.

هكذا يأخذنا شوقي في تجريداته الفضائية الى متعة الصحو ولذائذ الأحلام والتأمل في غيوب السماء المليئة بالتأويلات، على ضوء الرغبة، و”الرغبة طاقة كهربائية حرّة في الفضاء الى أن تجد مصباحها”، على حد تعبير الشاعر أنسي الحاج، ورغبة شوقي قد وجدت ألوف مصابيحها في فضاء مزهر متألق بالتهيؤات.

Read Previous

الميليشيات الشيعية تُنذر رئيس الوزراء العراقي باغتيالها ضابطا في المخابرات

Read Next

مصر: جريمة (طفل الرّيموت) تتفاعل.. والزّوج يفجّر مفاجأة

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *