البيت والبوصلة والمنارة – عقل العويط

همومٌ لبنانيّةٌ راهنة تشغل البال. هي عظيمةٌ وفادحةٌ ومٌعمية، إلى حدٍّ تجعل المرء لا ينتبه إلى أيّ همومٍ أخرى مهما عظمت، وتكاد تجعله في الآن نفسه عاجزًا عن التفكّر الإيجابيّ، الخلّاق، المنتج، السليم، الهادئ، الرصين، والعاقل.

لكن ما لي ولهذه السفسطة التي قد تكون مُحبِطة، لأنّها تُراوِح مكانها، في حين بجب أنْ تفضي إلى ما يجب أنْ تفضي إليه بلا تأخير، الآن وهنا: خلعُ هذه الطبقة السياسيّة الفاسدة، وهذه السلطة التي تستولي على لبنان. ثمّة في المقابل من المنارات ما يجعل المرء المُحبَط نفسه أعمق أملًا، وأشدّ عزمًا، وأكثر قدرةً على مواجهة هذه الهموم الماحقة.

فجر أمس، وبعد انقطاعٍ هائلٍ في الكهرباء، استمرّ طوال بعد منتصف الليل، رأيتُني أفكّر في “الملحق”، “ملحق النهار”، الذي تأسّس في العام 1964، والذي صار الآن أوراقًا مضمومةً في مجلّداتٍ محفوظةٍ في المكتبات الجامعيّة والخاصّة والشخصيّة، كما تُحفَظ (وربّما تُهمَل وتُنسى) – أكاد أقول – المعالم والكنوز والأيقونات. في الوقت الرهيب هذا، لا يسعني إلّا أنْ أتعزّى بهذا الأثر الإنسانويّ – الأدبيّ – الفنّيّ – الثقافيّ – الفكريّ – الفلسفيّ – الوطنيّ – الاجتماعيّ (والسياسيّ)، المتعدّد المزايا والمواهب والأدوار، لكنْ من دون أنْ أكتفي بالعزاء. جلُّ ما أبتغيه، بل جلّ ما يُبتغى مطلقًا، أنْ تعمد جهةٌ جامعيّةٌ (أو مهنيّة) متخصّصة، أو شخصٌ بحّاثة (أو مجموعة من الأشخاص)، من أهل المعرفة العقليّة والتأريخ والتوثيق والتحليل والاستنتاج والاستخلاص، إلى جعل هذا “الملحق” موضوعًا لأطروحةٍ (أو لدراسات وأبحاث) غير عاديّة، لئلّا يذهب هذا الجهد الطويل الأمد (نحو من خمسين عامًا)، الموسوعيّ، التأليفيّ والنشريّ، هباءً بهباء.

أقول بتهيّبٍ وذهولٍ وإعجابٍ، بل وبافتخار، إنّه لم يبق شاعرٌ ولا روائيٌّ ولا أديبٌ ولا فنّانٌ ولا مثقّفٌ ولا مفكّرٌ ولا باحثٌ، في لبنان والعالم العربيّ، إلّا وجد نفسه في “الملحق”، بطريقةٍ من الطرق. أمّا الآن، فإذا كان لبنان ذاهبًا – غصبًا عنه وبالقوّة – إلى الإنحطاط الأسوأ، وربّما إلى التفكّك والاندثار والزوال، فهذا لا يبرّر في أيّ حال، طمس ما كانت عليه هذه البلاد، أو التنكّر لهذا الذي كانت عليه. هذا حقٌّ من حقوق لبنان علينا، وليس استغراقًا في الماضي. “ملحق النهار” هو بعضٌ من حقيقة لبنان الثقافيّة التي يجب عدم الاستخفاف بها. شأنه في هذا، شأن “أشقّائه” و”شقيقاته”. ألفت إلى هذه المسألة، ليس لأنّي متأثّرٌ بإرث “الملحق”، بل فقط للأهميّة التي يجب أنْ نوليها للعلامات وللحقبات المتألّقة، من أجل أنْ يُقرأ التاريخ الثقافيّ جيّدًا، حين يجد مَن يقرأه.

هل أجرؤ أنْ أدعو إلى بذل مثل هذا الجهد، والناس جياعٌ، متوجّعون، متألّمون، يائسون، محبطون، وموتى؟! ألا ينبغي لي أنْ أخجل وأستحي؟! إنّي أجرؤ بالطبع، وليس ثمّة سببٌ لأن أخجل أو أستحي. أمّا هؤلاء الناس، وخصوصًا منهم الثوّار وأهل التمرّد والرفض والحرّيّة – وهم أهلي – فلطالما كان “الملحق”، “ملحق النهار” بيتهم، وبوصلتهم، والمنارة.

هذا البيت، هذه البوصلة، وهذه المنارة، يجب أنْ يُلقى الضوء عليها، جامعيًّا وبحثيًّا ونقديًّا و… وطنيًّا، لأنّها أيضًا وخصوصًا خريطةُ للطريق.

Read Previous

الأقصى في حسابات الإسرائيليين – ماهر ابو طير

Read Next

برغم مقتل زعيم بوكو حرام… لا يزال الجهاديّون يهدّدون شمال شرق نيجيريا

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *