التجربة الإبداعية والنقدية للشاعر محمود قرني

نظم “منتدى الاستقلال الثقافي” في القاهرة ندوة حول تجربة الشاعر الكبير محمود قرني الأدبية والنقدية، شارك فيها عدد من الشعراء والنقاد منهم الدكتور محمد السيد إسماعيل، والشاعران عيد عبد الحليم وعزة حسين، وأدارها الشاعر أحمد سراج، وفي ختامها طلب المفكر نبيل عبد الفتاح جمع ما كتب عن قرني في كتاب.

وهو الطرح الذي لاقى ترحيب الحضور، ومنهم جمال زهران، مدير مركز الاستقلال للدراسات السياسية، والشاعر هشام قشطة مؤسس مجلة “الكتابة الأخرى” التي تحتفل هذه الأيامم بمرور 30 عاما على صدور عدده الأول، والروائي سعد القرش والشاعران أحمد المريخي وأشرف يوسف والقاص محمود فطين.

وقرأ الشاعر محمود قرني خلال الندوة التي عقدت بمناسبة بلوغه الستين عامًا، عددًا من قصائد مختاراته الشعرية الصادرة حديثا عن دار “الأدهم” بعنوان “أبطال الروايات الناقصة”.

وقال الشاعر أحمد سراج خلال الندوة: “تنبغي الإشارة إلى أمرين مهمين في سيرة محمود قرني الأسلوبية. الأول أنه بدأ بقصيدة العمود؛ ثم انتقل إلي قصيدة التفعيلة بين سنوات 1985 ـ 1990، ومجموعته “خيول علي قطيفة البيت” تضمّ بدورها عشر قصائد في هذا الشكل قبل أن يستقر على قصيدة النثر في مجموعاته اللاحقة.

وأضاف أن قارئ قصائد التفعيلة تلك يلمس بوضوح تمرّس قرني النسبي في هذا الشكل، وهذا يفسر استجابته الملحوظة لإغواء الإيقاع والتشكيلات الإيقاعية في ما سيكتب بعدئذ من شعر في شكل قصيدة النثر.

وأوضح سراج أن الأمر الثاني يتمثل في أنه في بدء حياته الشعرية كان شديد التأثر بشعر محمد عفيفي مطر، وهذا يفسر ذلك المزيج الخاص من حشد النبرة الفلسفية، واستعادة المشهدية الرعوية ومناخات الريف إجمالًا، لكن حال قرني مع عفيفي مطر لم تختلف عن حاله مع قصيدة التفعيلة، لأنه سرعان ما تحرر من ذلك التأثير (الذي، في قناعتي، لم يكن طاغيا على أية حال) فاستجمع صوته الشخصي، وأخذت مجموعاته تراكم نبرة متميزة تلو أخرى، بحيث أننا نقرأ اليوم واحدًا من أنضج شعراء مصر المعاصرين، وأكثرهم انفرادًا في الموضوعات والأسلوبية والأدوات.

ومن جانبه لاحظ الباحث محمد السيد إسماعيل أن مهمة الشعر الأولى كما يرى محمود قرني هي “تأمل أسئلة الموت والميلاد والوجود جملة”، ومن هذه الزاوية، تنشأ علاقة الذات بالعالم؛ الذات المنتهكة مسفوحة الدم، والعالم الكسيف المدجن بالسرايا والجنود، بما يعني أننا أمام رؤية تراجيدية للوجود. يقول في “خيول على قطيفة البيت”: “هي ليلة لدم المغني/ ثم تحزم راحة العشق الخطى/ وتغوص في المدن الكسيفة/ إنه غاب من الأفق المدجن بالسرايا والجنود العاشقين/ الأفق يزحف تحت نير المركبات/ وحبيبتي تشكو إلى زمن خلاء/ أغنيات ليس يعرفها الفناء الدائري”.

وقالت الشاعرة عزة حسين: إذا حاولنا الحديث عن الهم، والسؤال الغائر في وجوديته الذي يطرحه ديوان “لعنات مشرقية”، سيكون علينا الوقوف عند جداريات الخيبة التي شيدها محود قرني عبر مقاطع كثيرة، مستعينا على ذلك بـ”مسخرة” تيمات كالعجز، والفقد، وتناسل المتاهات، عبورا إلى الجنون، وستكون الفانتازيا التي استلّها الشاعر/ الراوي لتعرية الشرق التعيس، وتفكيك عظامه، ثم إعادة تركيبها كقطع البازل، منظارا للهوية التي يقتفيها قرني، بطريقة من يفرغ حقيبة ملابسه بحثا عن “دبوس شعر”.

وعندما يخفت صوت الراوي – تضيف عزة حسين- ليعلو الحوار، وتتعدد الضمائر، وتتصاعد معهما الدراما، والأسئلة بالتالي، ستتواتر أمام أعيننا النهايات، حيث: “سيأتي “الباهلي” على حصته من الندم”، وفيما “ورد الأكمام توقع صك عبوديتها نيابة عن الزعماء”، سيكون “بعض إخوتها يتعلقون بخشبة في جوف المحيط، وآخرون “يترأسون قبائل عميقة الأثر في حياة أممهم، ويعدون ببحث أمر المتعلقين بجوف المحيط بعد عودتهم من الإجازة الصيفية”، و”الشعب في الحقول، يستمع إلى الإعلان الرسمي عن وفاة الدولة”، فيقفل الشاعر أسطورته المشرقية على “ورد الأكمام” تمضي إلى الآخرة “ملفوفةً بالخز والطنافس”، فيما يشيع هو الشرق الحزين قائلاً: “لم يسعك العالم الفاني/ فنم قريرا في غسق الأبدية”؛ ويالها من نهايات!

وتوقف الشاعر عيد عبد الحليم رئيس تحرير مجلة “أدب ونقد” عند كتاب محود قرني “بين فرائض الشعر ونوافل السياسة”، ملاحظًا أن فكرة “الحرية” هي قضية أساسية في رؤيته الإبداعية والفكرية، ولذلك فإن اختياراته لهذا البعد في كتابات بعض الشعراء خاصة من جيل الرواد واضحة، الحرية هنا ليست شعارا بل هي دافع إنساني للتغيير والتجديد والتصدي  للأفكار المتكلسة وللفكر القبائلي وفرض سلطة الماضي.

ويرى عيد عبد الحليم أن محمود قرني شاعر صاحب موقف جمالي وفكري من الحياة، يتميز بالوضوح حتى وإن غضب الآخرون أو رفضوه، لكنه يظل – دائما- مصرا على مبدأه مع إيمانه العميق بحق الاختلاف واحترام الرأي الآخر.

ويضيف: “لا تختلف تجربة محود قرني الشعرية – ذات الأفق الجمالي- عن تجربته الفكرية والنقدية ذات الأفق الواقعي المادي، فكلا الأمرين يأتيان من نهر واحد ومن عقيدة فكرية واحدة متعددة الروافد لكنها تحفر مسارها الخاص في تربة الإبداع العربي ذات الطبيعة المتقلبة”.

ويتابع: “ذلك المسار الذي يؤمن بحتمية التجديد في الرؤية والشكل، بعيدا عن المجانية والاستهلاك، دون نفي للرؤى المغايرة التي يتبناها الآخرون، إنما الوقوف منها على مسافة تسمح بنقدها– بشكل موضوعي- دون تجريح أو نفي، هو مسار يؤمن بضرورة التعدد الإبداعي والفكري، وهذا ما يشير إليه “قرني” في مقدمة كتابه “بين فرائض الشعر ونوافل السياسة” قائلا: “لست من أنصار عبادة الشكل، كما أنني أدين بالكثير من تكويني لشعراء ومدارس شعرية هي جزء من المدونة الكلاسيكية سواء في أدبنا العربي أو في آداب الأمم الأخرى، دون الوقوع في فخاخ المحافظين الذين يعتبرون تفوق القدماء أسطورة لا يمكن تجاوزها”.

محمود قرني ولد في قرية العدوة بمدينة الفيوم 1961 ويقيم بالقاهرة منذ العام 1987، حاصل على درجة الليسانس في القانون من جامعة القاهرة 1985، عمل بالمحاماة والصحافة وعمل كمحرر ثقافي بين 1999 و2014 ، وصدرت له عدة أعمال شعرية بدءا من 1996، منها، “حمامات الإنشاد”، و”خيول على قطيفة البيت”، و”هواء لشجرات العام”، و”طرق طيبة للحفاة”، و”الشيطان في حقل التوت”.

وجمع قرني مختاراته الشعرية في كتاب بعنوان “أبطال الروايات الناقصة”، وله عدد من الكتب منها: “وجوه في أزمنة الخوف… عن الهويات المجرحة والموت المؤجل”، و”خطاب النخبة وأوهام الدولة الأخلاقية”، و”لماذا يخذل الشعر محبيه؟”، والوثنية الجديدة وإدارة التوحش”، و”بين فرائض الشعر ونوافل السياسة”.

وشارك قرني في العديد من المهرجانات الشعرية العربية والدولية بينها مهرجان أصوات المتوسط بفرنسا 2002، جرش 2004، مهرجان الشعر العربي بالمغرب 2009، مهرجان وهران لفنون الصورة والفيلم التسجيلي 2013، بالإضافة لعدد من المهرجانات الشعرية بالكويت، العراق، الأردن، أبو ظبي، والمغرب، وكذلك بعض المشاركات البحثية الأخرى، شارك في لجان تحكيم بعض الجوائز العربية والمصرية مثل جائزة بلند الحيدري التي يمنحها منتدي أصيلة في المملكة الغربية.

وأسّس مع آخرين ملتقى قصيدة النثر بالقاهرة لدورتين متصلتين في 2009 , 2010 بمشاركة أكثر من أربعين شاعرا عربيا، أسس جماعة شعراء غضب المعنية بقصيدة النثر التي أقامت عددًا كبيرًا من الفعاليات بنقابة الصحافيين المصرية، أسس مجلة «مقدمة» المعنية أيضا بقصيدة النثر، نشر عشرات المقالات حول الشعر والسياسة والفلسفة والرواية والنقد الأدبي والفنون التشكيلية، وكان عضوا في مجلس أمناء بيت الشعر العربي التابع لوزارة الثقافة.

Read Previous

ملف عن فلسطين في مجلة إبداع

Read Next

الأمير هاري سينشر مذكّراته في أواخر العام المقبل

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *