ثمّة في بيروت مَن يعترض على الأمر الواقع الجهنّميّ – عقل العويط

يمضي المرء الوقور جلّ هذه الأيّام، لا يعيش حياةً عامّة أو عموميّة (بالمعنى الاجتماعيّ)، لا يشارك في أيّ لقاءٍ من أيّ نوع إلّا ملتزمًا جانب الاضطرار والتحفّظ، لا يلتقي بالناس إلّا في ما ندر، ولا بالطبع يذهب إلى مقهى، ولا إلى مطعم، مكتفيًا بالإقامة في مناطق العقل والحلم (والعمل منها)، والتعامل مع الوجود، من طريق إدارة العيش من داخل مقرّه الرئاسيّ (نسبةً إلى الرأس وليس بالطبع نسبةً إلى الرئاسة، أيّ رئاسة). هذا المرء يتعجّب من نفسه كيف يتحمّل نفسه.

السياسة اللبنانيّة هي دون السياسة بكثير؛ صغيرة وحقيرة وتافهة للغاية. لا بدّ أنْ تكون، والحال هذه، مرآةً موضوعيّةً أمينةً تعكس صوَر القائمين بها، والمتحكّمين بها، ومُسيِّري شؤونها. وإلّا كان ينبغي لها أنْ تكون لائقةً وجديرةً بالتهيّب والمهابة والاحترام (بعض الاحترام، قليله القليل، ونذره اليسير، ليس إلّا).

تُكبِّر القلبَ، وترفعَ الرأس، انتخابات نقابة المهندسين في بيروت. المنتفضون في “النقابة تنتفض”، فازوا “شرد مرد”، وبطحوا الجميع. لا “يسكر” المرء الوقور بهذا الربح الدلاليّ، ولا ينام على مجده، لكنّه يستشعر مغزاه. فأنْ تُرى بقعةُ ضوءٍ طفيفة في قلب هذه الحلكة اللبنانيّة العميمة، ذلك يستدعي التنويه والرعاية والحماية.

قبل المهندسين، طلّابُ الجامعات (شبكة مدى، طالب، النوادي العلمانيّة) قلبوا الطاولات على (قطعان) الجامعات، وأحزابها (السلطويّة الحاكمة) وحزبيّيها وطائفيّيها ومذهبيّيها.

قبل هؤلاء وأولئك، انبرت نقابة المحامين في بيروت بمحاميها الأشاوس لحمل الشعلة. هذه الظواهر الملهمة وغيرها، قد يمكن البناء عليها، وتنميتها، وبلورتها، وتأطيرها، وتوسيع شبكاتها، لكنْ بذكاء وصبر وتبصّر وحكمة وتواضع ورويّة وبعد نظر، لا بالبهورة.

العمل السياسيّ الوطنيّ يتطلّب وعي السياسة، وحفرًا في الجوهر، في اللبّ، لاستنباط أفكارٍ ورؤى وأطرٍ وأشكالٍ وتنظيماتٍ وهيئاتٍ ومجموعاتٍ وأحزاب، تفترض الطابع الرحب (النظريّ والتطبيقيّ)، وتستوعب – تاليًا – اللحظات والمحطّات الدلاليّة، وتحتضنها، وتؤطّرها، لتندرج في سياقاتٍ ديناميّة تصبّ في البحيرة الجامعة، فلا تتبعثر، أو تذهب إهدارًا.

النظام السياسيّ القائم قويٌّ الشكيمة للغاية، والأطراف السياسيّون الذين ينتظمون فيه، توحّدهم شبكةٌ (تحتيّة)، منيعة، ومتناغمة، من المصالح المشتركة، على رغم ما يعتري السطحَ الظاهر من اختلافاتٍ وتنافرات تصل في أحيان إلى حدود الاقتتالات والحروب المهلكة. وما أكثر براهينها وعِبَرها.

يتابع المرء الوقور باهتمامٍ بالغ التحضيرات المتنوّعة، المتعدّدة الجوانب والمستويات، ذات النوعيّة الثقافيّة العالية جدًّا، لإحياء مأساة الرابع من آب. يستطيع “الجنود المجهولون” (والمعلومون) الذين يعكفون على هذه الأعمال الحضاريّة النبيلة، أنْ يجعلوها منارةً (حارقةً وملهمة) تتحدّى مشروع “المقبرة البحريّة” الذي أُريدَ فيه دفنُ بيروت (العاصمة والفكرة والنموذج الثقافيّ والإنسانيّ) ودفن لبنان على السواء.

معماريّون، مهندسون، مصمّمون، رسّامون، نحّاتون، مسرحيّون، ممثّلون، مخرجون، كتّاب، شعراء، أدباء، روائيّون، موسيقيّون، منشِّطو فنون وأصحاب مسارح وصالات عرض، وسواهم من قادة الرأي المُلهِمين الناشطين المنتفضين الأحرار الأباة، في مقدورهم أنْ يجعلوا بيروت المدمّرة هذه رسولةَ (اعتراضٍ على الأمر الجهنّمي) ومنارةَ أملٍ وحرّيّة حتّى الينابيع.

في بداية هذا المقال، قلتُ ما يأتي: يتعجّبُ المرء الوقور من نفسه كيف يتحمّل نفسه. في خاتمة هذا المقال، أقول ما يأتي: يجب ألّا يتعجّب أحدٌ (ولا المرء الوقور) من القدرة على اعتراض الأمر الجهنّمي. الأمرُ الجهنّميّ ليس قَدَرًا مُقدَّرًا ومحتومًا. هذا الأمرُ الواقعُ الجهنّمي ليس (ويجب ألا يكون) أبدًا مؤبَّدًا ومستحيلا.

Read Previous

حوكمة الشباب ! – د. يعقوب ناصر الدين

Read Next

فيلم (سبايس جام) الجديد يتصدر شباك التذاكر الأمريكية

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *