دبلوماسية اللقاحات.. ساحة جديدة للتنافس بين القوى الكبرى

يسارع الاتحاد الأوروبي الزمن لتقديم تبرعات أكبر بلقاحات كورونا لدول جنوب شرق آسيا في إطار ما بات يعرف بـ “دبلوماسية اللقاحات”. بيد أن هذه الخطوة تأتي متأخرة بالنظر إلى ما يفعله المنافسون الكبار كالولايات المتحدة والصين.

ويسعى الاتحاد الأوروبي من خلال حملته الدولية لتقديم لقاحات كورونا لدول جنوب شرق آسيا إلى ملاحقة الدول الكبرى. وتأتي في المقدمة الولايات المتحدة التي كثفت برنامجها للتبرعات باللقاحات، في خطوة لمنافسة الصين صاحبة الحجم الأكبر في هذا المجال في تلك المنطقة.

وفي تعليقه على الحملة الأوروبية، قال خبير في رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) إن دول الاتحاد الأوروبي “قد وضعت في حساباتها المعايير الجيواستراتيجية ومن المرجح أنها تفضل الدول الصديقة أو التي تشكل أهمية للمصالح الأوروبية.”

لكن يبدو أن الحملة الدولية الخاصة بالاتحاد الأوروبي لتقديم اللقاحات، قد تأخرت وباتت عرضة لخطر التخلف في السباق الدولي عن الولايات المتحدة فيما يعرف “بدبلوماسية اللقاحات”.

ففي مايو/ أيار الماضي، تعهد الرئيس الأمريكي جو بايدن بتقديم 80 مليون جرعة لقاح من سلسلة التوريد المحلي في الولايات المتحدة إلى دول العالم. وسيتم تقديم %75 من هذه اللقاحات من خلال برنامج “كوفاكس” المعني بتوفير اللقاحات بالمجان للبلدان الفقيرة ومنخفضة ومتوسطة الدخل.

ووفقا للبيت الأبيض، فإن نسبة الـ 25% المتبقية من التبرعات سيتم توزيعها من خلال الولايات المتحدة “بهدف المساعدة في مكافحة معدلات تفشي الفيروس الكبيرة حول العالم”. وشدد البيت الأبيض على أن الولايات المتحدة “لن تستخدم تبرعات لقاحات كورونا لتحقيق مصالح من هذه الدول.”

وتضم قائمة الدول التي ستقدم إليها الولايات المتحدة تبرعات اللقاحات بشكل مباشر، 30 دولة معظمها بلدان صديقة للولايات المتحدة خاصة في دول جنوب شرق آسيا مثل الفلبين وفيتنام وإندونيسيا.

واللافت أن الولايات المتحدة لديها روابط قوية مع هذه الدول الآسيوية الثلاث فالفلبين هي حليف لواشنطن، فيما أصبحت فيتنام في السنوات الأخيرة واحدة من أهم حلفاء واشنطن الجيوسياسيين في المنطقة، بينما تعد إندونيسيا حليفا تقليديا للولايات المتحدة.

وفي العاشر من يوليو/ تموز، حصلت فيتنام على مليوني جرعة لقاح كشحنة أولى من اللقاحات التي تعهدت بها الولايات المتحدة حيث تم شحن هذه الكمية من خلال برنامج “كوفاكس”.

الدور الأوروبي في “كوفاكس”

وساهم الاتحاد الأوروبي بقرابة 3 مليار يورو (أي ما يعادل 3.5 مليار دولار) في جهود “كوفاكس”، وفقا لما ذكرته جوتا أوربيلينن – المفوضة الأوروبية للشراكات الدولية- في تصريحات صحافية. وفي إطار برنامج “كوفاكس” تم شحن قرابة 106 ملايين جرعة إلى 135 دولة حيث حصلت آسيا والمحيط الهادئ على أكثر من ثلث اللقاحات واستحوذت إندونيسيا على نصيب الأسد إذ كانت من بين أكبر المستفيدين.

وقالت مصادر داخل المفوضية الأوروبية إن الدول الأعضاء في التكتل الأوروبي قد تعهدت بالفعل بتقديم 11 مليون جرعة كتبرعات دولية وتم تخصيص 9 ملايين جرعة منها لإرسالها من خلال برنامج “كوفاكس”.

من جانبه، شدد بيتر ستانو – المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية – على أن الاتحاد الأوروبي لا يرى اللقاحات “سباقا تتنافس فيه الدول وإنما ينظر التكتل إلى الأمر باعتباره سباقا مع الزمن”. وأضاف ستانو “نؤمن بأنه لا يجب تسييس المساعدات ولا يجب استخدام اللقاحات كورقة مساومة لتحقيق مكاسب سياسية”.

وبموجب استراتيجية اللقاحات الأوروبية، فإن الدول الأعضاء في الاتحاد يمكنها أن تقرر التبرع بها للبلدان منخفضة أو متوسطة الدخل أو إعادة توجيهها إلى الدول الأوروبية الأخرى. وفي هذا السياق، أوضح ستانو أن “القرارات المتعلقة بنوع اللقاحات أو عدد الجرعات تتخذها دول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بشكل فردي، وتقدم التبرعات على أساس تطوعي”.

التبرعات الأوروبية.. ارتباك!

وتقدم دول الاتحاد الأوربي التي تعمل في إطار ما يُعرف بـ “فريق أوروبا”، أكبر التبرعات المالية داخل منظومة “كوفاكس”. بيد أن مساعدات الاتحاد الأوروبي في برامج التطعيم في دول جنوب شرق آسيا لا يتم الحديث عنها إذ أنها تنفذ تحت رعاية ومظلة منظومة “كوفاكس” بشكل رئيسي.

مرحلة حاسمة في مكافحة كورونا

وتحمل اللقاحات التي يتم إرسالها من خلال منظومة “كوفاكس” شعار الأمم المتحدة أو شعار شركاء المنشأة بدلا من شعارات الدول التي تبرعت بالأموال. كما أن التبرعات الفعلية للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تتم من قبل الدول بشكل منفرد وليس من خلال آليات التكتل، أي عكس التبرعات التي تقدم لمنظومة “كوفاكس” في إطار “فريق أوروبا”.

وفي هذا السياق، قالت مسؤولة حكومية في ماليزيا على دراية ببرنامج التطعيم الوطني، إن “العملية برمتها مربكة”.

وتساءلت المسؤولة – التي تحدثت شريطة عدم الإفصاح عن هويتها – “هل نطلب من المسؤولين أو الدبلوماسيين في الاتحاد الأوروبي توفير اللقاحات؟ هل نشكر البلدان الأوروبية أو الاتحاد الأوروبي نظير الإسهامات والتبرعات باللقاحات من خلال برنامج كوفاكس؟”.

الصين في الصدارة

أما الصين، فقد تبرعت أو قامت ببيع أكثر من 120 مليون جرعة من لقاحات كورونا لبلدان جنوب شرق آسيا في أواخر يونيو/ حزيران ما يشكل قرابة خمسة أضعاف التبرعات التي قدمتها منظومة “كوفاكس” إلى هذه المنطقة.

فعلى سبيل المثال تعتمد كمبوديا بشكل حصري على اللقاحات المصنعة في الصين. وحققت كمبوديا ثاني أعلى معدل للتطعيم في المنطقة فضلا عن كونها واحدة من أعلى دول العالم من حيث معدلات التطعيمإذ تم تطعيم 23 بالمائة من سكان البلاد.

وفقا لتقارير محلية، فإن نسبة اللقاحات المقدمة إلى كمبوديا من خلال برنامج “كوفاكس” لا تتجاوز العشرة بالمائة.

وقال مصدر في كمبوديا على دراية ببرنامج التطعيم الوطني، إن النقاش في الدوائر الحكومية يخلو في الغالب من الحديث حول تبرعات اللقاحات المستقبلية من الاتحاد الأوروبي. وأضاف أن التبرعات المقدمة من خلال “كوفاكس” لا تحظى باعتراف عام تقريبا”.

 آسيا.. ليست أولوية للقاحات الأوروبية

ويسلط هذا الأمر الضوء على حجم اللقاحات الأوروبية المقدمة إلى القارة الآسيوية. وفي هذا الصدد، قال هونغ هيب- زميل زائر في برنامج دراسات جنوب شرق آسيا في معهد يوسف إسحاق البحثي في سنغافورة – إن الاتحاد الأوروبي ربما “يعطي الأولوية لأفريقيا على آسيا فيما يتعلق بدبلوماسية اللقاحات”.

وأرجع هيب ذلك إلى “الروابط التاريخية” أو إلى حقيقة مفادها أن “أفريقيا متأخرة كثيرة مقارنة بمناطق أخرى من العالم فيما يتعلق بالحصول على لقاحات كورونا”.

ففي أواخر أبريل/ نيسان، تعهدت فرنسا بالتبرع بأكثر من 30 مليون جرعة من لقاحات كورونا إلى دول العالم بحلول نهاية العام الجاري.

وقد وصلت الدفعة الأولى من التبرعات الفرنسية إلى موريتانيا وتتألف من 100 ألف جرعة من خلال منظومة “كوفاكس” وهو ما جعل فرنسا أول دولة في العالم تساهم بجزء من الإمدادات المحلية من اللقاحات في هذه المنظومة بشكل مباشر. وفي أواخر يونيو/ حزيران، تبرعت الدنمارك بأكثر من 350 ألف جرعة إلى كينيا.

“المصالح السياسية هي العامل الحاسم”

يشار إلى أن ألمانيا أعلنت في مطلع يوليو/ تموز التبرع بكافة الجرعات المتبقية من لقاح أسترازينيكا بحلول أغسطس/ آب. وذكرت تقارير أن 80% من هذه الجرعات ستذهب إلى منظومة “كوفاكس” فيما ستقوم برلين بالتبرع بالجزء المتبقي بشكل مباشر إلى دول غرب البلقان أو دول أوروبا الشرقية خارج الاتحاد الأوروبي وأيضا إلى ناميبيا – المستعمرة الألمانية السابقة.

وتعرض إعلان ألمانيا بتقديم تبرعات لقاحات كورونا إلى دول غرب البلقان، لانتقادات باعتبارها خطوة جيوسياسية. ومن المعروف أن هذه الدول قد قبلت الحصول على اللقاحات الروسية والصينية. أما إسبانيا فقد أعلنت أنها سترسل شحنات من لقاحات كورونا إلى دول أمريكا اللاتينية التي كانت تستعمرها في الماضي.

وفي أواخر يونيو/ حزيران، قررت ليتوانيا – التي اتخذت مسارا معاديا للصين في الشهور الأخيرة – التبرع بمائتي ألف جرعة من لقاحات كورونا لتايوان. وفي ذاك الوقت، قال وزير الخارجية الليتواني إن الشعوب المحبة للحريات يتعين أن تنظر بعناية إلى بعضها البعض، في عبارة اُعتبرت “تهكمية” ضد الحكومة الشيوعية في الصين.

وفي ذلك، يرى هونغ هيب، وهو زميل زائر في برنامج دراسات جنوب شرق آسيا في بمعهد يوسف إسحاق البحثي في سنغافورة، أن الدول الأوروبية تضع في الحسبان المعايير الجيوسياسية.

وأضاف “ستضع دول الاتحاد الأوروبي في حساباتها أيضا المعايير الجيواستراتيجية إذ من المحتمل أن تفضل بلدان التكتل الأوروبي الدول الصديقة أو الهامة بالنسبة للمصالح الأوروبية، لذا ستكون فرصة فيتنام جيدة في الحصول على بعض اللقاحات المقدمة من الاتحاد الأوروبي في شكل تبرعات.”

ورفض مسؤولون في الوفد الأوروبي داخل رابطة “آسيان” التعليق على الأمر.

Read Previous

منظمات حقوقية: سجين إماراتي معرض للخطر بسبب رسالة احتجاج

Read Next

وزارة العدل الأمريكية: اعتقال حليف لترامب بتهم تتعلق بممارسة ضغوط لصالح الإمارات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *