إستراتيجية مغربية جديدة في قضية الصحراء

كتبت: روعة قاسم

إزدادت العلاقات بين الجزائر والمغرب تأزماً في الآونة الأخيرة مع دعوة السفير المغربي لدى الأمم المتحدة إلى ضرورة منح حق تقرير المصير لما سماه “الشعب القبائلي”، وتأكيده أنه ينبغي على الجزائر ألا تنكر ذلك الحق وهي التي تدعم حق تقرير المصير في الصحراء الغربية. وأضاف السفير مصعداً بما معناه أن الذي يقف مدافعاً عن حق تقرير المصير للصحراويين، عليه ألا ينكر هذا الحق نفسه على ما سماه “شعب القبائل”، ويقصد ساكني منطقة القبائل شرق الجزائر التي يوجد فيها دعاة للانفصال أنشأوا راية خاصة بهم تختلف عن العلم الجزائري.

ولم يقف السفير المغربي عند هذا الحد، بل تغنّى بسكان منطقة القبائل واعتبرهم “أقدم الشعوب في أفريقيا” و”الشعب الشجاع”، وأنهم يعانون مما سماه “أطول احتلال أجنبي” في إشارة إلى تبعية منطقتهم سياسياً وإدارياً للسلطة المركزية في الجزائر. كما اعتبر السفير المغربي أن “تقرير المصير ليس مبدأً مزاجياً” يوظفه الجزائريون متى شاؤوا ويتناسونه متى تراءى لهم ذلك، وبالتالي من حق سكان القبائل، برأيه، أن يتمتعوا بحق تقرير المصير.

ويبدو أن المغرب، ومن خلال هذه الخطوة التصعيدية، قرر الذهاب بعيداً في استراتيجية جديدة تتمثل في الانتقال من رد الفعل والدفاع عن النفس وعن أحقيته في الصحراء الغربية، إلى الفعل ومهاجمة “خصومه” المساندين لحق تقرير المصير للصحراويين وداعمي “البوليساريو” وعلى رأسهم الجزائر. فالأمر يتعلق إذاً بنقل المعركة برمتها إلى أرض الخصم عملاً بمبدأ أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم التي تم اعتمادها ماضياً وحاضراً من قبل كثير من الدول في الحروب الدبلوماسية والعسكرية على حد سواء.

ألم يقلب القائد الروماني سيبيون الحرب، رأساً على عقب، على القائد القرطاجي هنيبعل حين نقل المعركة في الحرب البونية أو البونيقية الثالثة من روما إلى أرض القرطاجيين وهو ما أجبر جيش قرطاج على فك حصاره على روما والعودة إلى شمال أفريقيا (تونس اليوم) دفاعاً عن الديار؟ هل يعتمد المغرب استراتيجية سيبيون ذاتها وينقل المعركة إلى أرض الخصم لصرف أنظار الداعم الرئيسي لـ”البوليساريو” عن قضية الصحراء؟ أم أن الأمر يتعلق بمجرد حدث عابر وتصعيد موقت فرضته الضرورة والرغبة في استفزاز الشقيق اللدود؟

لقد سبق لأطراف مغربية غير رسمية أن لوّحت بدعم انفصال إقليم كاتالونيا عن إسبانيا في وقت سابق وذلك كرد فعل على استقبال إسبانيا لزعيم “البوليساريو” إبراهيم غالي على أراضيها للتداوي والعلاج. ولا يتصور عاقل أن هذه الأطراف قد تحركت من تلقاء نفسها من دون تحريض حكومي أو على الأقل من دون ضوء أخضر حكومي باعتبار أن الحكم في المغرب لا تفوته شاردة ولا واردة ولا يتاح لمن هب ودب التدخل علناً في مثل هكذا قضايا تهم الأمن القومي.

وبالتالي يبدو أن هناك فعلاً استراتيجية جديدة في السياسة الخارجية المغربية أساسها القاعدة المشار إليها، وأن الجزائر ستكون أشد المستهدفين بها خصوصاً أن ظروفها الداخلية الحالية وحالة عدم الاستقرار التي تعيشها، منذ إطاحة الحراك بنظام الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة وبروز النزعات الانفصالية في منطقة القبائل، تشجع الطرف المغربي على المضي قدماً في هذا المسار. وبالتالي فإن ما حصل في نيويورك اعتبره البعض تهديداً ضمنياً للجزائر من قبل الرباط مفاده أنه إذا لم تتوقف الجزائر عن دعم “البوليساريو” فإن المغرب سيذهب بعيداً في دعم المطالب الانفصالية لمنطقة القبائل.

ولعل رد فعل الجزائر الغاضب والمتمثل في استدعاء سفيرها لدى الرباط للتشاور، يؤكد خشية الجزائريين وانزعاجهم من هذا التوجه المغربي الجديد واستعدادهم للذهاب بعيداً في التصعيد مع الشقيق اللدود. وتؤكد ذلك تصريحاتهم الرسمية التي تتحدث عن إمكان اتخاذ إجراءات أخرى وتدعو المملكة المغربية إلى ضرورة توضيح موقفها النهائي مما صدح به سفيرها في نيويورك.

ولعل ما تجدر الإشارة إليه أن ملف منطقة القبائل يختلف عن ملف الصحراء الغربية، باعتبار أن القبائل كانت باستمرار وبعد خروج المستعمر الفرنسي، وحتى قبل ذلك، تحت سلطة الجزائر. وكل ما في الأمر أن هناك نشطاء في منطقة القبائل لديهم رغبة في الانفصال وتأسيس كيان مستقل لا يتبنى اللغة العربية كلغة رسمية ويعتبر أن سكان المنطقة أمازيغ أحرار لا علاقة لهم بالعرب والعروبة. في حين أن الصحراء الغربية كانت تحت السلطة الإسبانية إلى حدود عام 1975 وهو التاريخ الذي قرر فيه ديكتاتور إسبانيا الجنرال فرانكو سحب قواته منها طالباً من المغرب وموريتانيا اقتسامها بينهما، ومانحاً الساقية الحمراء للمغرب ووادي الذهب لموريتانيا، فقام الملك المغربي الحسن الثاني بضم أكبر جزء من عموم الصحراء الغربية من خلال ما سمي بالمسيرة الخضراء. ودخلت “البوليساريو” في حرب مع موريتانيا انتهت بتخلي نواكشوط عن أية رغبة في الصحراء الغربية وتراجعت إلى حدودها المرسومة من قبل الاستعمار.

ورغم هذا الاختلاف بين القضيتين إلا أن المغرب نجح على ما يبدو في تسويق الأمر على أنه يتعلق بقضيتي انفصال متشابهتين، وأظهر الجزائر بمظهر الدولة التي تكيل بمكيالين، تساند حق تقرير المصير في الصحراء الغربية وترفضه في القبائل. ويصنف البعض هذا الأمر في خانة دهاء الدبلوماسية المغربية التي كثيراً ما نجحت في الدعاية لرؤيتها لقضية الصحراء على المستوى العربي، فيما لا تزال تسعى لتحقيق الإنتصارات الدبلوماسية ذاتها في القارة السمراء، حيث يعترف الاتحاد الأفريقي، خلافاً لجامعة الدولة العربية، بالصحراء الغربية كدولة كاملة العضوية تحت مسمى “الجمهورية العربية الصحراوية” ويمثلها “البوليساريو”.

Read Previous

بريطانيا تفرض عقوبات على متهمين بالفساد من العراق وغينيا وفنزويلا ودول أخرى

Read Next

ما الذي يحصل في الجسم بعد تلقي الجرعة الثانية من اللقاح؟

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *