البياتي مبدع القناع في الشعر العربي الحديث – أحمد كاظم نصيف

قالوا عنه : ثالث ثلاثة، وقال آخرون : رابع أربعة، في اشارة إلى ريادة الشعر العربي الحديث في العراق، وقد يرى كثر من النقاد إن الشاعر عبد الوهاب البياتي يحتل الصدارة في صناعة الأساطير، ومبدع القناع في الشعر الحديث؛ وهو الشاعر المتمرد الذي كسر النمط السائد في حياة الشعر، وقد بالغ غير ناقد في أن البياتي له الريادة في ابوّة الشعر العراقي الحديث، كل ذلك كون البياتي متعدد المصادر الشعرية ولا سيما التراثية منها، الشعبية والصوفية والدينية والتاريخية، وكذلك تعدد الموضوعات الانسانية، والثورية، وعالج في قصائده تجارب النفي والغربة والتمرد، وتميز في قصائده التي كتبها عن الموت والعذاب والألم والقهر والاضطهاد، وحاول من خلالها الانتصار للحرية والكرامة والعدالة الانسانية.

ريادة التيار الشعري الحديث

يقول الدكتور صلاح الدين عبدي في كتابه (استدعاء التراث في مرآة أشعار عبد الوهاب البياتي) الصفحة 27 وما بعدها: إن البياتي ثالث ثلاثة حملوا همّ الريادة في الشعر العربي الحديث في العراق وتنازعوا أبوة الشعر العربي الحديث وهم بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وعبدالوهاب البياتي، ولم تكن ريادته ريادة السبق، بل ريادة تكريس هذا التيار الشعري وأصبح الشاعر العملاق في توظيف التراث وخلق الأساطير ولا سيما بديوانه “الكتابة على الطين” الذي استخدم المنهج الأسطوري لغة وشكلاً ومضموناً.

مبدع القناع في الشعر

استحضر البياتي الكثير من الشخصيات المعاصرة والتاريخية القديمة واعادة صياغتها في قصيدة القناع، وأكثرها شهرة شخصية أبي الطيب المتنبي في قصيدته (موت المتنبي) في ديوانه (النار والكلمات)، هذه القصيدة التي اتبع فيها الاسلوب القصصي في الشعر، وصور فيها حياة المتنبي الذي عاش في العصر العباسي، تصويراً تراجيدياً، في صراع الشاعر العباسي مع السلطة وفجيعته الأبدية التي تنتهي بموته، بيد أن البياتي لا يعني إن حياة المتنبي قد انتهت، بل أن المتنبي قد بعث من جديد، إلى الولادة الحقيقية وإن صوت الشاعر سينتصر في النهاية.

في تجربته الشعرية

تحدث الشاعر عبد الوهاب البياتي في كتابه (تجربتي الشعرية) إنه كان يطمح أن يحدد مكان الشعر في نفسه، فلم يكن الشعر هو أول من حاوله من أشكال الكتابة، لقد كتب القصة القصيرة وكثيراً من الحواريّات القصيرة والقصيدة أيضاً، بيد أنه كان كمن يبحث عن شكل ملائم للتعبير عنه، أو ما يجول في داخل نفسه.

لقد تفتح جيل البياتي وعرف أودن وبيرون وشيلي وكيتس وبودلير ورامبو وهيجو، وساعدتهم هذه المعرفة على اكتشاف أنواع متعددة من الابداع الفني، وبدأت تتبلور لديهم قيم معينة عن الأدب والفن والحياة بوجه عام، وجعلتهم يتخطون مرحلة التأثر بالاعمال العربية الأدبية الرومانسية، ولم يستطع أحد من الشعراء العرب في تلك المرحلة أن يلفت نظرهم، حتى جبران خليل جبران تصوره البياتي يلبس مسوحاً سوداء ويذرف الدموع أمام جثة ميتة، يقول البياتي ” وأنني لأذكر كيف ألهبت مشاعري في ذلك الوقت كتابات أودن وأشعاره بغنائيتها الواقعية التي سبقت ايليوت إلينا”.

واكتشف البياتي إن الشعر أقرب إليه من أي شكل آخر، كونه أكثر ملائمة وأقرب إلى رغبته وتجسيدها، وذلك لتأثره في قراءاته الأولى التي فرضتها عليه مكتبة جده الغنيَة بدواوين الأقدمين التي قرأها بعذاب وألم، كونه كان يبحث عن شيء مفقود، يحسه ولا يعيه؛ لكنه نجا من الوقوع كفريسة في شراك تأثيرها الكلي.

فلم يكن غير الشعر قادراً على اشباع رغبته في التعبير بالكلمة، في محاولة اكتشاف نفسه، يقول الشاعر سامي مهدي ” نحن لا نرى الأشياء، ولا نكتشف قبحها أو جمالها، ولا يتعيّن لنا موضوعها، إلاّ إذا تجلت في شكل، فالشكل هو الذي يمنح الأشياء هويتها، وجمالها أو قبحها، وهو ما يعيّن موضوعها، حتى الفوضى هي شكل من الأشكال، وموضوع من الموضوعات، وهذه قاعدة عامة تنطبق على الأنواع الأدبية والفنية كما تنطبق على غيرها .

وبقدر ما يتعلق الأمر بالأنواع الأدبية، ومنها الشعر، فإنها تبدأ بالتشكل ما أن تبدأ عملية كتابتها، ومتى ما انتهت هذه العملية اكتمل شكلها، وتجلى موضوعها، وتحدّد نوعها الأدبي، وتكشّف جمالها أو قبحها، وظهرت محاسنها ومساوئها، والشكل في الأنواع الأدبية ليس قيداً من القيود، كما يتوهم بعضنا، بل هو شرط من شروط وجودها واكتمالها ونضجها، ونحن، بما نمتلك من مواهب وقدرات وخيال ورؤى، من يجعل الشكل سبيلاً للتحرر أو قيداً من القيود، ونحن، في واقع الأمر، لا نتحرر من شكل إلا لنذهب إلى شكل آخر، حتى ليبدو التحرر وكأنه وهم من الأوهام”.

الألم الكبير الأول

عن الألم الأول، أو المرجع الأساس للألم، كتب ادوارد مونخ،” كنت أعبر الطريق مع صديقين لي، وفي تلك اللحظة كانت الشمس تغيب، وفجأة اصطبغت السماء بلون الدم الأحمر القاني، فتوقّفت مستنداً إلى الحاجز وأنا منهك حتى الموت، كان لون الماء من ورائي قد صار أسود على شيء من الزرقة الغامقة، أما المدينة فبدت لي مغمورة بأمواج من الدم تلتهمها ألسنة ضخمة من النيران، واصل صديقاي مسارهما، فيما رحت أنا أرتجف من الألم شاعراً بأن ثمة صرخة طويلة لا نهاية لها تعبر الطبيعة كلها”، وبعدها بعام ولدت لوحته (الصرخة) التي أصبحت لاحقاً من أشهر أعماله، وعبرت حرفياً عن ما كتبه في صرخته الطويلة.

أما الشاعر البياتي فقد كان الحيّ الذي نشأ فيه ببغداد بالقرب من مسجد الشيخ عبد القادر الكيلاني وضريحه، هو مصدر ومرجع ألمه الكبير الأول، يقول ” لقد بدأت معرفتي بالعالم في الحيّ الذي نشأت فيه، كان الحيّ يعجّ بالفقراء والمجذوبين والباعة والعمال والمهاجرين من الريف والبرجوازيين الصغار، كانت هذه المعرفة هي مصدر ألمي الكبير الأول”، ومن الواضح بما لا يدع أي مجال للشك في أن هذا الحيّ هو المرجع الأساس الذي استند إليه البياتي في جذور كتابة الشعر التعبيري، وحقيقة الألم لم تكن جديدة على للبياتي، فقد عاش في الريف، وقدم منه، وعاد إليه، وكانت صدمته الأولى عام 1944 عند دخوله دار المعلمين العليا، حينما اكتشف حقيقة المدينة، وكم كانت مزيّفة بالنسبة له، التي شبهها بالبهلوان أو المهرّج. والشعر كذلك لم يكن غريباً عليه منذ البداية، ولا يمكن لشاعر أن يكون غريباً عن الشعر، فقد كانت أغاني الفلاحين والحكايات الشعبية المنتشرة في الريف هي زاده الشعري الأول، وكان طرفة بن العبد وأبو نؤاس والمعري والمتنبي والشريف الرضي هم أكبر من أثر فيه من الشعراء الأقدمين العرب، إذ وجد فيهم نوعاً من التمرد على القيم السائدة، والبحث عن أشياء لا يوفرها واقعهم أو مجتمعهم أو ثقافتهم، لقد عانى هؤلاء محنة الوجود الحقيقية، وعبروا عن أنفسهم بأصواتهم الذاتية، لا بأصوات غيرهم.

الواقع الانساني في بداية الخمسينات كان البياتي يرى الواقع الانساني محطماً يخيم عليه اليأس، وهكذا كانت أشعاره في هذه السنوات، حاول من خلالها تصوير هذا الدمار والعقم في الحياة، والواقع المزري والبؤس المفزع، فكانت رؤيته المتمردة تغمر كل مواضيعه الشعرية، فصوّر الموت المجاني دونما سبب في ديوان (أباريق مهشمة)، أما الموت من أجل الحرية، موت المناضلين، فهو استشهاد نبيل، فقد جسده في دواوين (المجد للأطفال والزيتون، وأشعار في المنفى، وعشرون قصيدة من برلين، وكلمات لا تموت)، وموت الأبطال الشهداء القديسين الأنقياء نقاء الجوهر وطيبة الأرض فقد ظهر في دواوين (النار والكلمات، وسفر الفقر والثورة، والذي يأتي ولا يأتي)،.

Read Previous

أشِقّاءَ الجزائر.. أمدُّ لكم يدي باقةَ شوق، وإلى اللقاء – أحمد المديني

Read Next

كشمير في يومها الأسود

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *