ميناؤكِ قتيلٌ لكنّ زمن القاتل لا يدوم – عقل العويط

ميناؤكِ قتيل، لكنّ البحرَ يرتاح عند أطرافِ تعبكِ التراجيديّ، ويبلسم ميناءَكِ القتيل.

هو لا يشكو أتعابَهُ، وأنتِ لا تشتكين إليه ما يساوركِ من أحلامٍ وعصافير ذبيحة.

ميناؤكِ لا يزال قتيلًا، لأنّ القتيلَ لا يُوارَى، ولا أهله يتقبّلون العزاء، ولا هو يستيعد روحه قبل أنْ يستتبّ الثأر.

ميناؤكِ قتيل، لكنّ الثأرَ كريمٌ لا ينسى. والثأرُ لا يتجاهل. والثأرُ لا يتهرّب. ولا هو يسامح، أو يغفر، أو يستكين. وسيكون هذا الثأر طيّبًا. وسيكون أنيقًا وعادلًا وجميلًا. وكافيًا سيكون لاسترداد الحياة التي ذهبتْ غيلةً وغدرا، ولحفظ الحقوق.

ميناؤكِ قتيل، لكن مَن قال إنّ الميناءَ القتيل يهون ويستكين؟!

ميناؤكِ قتيل، لكنْ لا معنى لأيّ ثأرٍ إذا لم يُبَكِّ يدَ الموت، إذا لم يُنهِ يدَ القتل، ويستدعي الفلسفةَ لتكونَ اليدَ والحكمَ والحكومةَ ومستقبلَ الحياة.

فلاسفتُكِ يفنّدون الأخطاء عندما يحاججون مزاعمَ العسسِ والشياطين. هم يصوّبون المرامي عندما يُعرّون خساسةَ التأويل. وهم عازفو الأبواق، وهم الأساتذة، عندما يتولّون الدفاع عن شهداء البيوت، عن شهداء الإطفاء، وعن شهداء الزوارق والصيّادين.

فلاسفتُكِ الأوركسترا، وهم الأغنيةُ عندما تفوح من مذياعٍ محفوظٍ لوقت الشدّة، وعندما ترتدي ياسمينَكِ المشلّع، لئلّا تُعَيَّر بالنكران، وبخزي الجحود.

صيفُكِ ينوء تحت الصيف، تحت القتل.

صيفُكِ ألا يُشبهُ بحرًا خرّبوا ملحَه، وجعلوه نهبًا للغربان؟!

وصيفُكِ ألا يُشبهُ أنينَ جبالٍ زحلتْ قبل عام بسبب جنون العاطفة؟

لكنّ صيفَكِ ينوء ولا يستسلم. صيفُكِ يتململ تحت القتل، كأنّه جبالٌ تفسح رئاتِها، وتشقّ الستائرَ لشمس البراكين.

ميناؤكِ قتيل. لا هواءَ يلطّف شجوَ الأشلاء. لا منطق ينظّم عملَ الحقد والكره. لكن لا وسعَ يتّسع للحلم.

سماؤكِ – يُقال – تخلّت عن السماء. فلتفعل السماء ما تشاء. أنا لا أركن إلى سماءٍ تتخلّى عن السماء.

ميناؤكِ قتيل. لكنّ شعراءكِ سماؤكِ.

شعراؤكِ كنزُكِ. وسرُّكِ. وهم غدُكِ.

شعراؤكِ يموتون ويسهرون ليحفظوا أوجاعَ النجوم. هم يعرفون ماذا تقول الكواكب في صمتها. هم يخاطبون المجرّات وتخاطبهم المجرّات. هم تولد الكلماتُ بين أصابعم لئلّا تولَد يتيمةً وعطشى. هم يمشون في الشوارع لئلّا تشعر الشوارعُ برعب القتل وإرهاب الشوارع.

وهم تعرفهم الأماكنُ لأنّهم أمّهاتها.

الشعراء أمّهات الأماكن.

والشعراء يفرشون لكِ تحت الشغاف، تحت الرموش، لئلّا يخطرَ في بال أحد، أنّكِ متروكةٌ لقطّاع الطريق، وفي العراء. وهم الأمكنةُ التي تغادر أرواحَها، ولا تلبث أنْ تعثرَ عليها أرواحُها.

وهذا، أيّها السادة، فعلُ فلاسفةٍ وشعراء، لا فعل أقدارٍ ومصادفات.

ميناؤكِ شاعرٌ وقتيل.

لكنْ مَن قال إنّ القتيل لا يقوم؟!

ميناؤكِ، يا بيروت، شاعرٌ وقتيل.

لكنّ زمنَ الشعر يدوم، وزمن القاتل لا يدوم.

Read Previous

في التعاطف الإنساني (الحديث) – محمد جميل أحمد

Read Next

اختيار جنس الوليد قد يحرم العالم من حوالي خمسة ملايين فتاة خلال عقد

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *