أيُّ أمة لبنانية لأيِّ دولة؟ التاريخ ومأزق الحاضر – أحمد المديني

 في الوقت الذي يشهد لبنان أزمة كيانية شمولية، ويعيش شعبُه وضعية اقتصادية واجتماعية، خانقة، وتشتتا على المستويات كافة، لم يسبق لها مثيل، على الأقل منذ استقلاله الرسمي سنة 1943؛ يصدر عنه هنا في باريس كتاب ضخم أشبه بموسوعة يحمل عنوانا يثير منذ الوهلة الأولى أكثر من سؤال عن حافزه وخلفياته، وربما وهذا أجدر عن أصالته وضرورته الآن؛ أعني كتاب ” LA NATION LIBANAISE” “الأمة اللبنانية” (باريس، منشورات ملكار 2021)، الذي يقع في 622 صفحة، وهو من الحجم الكبير مع خرائط وصور وملاحق.

لا كتابة ولا قراءة بريئة، حتى قبل ألتوسير، وتأليفٌ بهذه التسمية، ثم بما احتوى عليه من مواد، ووقائع وأعلام ومصادر وأصول أساس، فضلًا عن نوع الاختيار وطبيعة التأويل، يُحيل على مرجعيات فيلولوجية وتاريخية وعرقية وقانونية وأنتربولوجية وسياسية وإيديولوجية، في صيرورة حقب زمنية موغلة في القدم ولا تنقطع إلى الوقت الراهن، تبلور عبرها وخلالها مفهوم (الأمة) وتأسست تدريجًا عناصره وتبلورت معانيه وتشكلاتُه يصعب علينا متابعتها في حيّزنا، ولكن لا بأس من الإلماع إلى بعضها في الحدود الدنيا لكي نستعرض محتوى الكتاب الذي بين أيدينا، ولماذا يعنينا، وما هي يا ترى جدارته إن حاز عليها فعلاً.

بين شعبٍ وأمّة

لنُشر باختصار إلى تعريفين أساسين ضرورين حسب قواميس فرنسية لتبيان الفرق: “الشعب عديد ناس يعيشون في البلد الواحد وتسري عليهم نفس القوانين” و”الأمة عديد بشر لهم الأصل ذاتُه ويعيشون في نفس الدولة وبالقوانين ذاتها”.

 يظهر الفرق مباشرة بين الشعب والأمة في عنصر (الأصل). تتبّع الدارسون مفهوم الأمة انطلاقاً من التجربتين الألمانية والفرنسية: الأولى جذرها الفلسفي عند فيخته، إذ يرى أن أعضاء الأمة تجمع بينهم خصائص مشتركة مثل اللغة والدين والثقافة والتاريخ، بل والأصول العرقية، تميزهم عن بقية الأمم.

الثانية، منهلها الثورة الفرنسية وعهد الأنوار تؤكد على العيش المشترك، وتُبنى على تعريف ذاتي (إرنست رينان)، وجدلي متطور وليس ثابتاً أصلاً وهوية، إنه استيعابي للآتي (ميشلي)، فيما النظرية الكلاسيكية للقانون الدولي تعترف بموضوع الدولة ذات السيادة فقط، وفي الأزمنة الحديثة عرف المفهوم تجاذبات شتى تُختصر كلُّها في عنصرَيْ الأصل، العرق، وعنصرَيْ الفرد والمجتمع المنفتحين والمتعددين، والربط أخيرًا بينهما في مفهوم الدولة الأمة، بوصف الأولى اللبوس القانوني والسيادي للثانية، ولم يمنع المفهوم العابر للقوميات والعولمة من انتعاش فكرة القوميات ويقظة أقليات وصولاً إلى العنصرية والحمائية باسم العرق الأصل.

أرقام احصائية

ينزع جهاد روني ألباني، اللبناني الأصل، الأستاذ في جامعة ليل 1 والمختص في البيو فيزيا، أي ليس متخصصًا في التاريخ ولا العلوم السياسية، إلى اعتبار العِرق مصدر وعماد تصوره بل يقينه عن دولة الأمة، استناده إلى ما يسميه” دراسات جينية حديثة تثبت النّسب الجيني للبناني اليوم وبين الفينيقيين والكنعانيين، وبالتالي فالتاريخ يثبت أن لبنان أمة”(ص3).

لا يتردد في المجازفة بتقديم رقم إحصائي بنسبة 30/ قورن فحص فصيلتهم بعينة أسنان لملك فينيقي لصيدا وتوافق مع جينة مشتركة هيJ2 وكذلك جينة أخرى تسمى (مختلطة RIB).

من هذا المنطلق، يستعيد المؤلف المراحل الكبرى لهذا التاريخ عرقياً وثقافياً ولغةً ومعماراً ليثبت عراقة 5000 سنة ونيف. بذا يحدد غرض كتابه في:” رواية تاريخ لبنان منذ وجوده (…) أرض الكنعانيين والفينيقيين(…)، باعتبار الأمة اللبنانية حقيقة وامتداداً تاريخيا وجغرافيا”(4).

ثم نراه يحشد الأسانيد والاستشهادات شذر مذر للبرهنة على ما يقدمه” أطروحة” ويسعى للبرهنة عليها.

هكذا يستعرض أصول اسم لبنان، وعلاقته بكنعان، ثم الفينيقيين محتجا بآثار من بعلبك خاصة، وأقوال مؤرخين (ساليرنو).

ويصل إلى تقديم وصف بيروت في صفحات طوال بقلم مي دافي تحت حكم العرب ترسمها حاضرة عظيمة في كل المرافق، خالية يومئذ من التجمع الطائفي وبدون تمايزاته.

ومن بيروت إلى عرض تاريخ صور حتى سقوطها على يد الإسكندر المقدوني، يفرد لها أيضا الصفحات مما كتبه الإغريقي أريين الملقب كزنوفون (85ـ146)، ومنها إلى طرابلس على المنوال نفسه. ثم إلى فقرات طوال عن الفينيقيين في وجوه الملاحة والأبجدية والتجارة والمستعمرات والحروب البونيقية منقولة كلها عن مؤرخين

لنصل أخيراً، لا آخراً إلى لبنان الزمن القريب تحت الحكم العثماني والعربي، فالزمن الحديث. بمعنى أن هذا الكتاب الذي يصعب تصنيفه، يشغل قسمه الأول التاريخ الذي يبنيه مؤلفه ل” الأمة اللبنانية”، والقسم الأوسع الأكبر في أزيد من أربعمائة صفحة من القطع الكبير يخوض في تاريخ لبنان الحديث من الانتداب إلى الوقت الحاضر، متنقلاً بين التسلسل الكرونولوجي والحدثي (الحرب الأهلية في قلبه) وفي علاقاته بالجيران والقوى والأطراف التي تعامل معها لجوءاً واحتلالا، فلسطينية وإسرائيلية، وصولًا إلى فرقاء الخريطة السياسية الحالية.

بينما يستحوذ الحضور الفلسطيني، والتدخل السوري خاصة على أكبر حصة من العرض، محطاته ومناوراته وتحالفاته المتشابكة مع مختلف القوى اللبنانية ليقرأ هذا التدخل وتمظهراته ونتائجه والاتفاقيات المنسوجة بسببه وللخلاص منه، جزءاً من هيكل ومقومات هذا البلد. من هذه الناحية، يمكن أن يعد مصنف الأستاذ ألباني مرآة ناصعة يقرأ فيها الأجنبي، والجيل اللبناني الشاب، تحديدا، أبرز ما مرّ بوطنه منذ انفجار 1975 إلى فسيفساء الحاضر المدمَّر والمفكّك بين أبنائه الأصليين والمتكالبين عليه. نعم، لا يرقى هذا المؤلف التجميعي لما تحفل به المكتبة اللبنانية من مصنفات متخصصة، وما ورد فيه هو جزء من ذاكرة أطرافه الأحياء، ولكن يبقى ذا فائدة جمة بمعلوماته واستشهاداته ووثائقه.

تاريخ لبنان

وإذ يعلن واضع الكتاب التزامه بالموضوعية، فإنه لا يفلت من الغرض، لعلّه قاعدته ومذهبه، وكما قلنا أعلاه فإن استقصاء تاريخ لبنان وشعبه انطلاقا من مفهوم الأمة المبني على العرق، والجينات واضح القصد، وإلّا يصمد لحقائق اليوم، فماذا نفعل ب 70 في المائة من اللبنانيين الذين لم يثبت تطابق جيناتهم مع الأجداد الكنعانيين والفينيقيين؟!

ثم إن هذا المفهوم، نعلم له متعصبون، لا يمكن إلا أن يزيد من عقابيل الفرقة الطائفية والتشتت المذهبي، والمعضلة الحقيقية اليوم ليست في إيجاد المسوغات لأمة، بقوة التاريخ أو الافتراض، ولكن في إمكانية التراضي حول العيش المشترك في إطار ميثاق الدولة الأمة l’Etat Nation ومقوماتها ومستلزماتها، بدونها ستواصل العصبيات الاصطدام بينها تأكل بعضها وتترك البلاد مرتعا للتدخلات الأجنبية. لا أنوي الحكم على هذا التصنيف، ولا أنا مؤهل لهذا الدور، ما لا يمنعني من القول بأن الأمة لا تتأسس على ماضيها وحده، وإنما تحتاج إلى قاعدة وبنيان عتيد لحاضرها يحملها ويجددها ثقافة وهوية وجنسا ومواطنة وتعاقدا اجتماعيا ومصالح مشتركة ودولية بينية، وهذه هي الأمم الحديثة، أما الثبات في ذاكرة الماضي فلا يولد إلا الحنين الرومانسي أو الشوفينية والعنصرية. أما تصفية الحساب مع غزاة ومحتلين ومهيمنين من الجيران فذاك كوم آخر ونجد في الكتاب بالفعل بطاقات مفصلة ومتسلسلة له تلقي أضواء كشافة على الوضع السياسي اللبناني مشتملا، ولا نكاد نجد إلا تلميحات وإشارات عابرة للحياة الاجتماعية وبطاقات تعريف لبعض الأعلام في الثقافة والفن، وحتى للسياحة.

ما يجعل التأليف تجميعًا لا تأليفاً منهجيًا ومنظماً بمقدمات وتحليل واستنتاجات وفق نسق. نعم إن هذا التجميع خاضع منذ البداية لرؤية مسطرة سلفاً وهي فكرة الأمة اللبنانية بناء على تراث وذخيرة الماضي، مما لا جدال فيه، ثم تعرض هذه الفكرة ومقوماتها للهدم من خارج بالاعتداء والاحتلال عبر مراحل وأشكال، ويحضر في وثائق الجامع التدخل السوري وتأثيراته مع خلفياته، في السياسة الوطنية بقوة واكتساح، وهو ما يمثل حيزا كبيرا في الكتاب، والواقع أيضًا.

فهي إذن سردية أفقية عامة عابرة للأزمنة وتنتهي إلى منعطف حاسم لا يسميه الكاتب هو أخطر امتحان لهذه الأمة بأي مفهوم شئنا وشاء لها هو بالذات، بين الحياة والممات.

Read Previous

السرد والتاريخ من التوثيق إلى التخييل.. العلاقة بين الأدب والتاريخ في كتاب

Read Next

المخرجة الفرنسية من أصل لبناني أودري ديوان تفوز بالأسد الذهبي في مهرجان البندقية

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *