قراءة في رواية ( مخيم شنلر ) قطة فوق صفيح ساخن

رواية من الأدب الفلسطيني ، من منشورات دار يافا العلمية للنشر والتوزيع ، وهي معنونة باسم مخيم شنلر ـ ( قطة فوق صفيح ساخن ) … من تأليف الكاتب المبدع مراد سارة ، وهي تنتمي إلى الواقعية الاجتماعية ، ويبلغ عدد صفحات الرواية 132 صفحة من الحجم المتوسط ، يتناول المؤلف في روايته العديد من الأحداث التي وقعت في مخيم شنلر ، وقد اقتبس شخوص روايته من المخيم ، وكانت جميعها أسماءاً حقيقيةً عاشت في المخيم منذ تأسيسه عام 1968، ومعظم من يقطن في مخيم شنلر هم من اللاجئين الفلسطينيين الذين تشردوا من بلادهم نتيجة حرب حزيران عام 1967، ويعد المخيم من ضمن عشر مخيمات موجوده في الأردن ، ولكنه يعتبر جزءاً من مخيمات الطوارئ ، ويقع في جنوب غرب الزرقاء ، وعلى مسافة  10 كيلو مترات من الشمال الشرقي لمدينة عمان.

ولأن الكاتب مراد سارة قضى عمره في هذا المخيم منذ تأسيسه عام 1968 . وجد فرصته  ليلقي الضوء على فترة زمنية جاءت بعد الهزيمة مباشرة ، وأدرك منذ طفولته تاريخ وواقع المخيم المأساوي ، وعاش تجارباً كثيرة إستقاها من الواقع الذي يعيش فيه ، فنبش بين أزقة المخيم وشوارعه ، وراقب شخصياته بكل تفاصيلها ، وكشف عيوب ومحاسن أهل المخيم في محاوله منه لخلق تصور شامل عن جوهر فترة زمنية في مرحلة صعبة من تاريخ وحياة بعض الأسر الفقيرة والمعدومة الموجوده في المخيم ، ومن ثم قام بإستحضارها في رغبة منه ليقترب من طرح العديد من القضايا الاجتماعية المأساوية ، ووضعها في هذا العمل الأدبي الرائع .

وبما أن شخوص الرواية كانت حقيقية ومن الواقع ، فقد عمل الكاتب على تقديم رؤية تتفق مع الحالة الداخلية والنفسية الصعبة لكل سخص من الشخوص التي عاصرها وقدمها بأسمائها الحقيقية في الرواية.

ولكنه رفض الكلام والتزم الصمت ، ومنح القطة حرية النطق الباطني لتروي العديد من الحكايات عن أهل المخيم ، وقد إختارها لتكون بطلةً لروايته وأطلق عليها اسم ( هرهورة )

لماذا إختار مراد سارة ( القطة ) بطلةً لقصته ؟

العديد من القراء يتسألون لماذا إختار الكاتب ( القطة ) بطلة للروايه . وأنا كقارئ أعتبر أن هذا إدراك حسي وفلسفة فكرية من الكاتب ، ويحق له مالا يحق لغيره في أن يختار من يكون بطلاً لروايته . ولدي أنا كقارئ أمران ذوي مفاهيم مختلفة جعلتني أنحاز للكاتب ، وأثمن إختياره بأن تكون ( القطة هرهورة ) بطلة لروايته …

الأمر الأول :  هو أن القطة كائن مسموح لها بالتواجد في أي مكان دون قيد أوشرط ، وتعرف وجوه الناس وتفاصيل حياتهم أكثر من الكاتب ، فهي تستطيع أن تمارس مهامها في الظلام أو في النور من خلال الأماكن التي اختارها الكاتب لبناء روايته ، والقطة تستطيع أيضاً أن تتجول بحرية كاملة دون قيود في مركز المؤن أو شوارع وأزقة المخيم ، أو داخل البيوت أو الجلوس فوق ألواح الصفيح البارد أو الساخن .

وجلوس القطة الدائم فوق ألواح الصفيح ألهم الكاتب ليختار العنوان       ( قطة فوق صفيح ساخن ) ، وقد كان مراد ساره موفقاً جداً في اختيار العنوان ، بالرغم من أنه مقتبس من مسرحية للكاتب تينيس وليامز ، إلا أن ذلك الإقتباس لا يعيب الكاتب في إختياره للعنوان ،  فالمسرحية تتحدث عن الرغبات الإنسانية في الحياة ، أما رواية مراد سارة تختلف كليا عن مسرحية تينس وليامز .

الأمر الثاني : هو أن القطة بالرغم من صمتها إلا أنها تحسن مواجهة الحقيقة أكثر من أي شخص يقطن في المخيم ، فعنصر الصدق وبيان الحقيقة دائما يأتي من الصمت والمراقبة ، وهذه الصفات لا تتواجد  ولا يتمتع بها الإنسان العادي ، لذلك قصد مراد سارة قطته لتكون محور أساسي في الرواية لتتحدث على لسان آلاف الجياع من المشردين في مخيم شنلر ، وفي إشارة عابره ومنذ البداية قطع الكاتب الطريق على القارئ ليعطي  قطته بطلة الرواية التي ولدت فوق صفيح ساخن أن تقدم نفسها …

 

ـــ  إسمي هرهورة

ـ  ولدت في نيسان على سبيل التحديد ، أما سبيل النسيان فقد كان مركز توزيع المؤن .

ـــ  عشت بين أكياس الطحين والمعلبات المختلفة  وبراميل السمن

ـ  أنجبتني أمي في إحدى الكرتونات ، داخل مستودع كبير مصنوع من ألواح الصفيح ، إختارت أمي وطني

واستمر الكاتب في إبراز هوية القطة المشردة  ليعطينا الحقيقة … بأن مصير اللجوء عند الفلسطينيين يشبه حياة القطط . وقد منح الكاتب للقطة حرية الحركة  في المكان الذي ولدت فيه وهو مركز المؤن … وهو الذي صنع أقدار القطة بأوجاعه وهو يطاردها . ومن ثم تركها تتجول  في المخيم بين البيوت والحواري والأزقة الضيقة ، لتشارك أهل المخيم وجعهم ، وتستفيد أيضا من خيرات وكالة الغوث الموزعة على الشعب الفلسطيني  داخل المخيم .

ويصف مراد سارة علاقته بالقطة التي أطلق عليها اسم ( هرهوره ) في ص 26 بأن هرهورة …. نتاج فكري لنصف مثقف وجد نفسه في سنوات الضياع الأخيرة . عاملتها بقسوة في بداية القصة لشعوري المطلق بأنني من طبقة برجوازية في صياغة الكتابة ونسيت قول الله …( وتلك الأيام نداولها بين الناس ) .

وضعنا الكاتب في ص 20 أمام نماذج مهزومة في مركز المؤن . وكلاهما مسلوب وفي حالة يأس .. النموذح الأول القطة التي فقدت إحدى عينيها وأصبحت بعين واحدة  وكانت مسلوبة الإراده لاحول لها ولا قوة ، وهي تراقب المشهد من داخل وطنها ( الكرتونة ) .

والنموذج الثاني اللاجئ الفلسطيني الذي يعيش في المخيم ، ولا يريد إلا الحياة والحرية والخبز الغير ممتهن بعد أن فقد وطنه ، وبات الآن يقف مهزوماً  منتظراً العطايا من مركز المؤن . وفي تصوير المشهد الذي رسمه الكاتب ببراعة على لسان القطة جعلني كقارئ أتعاطف مع الطرفين … وأتوق لثورة الجياع !!!

ـ  خشعوا ببصائرهم وأمسكوا أنفاسهم وهم ينتظرون معوناتهم من الطحين وعلب السردين والأرز . أشباح بيضاء تسحب حصتها من الطحين داخل السجن الضيق المخيف وفيه أحببت وطني وخبأت كرتونتي .

ـ   كنت أراقب مشهد العطايا من بين أكياس الطحين وقد استمتعت بمقايضة خياطة الأكياس بقدر دلو واحد من الطحين ، مهنة اتقنتها غجرية وجعلتني أقف تحت أرجلها مراقبة حتى سقطت منها الإبرة الكبيرة وفقأت عيني .

ويمضي الكاتب في ص21 ، 22 ، 23 رسم مشهد رائع . حرص فيه على أن يطرح نفسه ككاتب وكشخص من شخوص الرواية التي تعيش في المخيم ، ويحاور القطة بما يشبه التحدي بينه وبينها ، وهذا كان ذكاءاً منه حتى يحافظ عل همزة الوصل بينه وبين القارئ ، وفي نفس الوقت محاولة منه لإسقاط مفهوم ( السخرية المره ) واعطاء القطة روحا مرحة ونفسنة عالية ، أتصفت بالجرأة التي تتأرجح بين الجد والهزل في حوارها معه ،  مما زاد من نقده للواقع المأساوي ، ليس على أهل المخيمات فقط بل على الشعب الفلسطيني بأكمله . حيث وضع مراد سارة ما يشبه المونولوج الداخلي على لسان القطة ( هرهورة )

ـ  لا أعرف لماذا يكتب ( مراد ) قصتي ولا أدري من سيقرأ الألم ، ومن يحب الحزن ويقدس العذاب غير أمريكا وإسرائيل ، من سيعرف إن فقئت عيني أو سرت وحيدة فوق سبل طويلة من ألواح الصفيح …أكتب عن نفسك أولاً وعن الخيام والتشريد حضرة كاتبنا العظيم وحاول أن تنكر مصيبتك الخرساء التي لم تسمع لها صوتاً … حاول قبل أن تكتب عن أمي التي ودعتني دون عودة أن تكتب عن أمتك العربية وعارها … قم بنشر سايكس بيكو ، وكامب ديفيد على حبال سطورك الضعيفة والواهنة . واتركني لأغمض عيوني كيلا أرى شعاع النور في هذا العالم الحقير . اتركني أبكي بكاء ظامئ رأى الجدول محاطاً بالكلاب .

وقد نجح الكاتب في سرد حوار طويل ورائع مع القطة ، إلا أن إنتصار القطة على الكاتب كان أقوى ، وبدأ ينقلنا إلى فلسفة أخرى لا تخلو من المضمون الفكري ليتوارى خجلا ويسجل أول هزيمة له أمام القطة بعد أن القى ( خطبة قد تكون عصماء ) كما يقول الكاتب ، ثم إستسلم في النهاية لقطته .

ـ  لما رأيت المعرفة كرهت الاستخدام وطردت روحي من القصة لأنها من الأمم ، ورضيت أن تدخل في جسد ( هرهورة ) حتى لا تلعن من الأجيال المظلمة .

ـ  سواء كنت هرهورة أو كانت هرهورة أنا فلا فرق هناك . طالما أننا حيوانات بشرية تصرف لها حبوب منع الحمل ، الأنين واحد والحنين للكرتونة والوطن ، وتفسير قول الله للشر نستثنى منه في الآخرة كما كنا نشتهيه في الدنيا بعد أن فقدنا الأماني .

هكذا أبعد الكاتب نفسه من دور المحاور والراوي ، ومنح قطته درجة أديب بدلاً منه . ولأن القطة مرتبطة بالمخيم وتعرف من الأسرار الخفية مالا يعرفه هو ، فقد سمح لها أن تأخذ مكانه لتراقب المشهد بعين واحدة بعد أن فقدت إحدى عينيها . وهذا ما فعلته هيئة الأمم  التي كانت تنظر للشعب الفلسطيني بعين واحدة ، لذلك ترك مراد قطته تتجول في المخيم وتراقب المشهد من زاوية واحدة فقط وهي ( الفقر والموت ) .

وعندما تخلصت القطة من قيود مراد بدأت تزيح الستارة عن أول مأساة في الرواية وتتحدث عن أبو خالد وزوجته حليمه وفقدان المولود الجديد الزائر الراحل من البرد ، وسأترك القارئ يعود للرواية ليرى ما قالته القطة ، لكن إستوقفتني هذه الصورة الموجودة في ص 33 ، صورة إستمدت جذورها من واقع المخيم المأساوي

ـ  كان خالد ضيفا عزيزا ترقب الجميع قدومه ولكنه ما حل حتى ارتحل . ودع الكهف البارد والمظلم ورفرف بأجنحة الموت متجاوزا ألواح الصفيح بعد أن دفع بيديه الصغيرتين حق الرجوع ورفض أن يستصدر  شهادة ميلاد .

وقد نجح الكاتب في أن يجعل القطة وسيلة لرؤية الحياة بحلوها ومرها في داخل المخيم ، وجعلنا نعيش الرواية مع مجموعة من الحكايات لشخصيات حقيقية ، وقد عراهم كما هم دون تزييف بخيرهم وشرهم . سواء تلك الغجرية موزة التي تسببت في فقدان عين القطة وكانت تسرق قوت الفقراء من مركز المؤن أو حكاية إحتراق شهلا ، أو بسمة وعلاقة الحب الشريفة مع يوسف والتي لم تستمر مع رحيل والدها إلى مخيم البقعة خوفاً من العار وحديث الناس أو حكاية أم العبد وعلاقتها بزوجها السكير جبر الذي تسبب في حرقها وخوفاً عليه إدعت أن إحتراقها يعود إلى انفجار بابور الكاز ، أو حكاية الطفل الذي داسته سيارة الأونروا ، أو حكاية الكاتب مع أصدقاؤه وسينما فلسطين ، ولم ينس الكاتب بركة البيبسي المجاورة للمخيم وما تسببت به هذه البركة من مصائب وأمراض كثيرة لأهل المخيم وأخذت أرواح العديد منهم بسبب مرض السل والكوليرا ، وهناك شخصيات وحكايات عديده وردت على لسان القطة إن جاز التعبير يغلب عليها طابع الرذيلة والعار والغدرالبشري ، أنصح القارئ أن يقرأها من الرواية لأنه لا داعي لذكرها في هذه القراءة .

ولا شك ان الكاتب حين رسم بناءه الدرامي للرواية قد أخذ في إعتباره أن يضع العديد من الصورالتي إستمدت جذورها من واقع المخيم المأساوي ثم أعطاها حقيقة تاريخية تناسب مفهوم ما قاله بين السطور، وكما كان هناك إستمتاع في الصور كان هناك إستمتاع أقوى في الجانب اللغوي الرائع والألفاظ القوية التي إستخدمها الكاتب في روايته . وما يدل ذلك إلا على تمكنه من اللغة العربية التي يستحق الشكرعليها .

وفي الرواية نجد الكاتب قد إستعمل العديد من المصطلحات التي كان يتداولها أهل المخيمات فأعطت قيمة للعمل ، وهي جزء من بقايا النكبة والمأساة التي حلت بالشعب الفلسطيني ، وتذكرنا بالأيام المرة ، ولكن مع مرور الزمن بتنا نقول  ( ما مرها إلا حلو ) ، فقد عاشت معنا وما زلنا نتذكرها . وقد أدخل الكاتب هذه المصطلحات بقصد التذكير ونجح … شوالات ، بابور الكاز ، النمرة ، الوحدة ، المؤن ، البقجة ، الأسبست ، الصفيح ، قدر الماء ، جرجر ، الدوشك ، النملية ، سراج ، براكيات ، ابن الشليته ، لحمة هبرة ، زيت الفتيلة ، دلو فارغ ، تنكة ، دكان ، ساليوت وكراش ، كسيبة ، الحنفية ، لمبة كاز ، شمبر ، بنطلون ستريك ( ستريتج) .

وأقول للكاتب مراد سارة أن الأبداع لا يزدهر إلا في أجواء الفقر والقهر والإغتراب ، وأنت أبدعت ، ولنا الشرف أن نولد في المخيمات ونعيش ونتربى ونتعلم فيها ، إحساسنا بالنكبة والإغتراب باق ، ولن ننس الجرح الذي ساهم في إنتماءنا والتصاقنا في هذه المخيمات أينما كانت . وما زلنا نحلم بالوطن !!!

ـ  البسطاء من يحلمون بالوطن ، الفقراء هم أسياد الأرض ، الشرفاء هم الشهداء ، والأبرياء هم أصحاب السرائر وما تخفي الصدور .

أرجو أن أكون قد وفقت في هذه القراءة البسيطة بعد أن قرأت الرواية بالكامل ، ولم يك هدفي عرض كل ما قيل في الرواية ، انما كان  تسليط الضوء على بعض الأمور التي تتعلق بحياة الناس في المخيمات فوجدت في النهاية أن الكاتب كان لديه وعيٌ كبير عندما إختار القطة بطلة لروايته … فمصير اللجوء يشبه حياة القطط  كما يقول .

فوجود القطة في المخيم وتحملها كل الظروف القاسية من صبر وآلام وإحساس باليتم . جعلته يمنحها هوية اللجوء كما تمنح الأمم كرت المؤن ، وأعطاها حرية الحركة لأنها إنعكاس لصوت اللاجئين الممثل في شخصيات الرواية التي رسمها االكاتب بإبداع . ونجح أيضاً في وضع القطة في موضع الرقيب والشاهد الوحيد على أحوال وأسرار المخيم .. واقعها كان محفوفاً بالمخاطر ، ولا عجب في هذا القول لأن الكاتب جعل منها ( العسس أو العاس ) الذي يطوف في وسط الظلام ليكشف المستور. والقطة هنا كشفت المستور وكشفت ظلم هيئة الأمم ، ولا فرق بينها وبين حنظلة ناجي العلي ، فحنظلة كشف الوجه السياسي القبيح لخوارج فلسطين ، أما قطة مراد سارة.  فقد كشفت الوجع الحقيقي لما يعانيه أهل المخيمات من قهر وفقر وجوع وعوز … ويبقى السؤال الذي طرحه الكاتب ما بين سطور الرواية …

ـــ  هل يوجد في المخيم ما يستحق الحياة ؟؟

Read Previous

العراق: صناعة اليأس – معد فياض

Read Next

اعتقال مغنٍّ إيراني بسبب أغنية انتقد فيها قمع قوات الأمن للمتظاهرين

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *