“أوكوس”.. توسع الحرب الباردة الجديدة في آسيا والمحيط الهادئ – نورشين آتش أوغلو كوناي

أثار توقيع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا في 16 سبتمبر/ أيلول الجاري، اتفاقية شراكة أمنية جديدة عرفت باسم “الميثاق الأمني لدول أوكوس” حفيظة الصين التي أبدت رد فعل قويا تجاهه.

وتقرر وفق الاتفاقية تقاسم واشنطن مع حلفائها تقنيات تتعلق باليورانيوم عالي المستوى المستخدم في الغواصات النووية الأمريكية، ما أثار العديد من ردود الفعل حول العالم.

ورغم أنه من الصعب تحديد الجهة المستهدفة من “ميثاق أوكوس”، فإن رد الفعل الأقوى تجاهه جاء من الصين.

وبعد توقيع الولايات المتحدة وأستراليا والمملكة المتحدة “دول أوكوس” للاتفاق، أعلنت أنه لا يستهدف أي بلد، وأن الغاية منه منع وقوع أزمات محتملة في المنطقة.

حكومة بكين

لم ترض هذه التصريحات حكومة بكين، التي تعلم ماهية الأزمات الممكن تجنبها من خلال استخدام غواصات نووية.

وذهبت إلى أن قرار الولايات المتحدة تقاسم معلومات وتقنيات تتعلق بالغواصات النووية مع شركائها في “أوكوس” من شأنه استهداف أمن منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

ورأت الصين أن هذا الوضع سيؤدي إلى تعطيل التوازنات القائمة في المنطقة وتشجيع سباق التسلح، وبناء عليه فإن هذه المبادرة الجديدة للدول الثلاث، من شأنها أن تعيد المنطقة إلى زمن الحرب الباردة.

ويقصد بالحرب الباردة الجديدة، التنافس القائم بين الولايات المتحدة وروسيا والصين لتقييد حرية حركة المنافسين في مناطق معينة.

وشهدت المنطقة تسلحا إقليميا في الجبهات المفتوحة سابقا للحرب الباردة، أي خطوط المواجهة في مناطق بحري المتوسط والأسود والقوقاز.

وبدأت الجبهة الثالثة التي تمر بأفغانستان من جهة، وبحر الصين من جهة أخرى، بالتوسع فعليا عندما كانت الولايات المتحدة تنسحب من أفغانستان.

وأرادت واشنطن من خلال الانسحاب أن تضع كل العبء والتناقضات الموجودة بالمنطقة في سلة بكين وموسكو.

وترى واشنطن أن الصين وروسيا غير قادرتين على تحمل تكلفة إدارة الفوضى في هذه المنطقة، وأن محاولة البلدين الآن التصدي للنفوذ الغربي في آسيا والمحيط الهادئ سيزيد من أعبائهما المادية”.

استهداف قوة الصين

تمكنت الصين خلال السنوات الأخيرة من التمدد في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، من خلال امتلاكها ترسانة عسكرية قوية تحوي 60 غواصة، 6 منها ذات قدرة نووية.

هذا النوع من الغواصات الاستراتيجية يثير قلق واشنطن التي كانت تنفذ بحريتها دوريات ضمن نقاط معينة في المنطقة.

وهنا يمكن القول، بأن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، أرادت إيصال رسالة إلى الصين بأن الأزمة بين واشنطن وبكين لن تظل محصورة بينهما، لا سيما أن اتفاق “أوكوس” لن يقتصر على التعاون في مجال الطاقة النووية، بل يتضمن مروحة واسعة من بنود التعاون في المجالات الدفاعية.

ومن خلال الاتفاق المذكور، تهدف واشنطن وكانبيرا ولندن إلى تبادل الخبراء والمعلومات في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الإلكترونية وتكنولوجيا الكم وأنظمة الغواصات وقدرات توجيه ضربات عسكرية بعيدة المدى.

من جانبها، اعتبرت الصين أن تحجيم نفوذها في آسيا والمحيط الهادئ يعني تحويلها إلى دولة محصورة في سجن كبير، ومن ثم دفعها نحو التصادم مع روسيا في عدة مناطق.

ولا يستهدف “أوكوس” التنافس القائم بين الولايات المتحدة والصين وحسب، فبينما كانت إدارة بايدن تضع أسس الاتفاق، وجهت ضربة موجعة لباريس من خلال دفع أستراليا، دون استشارة أي من الحلفاء، للتخلي عن صفقة شراء غواصات بمليارات الدولارات من فرنسا، ما أثار غضب صناع القرار فيها.

إدارة بايدن و”الترامبية”

ويمكن القول بأن إدارة بايدن شعرت بالحاجة إلى تعزيز وجودها في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، من خلال اتفاقية أمنية ثلاثية مع المملكة المتحدة وأستراليا، وذلك بعد 70 عاما من معاهدة آنزوس التي أبرمتها واشنطن مع أستراليا ونيوزيلندا عام 1951.

ولم يفاجئ هذا التطور أحدا، ذلك أن بايدن أعطى إشارة بأنه يستعد لمرحلة من تصعيد التنافس مع الصين وروسيا، بالتزامن مع تصديه لسيل من الانتقادات حول طريقة انسحاب بلاده من أفغانستان.

ويبدو أن بايدن أطلق حملة بلاده الخاصة لتوسيع نفوذ واشنطن دون استشارة الحلفاء، خلافا لما جرت عليه عادة السياسة الأمريكية في الحرب على الإرهاب، والتي بدأتها الولايات المتحدة في أفغانستان عام 2001، وتبعها فيها الأوروبيون.

وينم الانسحاب أحادي الجانب من أفغانستان ودون استشارة الحلفاء، عن مرحلة سوف تزخر بالقرارات التصعيدية الأحادية، وهو ما دفع العديد من الخبراء الغربيين إلى القول بأن إدارة بايدن أخذت اتجاها يتبنى الترامبية (سياسة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب) لفترة من الوقت.

والمقصود بهذا الاتجاه، ليس مجرد تبنٍ أحادي الجانب، بل مواصلة لنهج وضعه ترامب في السياسة والجيش، يرفع شعار مصلحة الولايات المتحدة أولا.

الحلفاء منزعجون

هذا التغيير السريع وعدم الاتساق في ميل الولايات المتحدة إلى “كسب الحلفاء”، وكذلك تمسك واشنطن بالمصالح الأحادية الجانب التي تعطي الأولية لمصالح الولايات المتحدة، يعطي انطباعًا أن الفرق بين إدارة ترامب وإدارة بايدن ليس إلا فرق في طريقة استخدام اللغة.

وبسبب هذا الاتجاه “الترامبي” يشعر حلفاء الولايات المتحدة في الخليج وإفريقيا وأوروبا بالانزعاج الشديد ويحاولون إحياء خططهم للاستقلال الاستراتيجي.

كما تتوجه بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي نحو طريق الاستقلال الاستراتيجي وتخطي الضغوط البيروقراطية التي يفرضها الاتحاد الأوروبي لإظهار جديتها وجدّية مشروعها.

وقال الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية جوزيب بوريل، ورئيس المجلس الأوروبي تشارلز ميشيل، إن أفغانستان “تشكل إنذارا تحذيريا”.

وبذلك عبر الاتحاد الأوروبي عن حجم الانزعاج الذي يعيشه حلفاء واشنطن من سياساتها الأحادية التي لا تولي اهتمامًا بالمصالح المشتركة للحلفاء.

كما أعلن مسؤولون رفيعو المستوى في الاتحاد الأوروبي، أنهم يعملون على خطة البوصلة الاستراتيجية، والتي تقتضي التوسع في الاستثمارات الدفاعية وتطبيق رؤى استراتيجية مستقلة لبلدان الاتحاد.

لكن لسوء الحظ لا تزال بروكسل في بداية هذا الطريق، فهناك الكثير من الانقسامات داخل البيت الأوروبي فيما يتعلق بقضايا الأمن والاستقلال الاستراتيجي.

نزع السلاح النووي

لقد أثيرت مخاوف داخل المجتمع الدولي بشأن قرار الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تقاسم الخبرات عالية المستوى حول التكنولوجيا النووية التي تعمل باليورانيوم مع دولة غير نووية مثل أستراليا.

وهنا يمكن القول بأن توفير الوقود اللازم لغواصة تعمل بالطاقة النووية لصالح دولة غير نووية، يعني نقل مستويات عالية من اليورانيوم، وهو ما لا ينبغي أن يكون هذا البلد قادرا على حيازته بموجب معاهدة حظر الانتشار النووي.

ورغم أن رئيس الوزراء الأسترالي صرح بأن بلاده لا تنوي حيازة أسلحة نووية أو إنتاج طاقة نووية، إلا أنه حذر من أن هذا الامتياز الممنوح لها في المستقبل قد يزيد إمكانية انتشار الأسلحة النووية عالميًا.

وهنا لا بد من التذكير بأن اتفاقية الغواصات مع أستراليا لم تكن المثال الأول الذي يعكس قيام الولايات المتحدة بالتصرف باتفاقية معاهدة حظر الانتشار النووي لمصالحها الخاصة.

ففي 2006، وقعت الولايات المتحدة اتفاقية تعاون مع الهند، وهي ليست عضوًا في معاهدة حظر الانتشار النووي، تمكنت عبرها واشنطن من نقل تقنيات عالية المستوى في المجال النووي إلى نيودلهي.

آسيا والمحيط الهادئ

في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، تساور حلفاء الولايات المتحدة في بعض الأحيان شكوك حول قدرات الردع الأمريكي.

وقد لا تكون الصين دائما محور هذه الشكوك، لا سيما أن السياسات العدوانية المتغطرسة التي تتبعها كوريا الشمالية ضد جارتها الجنوبية، دفعت الكثير من الحلفاء للتفكير في إيجابيات وسلبيات التحالف مع الولايات المتحدة.

ونتيجة لذلك، حاولت واشنطن تبديد شكوك حلفائها من خلال اتخاذ سلسلة إجراءات إضافية، يمكن اعتبار “أوكوس” اليوم أنها واحدة منها.

وهناك عاملان يمكن أن يؤثرا على هذه الإجراءات: “الأول، أن الولايات المتحدة تتخذها “وسط شكوك تساور حلفاءها الخليجيين والأوروبيين في جدوى تحالفهم معها”.

أما العامل الثاني فهو أن الولايات المتحدة لم تشارك حتى الآن المعلومات التي بحوزتها عن الغواصات النووية مع أي بلد آخر ما عدا المملكة المتحدة.

ومن المعروف أن الولايات المتحدة متكتمة للغاية على المعلومات المتعلقة بمشاريع الغواصات النووية، أما الآن فإنها ستشارك هذه المعلومات المهمة مع أستراليا أيضا، في إطار اتفاقية تعزز قوة الردع الأمريكي بالمنطقة لضمان تراجع النفوذ الصيني.

هذان العاملان، “يظهران في الواقع الجدية الكبيرة التي تأخذها الولايات المتحدة تجاه التهديد الصيني في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وهو ما دفعها إلى تقاسم معلومات استراتيجية على قدر عالٍ من الأهمية مع دولة أخرى في سبيل تعزيز قوة الردع الخاصة بها”.

إضافة إلى ما سبق، يمكن القول، إن هذه التطورات في منطقة آسيا والمحيط الهادئ تنذر في الواقع بتصاعد تدريجي لوتيرة الحرب الباردة الجديدة التي سيعيش العالم مخاضها مستقبلا.

Read Previous

هل سيُصاب الجميع بكورونا قريباً؟

Read Next

تهديد “محقّق المرفأ” ومائدة ماكرون – فارس خشان

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *