تهديد “محقّق المرفأ” ومائدة ماكرون – فارس خشان

تهديد “حزب الله” للمحقق العدلي في قضية انفجار مرفأ بيروت طارق ‏بيطار مسألة خطرة، ولكن ما هو أخطر منها أّلا يجد “حزب الله” نفسه، ‏بعد مرور 48 ساعة على انتشار الخبر، مضطراً للنفي.‏

تهديد بيطار ليس الأوّل من نوعه، فـ”حزب الله” إحترف هذا الأسلوب في ‏تعاطيه مع أيّ شخص، مهما كان موقعه، يمكن أن يسير عكس إرادته أو ‏مصلحته أو توجيهاته، ولكن هذه المرّة، وخلافاً لسابقاتها، لم يجد ما ‏يضطرّه الى إخفاء فعلته، وتالياً إلى وضع حد لتفاعلاتها، على مختلف ‏المستويات.‏

لماذا؟

من الواضح أنّ “حزب الله” ليس وحده ضد المسار التحقيقي الذي ينتهجه ‏بيطار، فهناك قوى لبنانية كثيرة، تناهضه، ولكنّ “حزب الله”، دون ‏غيره، يملك القدرة على التهديد، لأنّ “مصداقيته” في هذا المجال، عالية ‏جداً، فجميع اللبنانيين، سواء كانوا مؤيّدين أو حلفاء أو خصوماً، يعرفون، ‏عن كثب، أسبقيات “حزب الله”.‏

وإذا كانت القوى اللبنانية تناهض مسار بيطار التحقيقي، لجهة الادّعاء ‏على رئيس الحكومة وعدد من الوزراء، لأسباب طائفية أو دستورية أو ‏سياسية، فإنّ “حزب الله” يناهضه لأسباب أخرى، تتصل، على ما يبدو، ‏بالخدمات التي أدّاها المدعى عليهم له، سواء في هذا الملف أو في غيره ‏من الملفات.‏

قبل التهديد، كانت ثمّة شائعات تفيد أنّ المدعى عليهم الذين يلاحقهم ‏بيطار، قد أهملوا واجباتهم لجهة وجوب معالجة مادة نيترات الأمونيوم ‏الموصوفة بالخطرة للغاية المخزّنة في العنبر رقم 12 في مرفأ بيروت، ‏بناء على طلب تلقوه من “حزب الله”. بعد التهديد، أخذت هذه الشائعات ‏مصداقية عالية، إذ إنّ لا شيء يمكن أن يدفع “حزب الله” إلى توجيه هكذا ‏تهديد إلّا حرصه على إيصال رسالة تضامن الى الشخصيات الملاحقة.‏

وكانت مثابرة بيطار في ملاحقة “كبار” المدّعى عليهم، على الرغم من ‏التنديد العلني الذي تولّاه الأمين العام للحزب حسن نصرالله، في حال ‏تكلّلت بالنجاح، من شأنها أن توصل رسالة عكسية الى المعنيين بملف ‏انفجار مرفأ بيروت ما يدفعهم الى الخروج عن صمت يعتبرونه، حتى ‏تاريخه، من وسائل حمايتهم، لاقتناع هؤلاء أنّ ثلاثة أشخاص على الأقل ‏جرت تصفيتهم، حتى لا يكشفوا ما لديهم من معلومات خطرة حول الجهة ‏التي كانت ترعى بقاء كمية نيترات الأمونيوم، في مكانها وعلى حالها، ‏على الرغم من إدراك الجميع مدى خطورتها، على المرفأ وعلى ‏العاصمة.‏

ولأنّ الرسائل “السياسية” لم تنفع مع بيطار، كانت رسالة التهديد التي ‏أُريد لها أن تكون علنية، إذ إنّ المسؤول في “حزب الله” وفيق صفا ‏إرتأى أن يوصلها الى المحقق العدلي عبر شخصية إعلامية لا يُفترض ‏أن تكون، بطبيعتها، كاتمة أسرار، بل فاضحة لها.‏

إنّ تزامن هذا التهديد مع انطلاق الحكومة الجديدة في أعمالها، في ضوء ‏نيلها الثقة النيابية، أريد له أن يثبت ما تعرفه غالبية اللبنانيين أنّ ما كان ‏واقعاً، في السابق، لجهة سيطرة “حزب الله” على البلاد، أصبح، راهناً ‏أكثر رسوخاً، وتالياً فإنّ ما يرفع الحزب في وجهه “البطاقة الحمراء” ‏يجب ألّا يمر، مطلقاً.‏

وهذه رسالة تتخطى المحقق بيطار وملف انفجار المرفأ، لتطال جميع ‏العاملين في الشأن العام وسائر الملفات في البلاد.‏

وقد سمحت التطوّرات الأخيرة في لبنان والإقليم لـ”حزب الله” أن ‏يتصرّف برعونة أكبر من السابق، فهو كان شريكاً “دولياً” في تشكيل ‏حكومة نجيب ميقاتي، وألحق هزيمة كبرى بتوجّهات المجتمع المدني ‏الذي توهّم دعم المجتمع الدولي له، بخصوص إبعاد الطبقة السياسية عن ‏السلطة التنفيذية، وهو نجح في إطلاق أعمال الشركة النفطية التي طالما ‏حلم بتأسيسها على قاعدة “كسر الإحتكار”، وهو ينتظر نتائج تراجع ‏واشنطن عن “صرامتها” في تطبيق “قانون قيصر” ضد حليفه بشّار ‏الأسد، وهو يتطلّع إلى التحكّم بمجريات الانتخابات النيابية المقبلة، ‏وبعدها بمآل الانتخابات الرئاسية.‏

وتسبق رسائل “حزب الله” هذه اجتماع العمل الذي سوف يعقده، غداً ‏الجمعة، في قصر الإليزيه، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ‏‏”المتصالح” مع نظيره الأميركي جو بايدن بعد “حَرَد استراتيجي”، مع ‏الرئيس نجيب ميقاتي.‏

وفي هذا الاجتماع سوف يختبر ميقاتي أبعاد كل ما حكي عن تفاهم ‏فرنسي-إيراني على لبنان، لأنّ تجاوز ماكرون لهذه الحقائق الخطرة التي ‏يفرضها “حزب الله” على الأرض، بما فيها موضوع انفجار المرفأ الذي ‏دفعه الى زيارة لبنان، مرّتين، وإطلاق مبادرته التي جرى، بموافقته، ‏تحريفها، يعني أنّ باريس رضخت للأمر الواقع، وتالياً، في فهم “حزب ‏الله”،فإنّ هذا سوف يدفع بميقاتي الى التسليم له، كما سبق أن فعل رئيس ‏الجمهورية ميشال عون، بـ”البيضة والتقشيرة”، من دون أن يضطر، هذه ‏المرّة، أن يزعم أنّه …حزين.‏

Read Previous

“أوكوس”.. توسع الحرب الباردة الجديدة في آسيا والمحيط الهادئ – نورشين آتش أوغلو كوناي

Read Next

رئيس الوزراء البريطاني يعترف بابن له خارج إطار الزواج

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *