الرواية، وعالَمُ “الما بعدِ” القريبِ القادم – حبيب سروري

هذه المقالة هي مداخلتي في ندوة بعنوان: الأدب وصناعة المستقبل الرقمي.

كما تعرفون: اكتسحت التكنولوجيا الرقميّة اليوم كلّ مجالات الحياة المالية والتعليمية والخدماتية والإنتاجية، إلى حدٍّ لم يعد بالإمكان عمل أي شيء بدونها، لا سيّما في البلدان المتطوِّرة.

سؤال يفرض نفسَه، أترككم تتأمّلون فيه، وتردّون عليهِ بطريقتكم: ماذا سيحدث لو استيقظنا غدًا وقد توقّفت هذه التكنولوجيا كليّةً عن الحياة، وتعطّلتْ جميع شبكاتها وكمبيوتراتها وهواتفها وتقنياتها؟

جوابي: سيعود البشر ربما إلى ما يشبه عصور سلالات الصيّادين ـ القطّافين للثمار، من بني هوموسابيانس، أو إلى بدايات عصر الزراعة، أو لِنقُلْ، على الأرجح لكن بصعوبات كبيرة، إلى عصورٍ سبقتْ الثورة الصناعية بقليل.

في الحقيقة، لم تكتسح الحياةُ الرقمية كلَّ أرجاء العالَم المتقدِّم فقط، لكنها اليوم، في عصر الذكاء الاصطناعي خاصة، ومع بدء الثورة البيولوجية ومشاريعها المذهلة ­­­[أمثلة: استخدامُ الخلايا الجذعية لتطويل العمر: جائزة نوبل ٢٠١٢ لِـ ياما ناكَ؛ المقصّ الجيني لتغيير الجينوم: جائزة نوبل ٢٠٢١ لِـ إيمانويل شاربانتييه؛ و”قرن الدماغ” بكلِّ مشاريعه المتنوِّعة، لا سيّما تقنيات الواجهات التفاعيلة التي تربط مباشرة تفكير الدماغ بشاشة الكمبيوتر…] أدْخَلَتنا، منذ الآن، عصرَ التخييل العلمي، من أوسع أبوابه.

وقادتْنا أيضا إلى مفترق طرقٍ يُطلُّ على مستقبلٍ مربكٍ غامضٍ مجهولِ المعالم، فتحَ للأدب آفاقاً خصبة جديدة يتَداعى فيها (كما نلاحظ مؤخرا وكما سأشرح في مداخلتي هذه) الجدارُ الحاجز بين نوعين أدبيين: التخييل الروائي التقليدي والتخييل العلمي.

صارا يتعانقان اليوم في لونٍ جديدٍ بديعٍ من الروايات الحديثة، سأسلِّط الأضواء عليه في هذه المداخلة.

انعكاس أدبي

بديهيٌّ، بطبيعة الحال، تأثّرُ الأدب دوما بالمتغيّرات الجذريّة في حياة الناس، لا سيّما بعد دخول الإنسان العصرَ الرقمي، لأنّ البناءَ الفوقي للمجتمع (الذي يضمّ في قائمته الطويلة الفنَّ والأدب) إنعكاسٌ لِبنائهِ التحتيّ الذي يضمّ البنية الاقتصادية الاجتماعية التي يؤسس العِلمُ مداميكَها، لا سيّما في المجتمعات المتطوِّرة، حيث شهد القرن العشرين انتصارا كاسحا للرؤيا العلميّة للعالَم.

تكنولوجياتُ العِلم وتقنياته (من الروبوتات التي بعثها الإنسان للسيطرة على الكواكب، وحتّى الهواتف الجوّالة، مرورا باللقاحات التي قضَتْ كليّةً على كثيرٍ من الأمراض المتأبّدَة والجوائح) أضحت تغمر كل حياة الإنسان وتلعب دورا قاطعاً حاسماً فيها.

كلّها مبنية على قواعد العلم العقلانية، واستنباطاته المنطقية للبحث عن الحقيقة الموضوعية.

“يقوم الأدب بغلغلة ودمج قضية العِلم في اللغة، وفي الأيديولوجيا بالنتيجة”، كما يقول موقف مجلة “تِلْ كِلْ TEL QUEL” الأدبية في ستينات القرن الماضي. (كلمة “الأيديولوجية” هنا تعني “عِلْم الأفكار”، حسب مدلولها الإغريقي الأصليّ المشتق من: idea و: Logos).

بطبيعة الحال، كان للأدب سابقا الدورُ نفسُه في غلغلة رؤية الدِّين، قبل الثورة الصناعية وقرن الأنوار.

لعلّ أفضل مثال للتعبير عن العلاقة الجدلية بين الأدب والبناء التحتي للمجتمع استعارةُ “الخالق الذي يخشى أن ينقلبَ مخلوقُهُ أو عبدُهُ عليه لإبادتِه”. فلطالما كانت هذه الاستعارة هوَسَا يخيف الإنسان، قبل أن يعودَ هاجسها مجدّدا في زمن الروبوتات الذكيّة المستقِلّة:

يُعبِّرُ إنسانُ القرن السابع في الجزيرة العربية، على لسان معن بن أوس المزني، عن مخاوفهِ قائلا:

أعلِّمهُ الرمايةَ كلّ يومٍ              فلما اشتدَّ ساعده رماني

وكم علّمتهُ نظم القوافي            فلمّا قال قافية هجاني

مستخدمًا بذلك أدوات ذلك الواقع الاقتصاديّ والاجتماعيّ والثقافيّ: الرماية، الهجاء…

فرنكشتاين

وفي بنيةٍ تحتية مثل بنيةِ لندنِ بداية القرن التاسع عشر، لا سيّما بعد اختراع العالِم الإيطالي فولتا للبطارية الكهربائية، تجلّت هذه الاستعارة برواية “فرانكشتاين، أو إله النار الجديد” لماري شيلر، بسبب هوَس الباحثين حينذاك بتفسير سرِّ الحياة، وكيف يمكن أن تندلع في المادة الجامدة [أمثلة: المدرسة الجلفانية (الكهرباء الحيوانيّة)؛ هلوسات العامّة من الناس حينذاك عن تجارب الطبيب والشاعر وعالم النباتات ايراسموس داروين (جدّ تشارلز) لِبثِّ الحياة في عجينِ شعيريّة داخل إناء!…]

تسرد الرواية حياة الباحث الشاب فيكتور فرانكشتاين الذي يصنع سرّا في مختبرهِ آدمَهُ الخاص: مخلوقا إنسانيا من بقايا جثث مقابر! ثمّ يولِّدُ تيّار الحياة (بواسطة الكيمياء والكهرباء) في مخلوقِه الذي يشبه “الوحش”. يتنقَّلُ هذا الإنسان المارد بعدها في عالمِ البشر منبوذا مكروها محروما، لا يعرف ما ذنبه… قبل أن يمسيَ سببَ وبال وتدمير حياة خالِقه. (يُطلَق اسمُ فرانكشتاين غالبا اليوم، من باب الخطأ الشائع، على الوحش أيضا).

تأثير هذه الرواية على الأدب الروائي والمسرحي والسينما غزيرٌ، لم يتوقّف حتّى اليوم. [أكثر من 128 إخراجٍ سينمائي لها حتّى عام 2010، بعد أوّل إخراج للرواية في فيلم جيمس ويل في 1931، تلاه بفيلم بديعٍ آخر بعد 4 سنين فقط؛  أمثلة أخيرة لاستلهاماتها الأدبيّة: رواية “فرانكشتاين في بغداد” لِـ أحمد سعداوي (نالت جائزة البوكر العربي في 2015)، ورواية إنجليزية جديدة: فرانكشتاين، لجانيت وينترسون].

علاقة جدلية

ليس غريبٌ، في ضوء هذه العلاقة الجدلية بين البنائين التحتي والفوقي، غيابَ طيف العِلم كليّا تقريبا في الرواية العربية بسبب غياب العقلية العلميّة في أرض الواقع، كما ليس غريبٌ حضورَه الكبير الساطع في الرواية الغربية عموما.

لِحضوره هذا أشكالٌ لا عدَّ لها:

لا يخلو اختراعٌ علميّ كبير أو حلّ قضية رياضية مفتوحة منذ قرون، من رواياتٍ هامّة تسرد مغامرات الباحثين والعلماء للوصول إلى “كأسهم المقدّسة” Graal. [أمثلة: ثمّة روايات عن: حلّ اندرو وايل لإشكالية فيرما؛  جريجوري بيرلمان لِفرضية بوانكاريه؛ رواية “نظرية المعلومات” عن تاريخ الإنترنت، مسرحيات وروايات عن حياة آلان تورنج؛ وعدد هائل مرتبط برحلة شارل داروين حول العالم في سفينة بيجل، وفي أرخبيل الغلاباغوس على نحو خاص…]

ثمّة روايات فلسفية راقية تغوص في قضايا علمية جوهرية كَـ “قطة شرودينجر” لِـ فيليب فوريست؛ وهناك تأملات فلسفية كونيّة علميّة تتكرّر وتتجدّد في روايات كثيرين مثل دورميسون، فيليب سوليرس…

حيوات كثير من كبار العلماء والباحثين الحقيقيين أو التخييلين، ويومياتهم في المختبرات العلمية وخارجها، مسرودةٌ في روايات شهيرة [كمثال: ميشيل، باحث في النسخ البيولوجي، ثمّ أخيرا في تغيير الجينوم: بطل “الجُسيمات الأوليّة”، ثاني روايات الروائي الفرنسي الشهير هولبيك (التي تنتمي مثل عدد من رواياته، لا سيّما “احتمالُ جزيرة”، إلى هذا اللون من التخييل العلمي). لعل ميشيل امتداد لبطل روايته الأولى الذي كان “مبرمج كمبيوتر”. وفي آخر رواياته: “سيروتونين” كان البطلُ مهندسا زراعيا سابقا… للتذكير: بدأ هولبيك حياته مهندسا في الكمبيوتر.].

أمّا اليوم، وبعد طفرة الذكاء الاصطناعي والثورة البيولوجية في العقد الماضي، فيتهافتُ كثيرٌ من كبار روائيي العالَم لاستلهامِ هذه الطفرة في كتابة روايات استباقية عن مستقبل العالَم في الزمن القادم القريب، بأشكال فنيّة متنوِّعةٍ جديدةٍ بديعة.

 

روايات استباقية

عند الحديث عن الروايات الاستباقية، يلزم ذكر روايتين رئيسيّتين: “1984” لجورج أوريل، و”عالم جديد وشجاع” لِـ ألدوس هوكسلي، كُتِبتا في النصف الأوّل من القرن العشرين، كشفتا بعبقرية كثيرا من معالم ما دار لاحقا وما يمكنه أن يدور أيضا، لهما موقعان طليعيّان في قائمة أهمّ الروايات المكتوبة بالإنجليزية.

رواية أوريل أكثر تخصصا في آليات المجتمعات الشمولية خلال عصور الحروب الباردة بين أقطابٍ سياسية دولية متعاركة. اشتهرت باستعارة “الأخ الأكبر”: رئيس الدولة ــ الحزب (“أبو شنب”)، الرقيب الكليّ على حياة الناس، وصاحب الشاشات المغروسة في كلِّ مكان لغسل أدمغتهم…

رواية هوكسلي أقرب إلى عصرٍ قادمٍ بعيد، تُهيمن فيه التداعيات الشمولية للاكتشافات البيولوجية على عالَمٍ تزداد عولمتُهُ وتوحّدُه، وقطيعتهُ الجذريّة مع الماضي. الإنجابُ فيه يتمّ في المختبرات فقط، لخلق طبقات متفاوتة من البشر: الفا، بيتا،… ، ايبسلون، تُبرمَجُ غرائزُها في حضانات الدولة منذ الطفولة.

للحديث عن علاقة وهوَس الرواية المعاصرة بالمستقبل الرقمي، أودّ تقديم بضع روايات حديثة جدا، استباقية لزمن قادمٍ قريب، جوهريّةٍ ومترَعة بالدروس الهامّة عن خارطة العالم الرقمي في المستقبل القريب؛ قبل إعطاء خلاصات عامّة لهذه المداخلة.

الروايتان الأولى والثانية مرتبطتان بدخول الروبوتات الذكيّة المستقلّة لحياة الإنسان:  “كلارا والشمس” لِـ كازيو هاشيجورو (2020) الحائز على نوبل آداب في 2017؛ و “ماكينة مثلي” لِـ يان ماكوين (2019) الحائز سابقا على جائزة البوكر الإنكليزية.

معهما تعود استعارةُ مخلوقِ فرانكشتاين بحُلّةٍ جديدة، معاكسةٍ ومختلفةٍ جذريّا عن الوحش الذي صنعَه في مختبره السريّ.

إذ لم يعد المصنوع يبيد صانعه في نهاية المطاف، بل يمكنهما اليوم التعايشُ معًا بأشكال شتّى، بفضل تأثير “القوانين الثلاثة للروبوتات” التي ابتكرها أحد أكبر عمالقة التخييل العلمي: الأميركي ـ الروسي إسحاق عظيموف.

فجميع روبوتات هاتين الروايتين إنسانيةٌ متحضِّرة، تعيش في بيوت البشر، وتشبههم شكلا حدّ التماهي. تخدمهم وتتجاوز كثيرا من مقدراتهم في الوقت نفسه، تُغيّرُ مجرى حيواتهم، إن لم تقدْها رويدا رويدا، هنا وهناك، في هذا المجالِ أو ذاك…

ليس غريباً رؤية هذا التطوّر الساحق في ملَكات الروبوتات المؤنسنة ومقدراتها اليوم على تجاوز كثير من ملَكات الإنسان، وقد عاشت البشريّة مؤخرا حدَثين تاريخيين طازِجين من لحمٍ ودم، يستحقّ أن نرتجف أمامهما، وأن ننحني أمام عظمة وهول ثانيهما:

الأوّل: هزيمة الكمبيوتر للروسيّ كازباروف في 1979، وإن لم يكن ذلك بفضل الذكاء الاصطناعي بشكلٍ خاص، ولكن بفضل سرعة واتساع ذاكرة الكمبيوترات أساسا.

أما الثاني فهو زلزالٌ حقيقيٌّ حدث في عام 2016 (بعد طفرة الذكاء الاصطناعي في 2012، بفضل تقنيات “التعلّم العميق” لِـ “العصبونات الاصطناعية” في علوم الكمبيوتر): هزيمة الكوري لي سيدول في لعبة الـ غو، الأكثر تعقيدًا بما لا حدّ له من الشطرنج، بفضل الذكاء الاصطناعي الخالص ذي النتائج الخارقة.

كلارا والشمس

“كلارا والشمس” روايةٌ مذهلة بديعة. رَاوِيَتُها (بنت، روبوتة إنسانية) صديقة اصطناعية مؤنسنة لبنتٍ صغيرة: چوزي، تساعدها في التعليم وشؤون الحياة، في عالَمٍ قادمٍ سيكون التعليمُ فيه عبر الشبكات الرقمية فقط، داخل صفوفٍ دراسيّة لها أدوات وطرائق تكنولوجية جديدة. لا تتساوى في إطار هذا التعليم مستويات ومقدرات الطلاب: هناك “العِلِّيون”: القادرون، وهناك البقيّة: الهابطون، الكادحون الذين “فاتهم القطار”.

لِـ كلارا صوتٌ خاص في الرواية، وأسلوب في الحديث يظلّ محفورا في ذاكرة القارئ. مقدراتها على الرصد والتعلّم خارقة حقا. ترتبط مع چوزي بعلاقة إيثارٍ وحبٍّ وإخلاص كليّ، تجعلها تبدو أكثر إنسانية من أي إنسان.

چوزي مصابة بمرضٍ عصيٍّ على العلاج. طيفُ الموت يُلوِّحُ قريبا أمامها في نهاية النفق. ينهار الأمل في علاجها حتّى من أمِّها التي بدأتْ ترى في كلارا بديلا لها!

لهذه الصديقة الاصطناعية المؤنسنة مقدراتُ تماهٍ عالية مع چوزي. تُشجِّعها الأمّ على مزيد من تقليد ابنتها في الحديث والسلوك اليومي. بل كانت قد قامتْ ذات يوم برحلةٍ ثنائية معها، وبدأت تتعاقد مع ناحتٍ لتصميم إطار خارجي يحيط بها ليجعلها تشبه چوزي تماما…

وحدها كلارا من لا تفقد الأمل بعلاج چوزي. ستجده بطريقةٍ خاصة، بفضل الشمس، سيطول الدخول هنا في تفاصيل مسبباتِه وأحداثِه وأبعادِه “الدينية”!…

سيتغيّر كل شيء في حياة چوزي، ستسافرُ للدراسة الجامعيّة، وستنتهي حياة كلارا كما تنتهي حيوات الروبوتات، دون عرفانٍ من چوزي وأمِّها!

 

ماكينة مثلي

في رواية “ماكينة مثلي”، الراوي، شارلي، شاب مغامر غريب الأطوار. اشترى بنقودِ مبلغٍ ورثَهُ، روبوتا مؤنسنا، آدم، من أوائل طاقمٍ صغيرٍ من آدمات وحواءات اخترعها آلان تورين!، وبيعتْ بأعداد قليلة وأسعار غالية جدا.

(الرواية هنا تنتمي للنوع الأدبي Uchronie: خيال علميّ في الماضي، لأن آلان تورين، مخترع الكمبيوتر ومن فكّ شفرة انيجما النازيّة، مات في 1954، ولا ينتمي لنفس زمن أحداث الرواية التي تدور بعد ذلك بعقود).

يعيش آدم في منزل شارلي، بجانب رفيقة حياته ميراندا. تزداد ملَكاتُه الفكرية والأدبية، ومقدراته على اللعب في سوق الأسهم في البورصة والكسب المالي لصالحهما، بل تتضاعف مواهبه في كل الاتجاهات، لِيتحوّل في مجالات عدّة ربَّ البيت، وأن ظل خادمهما أيضا.

يعشق آدمُ ميراندا، بل مارس معها الجنس ذات مرّة، في بدء علاقتها بشارلي (عزاء هذ الأخير، كما قال، إنه أوّل إنسان في التاريخ تخونه زوجته مع روبوت!)…

يتحوّل آدم في بعض مجالات الحياة وبالا عليهما، لهذا الحدّ أو ذاك، ولأسباب مشروعة: الروبوتات المؤنسنة لا تستوعب مفهوم الكذب والنفاق الإنساني، وتُطبِّق مفهوم العدالة والمساواة على نحوٍ صارم يتجاوز العواطف.

في كلتا الروايتين، تتفتّح باقةٌ من الأسئلة الفلسفية الجديدة (على غرار تساؤلات رواية فرانكشتاين، قبل قرنين) حول الطبيعة الإنسانية عندما نراها من منظور هذه الروبوتات الذكيّة المؤنسنة؛ وحول الطبيعة الروبوتية المؤنسنة ومنهج تفكيرها وطبيعة غرائزها التي برمجها الإنسان؛ وحدود إمكانيات التحرّر من هذه الغرائز للانطلاق نحو حياة خاصّة مستقلّةٍ عن الإرادة الإنسانية؛ ومستقبل العلاقة بين الإنسان وروبوتاته المؤنسنة الذكيّة؛ وعلاقة الإنسان عموما بمستقبل تطوّر التكنولوجيا ومدى استعداده للحياة معها وبها؛ وعن الطبيعة ما بعد الإنسانية…

 

الدائرة

بعيدا عن الروبوتات،  تدور رواية “الدائرة”، لِـ ديف إيغرس (2013)، في مستقبل قريب جدا. صحنُ أحداثِها حياةُ البشر في مستقبلِ عالَمِ الأنترنت وشركات “غافا”: غوغل، آبل، فيسبوك، امازون…

تتّحد في الرواية ما يُشبه الثلاث الشركات العملاقة الأولى في شركة واحدة، اسمها “الدائرة”!

تدور معظم هذه الرواية الضخمة في دهاليز هذه الشركة، تتابع وتسرد آثارَها الجذريّة وتداعياتها على حياة الناس، بسبب هيمنة “الدائرة” وزيادة انغلاقها الأخطبوطي الكليّ يوما بعد يوم على حركاتهم وسكناتهم…

لكلِّ إنسانٍ حسابٌ كمبيوتري في شركة “الدائرة” (على غرار حساب الفيسبوك). يصبحُ رويدا رويدا الحسابَ الضروري الوحيد، ليس للشبكات الاجتماعية فقط، بل لكلِّ الخدمات الحكومية والإدارية والاجتماعية، لكلِّ الانتخابات السياسية… ولا يمكن الحياة بدونه أصلا!

في زمن “الدائرة”، طوفانٌ عارمٌ من المعلومات والتفاعلات والاستفتاءات والتقييمات يطمّ، في كلِّ لحظة، الإنسانَ الذي تحيطه الشاشات من كلِّ مكان.

الرقابة الكليّة على كل تفاصيل حياته، العامّة والخاصّة، ويوميّاته وتفكيره، يتجاوز كلّ الحدود، باسم “الشفافية” الكليّة:

الكاميرات واللاقطات الإلكترونية الذكيّة لِـ “الدائرة” تُحدِّق في كل شبرٍ من كوكبنا؛ والرقائق الإلكترونية تنحشر في أجساد الأطفال، باسم الحفاظ على أمنِهم…

يمكن رؤية كل إنسان في أي لحظة، في شاشات الآخرين، ولا يمكنه الخلاص من ذلك! ومن يرفض أن يكون “شفّافا” يبدو للجميع كما لو يريد إخفاء شيءٍ ما!…

هكذا، يقبلُ معظمُ الناس أسلوبَ هذه الحياة الديستوبية، بطوعيّة وبهجة، بل يتضاعف إدمانهم على تقنيات “مجتمعِ الاستعراض” الكليّ هذا، ويعيشونه بقناعة وحماس وهو يبتلع كحوت القرش كلّ وقتهم، ويلتهم أدمغتهم كحريق.

يُسلِّم الجميع خصوصياته، بما فيها الحميمية جدّا، لِـ “الدائرة” (الأشبه بِـ “الأخ الأكبر” لأوريل، بل أكثر منه تلصّصيةً وإلماما بالظاهرِ والباطن)، لكن بقناعةٍ تامّة. يتمّ كلّ ذلك في مجتمعات ديمقراطية لا علاقة لها بديكتاتورية رواية “1984”!

الممتع في الرواية: تقديم تفاصيل قصص حياة شخوصها بمرحٍ وسخريّة، تجعلان القارئ يموت من الضحك أحيانا، لا سيّما في الثلث الأخير منها.

تخييل تقليدي أم علمي؟

ملاحظات ختامية لِهذه المداخلة: نرى في الروايات التي عرضتُها هنا لوناً أدبيّا جديدا يتعانق فيه التخييل التقليديّ بالتخييل العلمي، فرضَ نفسَه اليوم بقوّة.

تدور أحداث هذا اللون جميعا معنا وبيننا، في مستقبلٍ قريبٍ. أدواتُه امتدادٌ منطقيٌّ لأدواتِ عصرِنا الراهن…

يختلف هذا اللون في ذلك كثيرا عن التخييل العلمي التقليدي، ذي الطابع الفانتازي، بأطباقهِ الطائرة وكواكبهِ البعيدة، وحروبه النووية بين المجرّات، وأحداثهِ التي تدور بعد آلاف السنين أحيانا [أمثلة: فيلم Blaid Runner المستوحاة من رواية أحد عمالقة التخييل العلمي: فيليب ك. دِيك “أيحلمُ الأندرويدات بخِرافٍ كهربائية؟”؛ رواية Dune “كثيب” الذي تمّ إخراجها مؤخرا في فيلمٍ جديد؛ حرب النجوم: Star Wars…].

يختلف عنه في إتّكائهِ الأساسيّ على واقعنا الراهن، وتركيزه على الجوانب الفلسفية والسياسية والاجتماعية لغدِنا القادم القريب، مُلفتاً النظر إلى بعض جوانبه الديستوبيّة المعقولةِ الممكنة…

يرفدُ أحياناً هذا اللونُ الجديد التخييلَ التقليديّ بأدواتٍ فنيّةٍ مدهشة، آتيةٍ من فنون التخييل العلمي الفانتازيّة، كـ “العوالم المتوازية”، ومن الروايات البوليسية أيضا. [أفضل مثال على ذلك: رواية “إنحراف” لأستاذ الرياضيات السابق: تييري لوتيليه، التي نالت جائزة غونكور 2020، وحقّقت نجاحا كاسحا وأرقاما قياسية في الانتشار والإعجاب العام.]

يلزم أن نضيف هنا: إذا كانت العلاقةُ حميميّةً جدّا، كما نعرف، بين أدب الخيال العلمي الفانتازيّ التقليديّ وصناعات التكنولوجيا الحديثة، فالعلاقةُ بين هذا اللون الجديد من التخييل العلميّ المندمج بصلب الواقع، وبين مستقبل البشرية عموما بما فيه التكنولوجيا الرقمية، حميمية جداً، بل مباشرةٌ عضويّة…

[أمثلة متنوّعة لِهذه العلاقات: 1) كلمة “روبوت” دخلت القاموس بمعنى “شغّال”، بفضل مسرحية “رُوسوم” التشكية؛ 2) تنبأ عمالقة الخيال العلمي بتقنيات “السيارة بدون سائق”، “العوالم الافتراضية” وغيرها، قبل دخولها سوق التكنولوجيا الحديثة، الذي يراقبُ كبارُ رؤوسهِ، كَـ إيلون موسك الأشهرِ من نارٍ على علَم، جديدَ هذا النوع الأدبي، ويخترعُون تقنياتهم أحيانا من وحْيه. دون الحديث عن قرار وزارة الجيش الفرنسية مؤخرا بتشكيل فريق Red Team، وضمّ عدد من روائيي التخييل العلمي إليه. هدفُه: تسهيل وتخييل تجديد الصناعات التكنولوجية العسكرية؛ 3) استوردَ أدباء الخيال العلمي مفهومَ “العوالم المتوازية” بطريقتهم الخاصّة من الميكانيكا الكونتية…]

عدا ذلك، يقذفُ بنا هذا اللون الأدبيّ في غدٍ قريب. يجعلنا نرتجفُ، نضحكُ ونفكِّر كثيرا… تتفجّرُ في أذهاننا عند قراءتهِ أسئلةٌ وفرضياتٌ حيويّة متداخلة. ويدعونا أيضا إلى عدم الانجراف مع المدّ الأعمى الذي تقودنا غالبا إليه انحرافاتُ إمبراطوريات أسواق المال والتكنولوجيا، وإلى مقاومة جيَشان الرداءة الذي يفرضهُ “المجتمع الاستعراضيّ” والمشتقّات السيّئة للتكنولوجيا المستقبلية، وعدم الوقوع في إغراءات الميثاق الفاوْستي (نسبةً لشخصيّة فاوْستْ في الفلكلور الألماني، كما مسرَحَها غوته): البهجة في استهلاكاتِ المجتمع الاستعراضيّ، مقابل بيع الروح لشياطين الدوائر المالية التكنولوجية.

نكتشفُ مع هذا اللون ذواتَنا أيضا، بأعين من سيعيشون معنا ذات يوم، ومن سيكونون أقرب لنا من حبل الوريد: الروبوتات المؤنسنة الذكيّة المستقلّة.

إذا كانت لي ملاحظةٌ ما أقولها عن مواضيع الروايات الأخيرة الثلاث التي قدّمتُها هنا، فلعلّها ستنطلق من رغبتي في رؤيةِ الصورةِ الكليّة للمستقبل، بمجمل تداخلاتها وتعقيداتها معاً، وفي الوقت نفسه:

فلا يمكن لِمسرحِ سيناريوهات الروايات الثلاث السابقة، في الواقع، إلا أن يكون عالَماً تسكنُهُ أزماتٌ إضافية وتراجيدياتٌ هائلة (غائبةٌ كليّا عن هذه الروايات): الخلل البيئي، الروبوتات الذكيّة القاتلة، أزمات اللجوء والنزوح والهجرة الكثيفة، الجوائح الصحيّة المتواترة…

لعلّ السيناريو الذي حاولتْ رسمَهُ روايتي المقبلة “جزيرة المطفِّفين” (قيد الإصدار، “منشورات المتوسط”)، يحاول أن يُلبِّي هذا النزوع الشخصيّ لرؤيةِ صورةٍ شاملةٍ كليّةٍ ما، لخارطةِ “الما بعدِ” القريب…

يحاول أيضا أن يُلبّي حاجتَنا العربية لتقديم رؤياتٍ سرديّةً ديستوبيةً تنبيهيةً، من وحي واقعنا المعاصر.

كم نحتاج ذلك كثيرا نحن العرب الذين نعيش الديستوبيا اليوم، في قلب الواقع!…

*حبيب سروري روائي وبروفيسور في علوم الكمبيوتر، يمني مُقيم في فرنسا

Read Previous

إدارة بايدن تطمح الى”صدقيّة جديدة” – راغدة درغام

Read Next

أمسية بغدادية تحتفي بالموسيقار فاروق هلال بعد غياب 18 عاماً

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *