الليالي العصيبة لتدارك الصّدام الشّيعي – الشّيعي في العراق

كتب: حسين جرادي

في الساعة الأولى بعد منتصف ليل الثلاثاء – الأربعاء بتوقيت بغداد، كانت الفوضى حلّت تماماً في كل ما له علاقة بنتائج الانتخابات النيابية العراقية المبكرة التي أجريت قبل ذلك بيومين، الأحد 10 تشرين الأول (أكتوبر) 2021، وأُعلنت نتائجها الأولية يوم الاثنين. المفوضية العليا المستقلة للانتخابات كانت تحت ضغوط شديدة.

في منتصف الليلة السابقة، كانت القوى الشيعية الأقرب إلى إيران رسمت تصوّرها للردّ على الضربة الانتخابية الكبرى التي لحقت بالقوى ذات الأذرع المسلّحة فيها، ممثلة أساساً بتحالف “الفتح”. لم تكن النتائج الأولية المعلنة تمنحه أكثر من 14 مقعداً.

على وقع عصف الرقم الهزيل بأركان التحالف، لم يكن أمامهم سوى الاتكاء على بصيص الأمل الوحيد من داخل بيتهم الشيعي. قبل ساعتين من بدء وصول وفود القادة إلى مقرّ إقامته في المنطقة الخضراء، كان نوري المالكي يمسك بين يديه 37 مقعداً نيابياً ويقلّب في ذهنه أوراقاً قديمة، يعود بعضها إلى عام 2006، قبيل تأليفه حكومته الأولى، وبعضها الآخر إلى 2010، قبيل تأليفه حكومته الثانية، من دون أن ينسى مَن حال دونه والولاية الثالثة في 2014.

زعيم ”الفتح“ هادي العامري كان أول الواصلين قبيل التاسعة والنصف مساء الاثنين. كان مدفوعاً بغضب شديد حين اتصل بالمالكي طالباً لقاء عاجلاً لـ“الإطار التنسيقي“ الذي يجمع القوى الشيعية، وقد انسحب منه، عملياً، ”التيار الصدري“. حين وطأت قدما زعيم منظمة ”بدر“ صالون الاجتماعات في منزل المالكي، كان الغضب ممزوجاً بالاستياء البالغ ممّا كان سمعه للتوّ من الغريم الشيعي الظافر بـ 75 مقعداً، مقتدى الصدر. الضيوف الآخرون الذين توافدوا تباعاً، قيس الخزعلي وحيدر العبادي وهمام حمّودي وآخرون، يشاطرون العامري الاستياء ذاته. كان عمّار الحكيم يعتزم الحضور، قبل أن يغيب عن السمع.

من يدّعون المقاومة

قبل ثلث ساعة من التئام الاجتماع في دارة المالكي، تحديداً في التاسعة وسبع دقائق، كانت كلمات الصدر تنزل كالسهام على مسامع من سيجتمعون بعد قليل: ”كل السفارات مرحّب بها ما لم تتدخل في الشأن العراقي وتشكيل الحكومة، وأيّ تدخل فسيكون لنا ردّ دبلوماسي، أو شعبي، حسب الجرم“. يواصل الصدر، في كلمته المتلفزة: ”فالعراق للعراقيين فقط، ولن نسمح بالتدخل على الإطلاق. من الآن فصاعداً، يجب حصر السلاح بيد الدولة. ويُمنع استعمال السلاح خارج هذا النطاق“، ثم العبارة التي قد تؤخر تشكيل الحكومة شهوراً: ”وإن كان ممّن يدّعون المقاومة، أو ما شاكل ذلك“.

دعا الصدر أنصاره للاحتفال بلا مظاهر مسلحة. وحين كانت الجماهير الصدرية تجوب الشوارع ابتهاجاً، كان المجتمعون في المنطقة الخضراء يتداولون سبل الردّ على النتائج المعلنة باعتبارها ”مزوّرة“. العبارات التي استخدمها الصدر في كلمته جعلت بعضهم يتّهمه بالتآمر. كانت سبقت الاجتماع تصريحات عنيفة للعامري تحذّر المفوضية المستقلة للانتخابات، وبيان لـ“الهيئة التنسيقية للمقاومة العراقية“ يعدّ النتائج المعلنة باطلة وجزءاً من ”مشاريع خبيثة (…) لخدمة المحتل الأميركي“.

كان العامري والعبادي أوّل المغادرين. وحتى ذلك الحين، لم تكن مسألة رئاسة الوزراء مهيمنة على الاجتماع بمقدار ما كان السعي إلى تأكيد ”عدم صحة“ النتائج المعلنة والطعن السياسي والإعلامي، تمهيداً للقانوني، في شرعيتها.

لم يغادر الخزعلي وآخرون قبل منتصف الليل. لا تؤكد المصادر ولا تنفي أن يكون المالكي حصل على تفويض من المجتمعين بالتفاوض مع القوى السياسية على منصب رئاسة الوزراء لشخصه، لكنّ موالين لأطراف ولائية كانوا يجسّون النبض في الليلة التالية، الثلثاء – الأربعاء، باستطلاع أوساطهم حيال ما اعتبروه أمراً محسوماً للرد على كلمة الصدر: المالكي لرئاسة الوزراء. يقول أحد هؤلاء إن معلوماته تفيد باشتراط المالكي على القادة الضيوف ”ألا يتركوه في منتصف الطريق“. لم يؤكد كذلك أي من أطراف القوى الولائية زيارة زعيم ”فيلق القدس“ في ”الحرس الثوري“ اسماعيل قاني لبغداد في تلك الساعات، بل إن بعضها نفى بشدة. الحكومة العراقية نفت أي زيارة ”رسمية“ لأي مسؤول أجنبي.

الاحتقان بين الصدريين والولائيين

في تلك الليلة كان الاحتقان بين مناصري ”الحشد الشعبي“ ومناصري ”التيار الصدري“ قد وصل مدى بعيداً. ومع إشارات واضحة وأخرى مضمرة إلى أن طرفَي الخلاف على النتائج والمقاعد هذه المرة مسلّحان، بدأت شخصيات شيعية جهوداً حثيثة لتدارك الأسوأ، وحثّ المناصرين والأتباع على ضبط النفس.

في الساعة الأولى بعد منتصف ليل الثلثاء – الأربعاء كانت مفوضية الانتخابات تعقد مؤتمراً صحافياً لإعلان نتائج بعض دوائر العد والفرز اليدويين. قبلها بقليل كانت الأنباء عن أن المفوضية تحذف من موقعها الإلكتروني النتائج المعلنة سابقاً تغزو وسائل التواصل الاجتماعي، مقرونة بأنباء لم تتوقف بعد عن ”صفقة“ تقضي بمنح ”الفتح“ مقاعد إضافية تحفظ ماء الوجه، مهّد لها الصدر بتغريدة هادئة يقول فيها إن ”تراجع“ مقاعد ”الكتلة الأكبر“ لا يضرّها ”فهي لا تريد إلا نفع العراق وشعبه“.

كان الساعون إلى تهدئة مناصري القوى الولائية الغاضبين من خطاب الصدرعشية الاثنين يستشهدون بتغريدته الثلثاء. لكنّ الأصوات الغاضبة، على بعض تطبيقات مواقع التواصل، لم تكن تتحدث عن أقلّ من ”قطع اليد التي ستمتد إلى الحشد الشعبي أياً تكن“.

  قال ناشط ولائي إن ”الفتح“ سيحظى بـ 15 مقعداً إضافياً ”نتيجة الموقف القوي والحازم لقيادته“. بعض الولائيين نشروا صوراً للصدر يرتدي عمامة بألوان العلم الأميركي. وحين دخل النقاش موالون له لنفي الاتهامات بأنه يسعى لحلّ “الحشد“ و“التحريض على المقاومة والمرجعية“ احتدّ النقاش وغادروا. قال رجل دين شيعي عبر أحد التطبيقات إن ”الأجواء في الشارع محتقنة ومضطربة. علينا بث الطمأنينة ومنع الفتنة“.

مساء الأربعاء تصاعدت مجدداً الدعوات إلى ”الاستعداد والجهوزية“، أحدها من حسين مؤنس، رئيس حركة ”حقوق“ المحسوبة على ”كتائب حزب الله“. أما ”عصائب أهل الحق“ فقالت إنه ”ليس لدى المفوضية والحكومة خيار سوى تصحيح المسار، وإلا سيدخل البلد في نفق مظلم ومشاكل لا يحمد عقباها“.

لا يخفي مراقبون لتطورات الساحة الشيعية في العراق، أن هذه ربما إحدى أكثر الأزمات احتداماً وأكثرها خطورة داخلها، لكنّهم يرجّحون دوراً عاجلاً للمرجعية الشيعية في تجنّب الصدام المسلّح، مع رهان آخر على ”عدم مصلحة“ لإيران في انفلات الأمور الأمنية في العراق حالياً، لأنه قد يحول دون الانسحاب الأميركي المقرر في نهاية السنة الجارية.

واشنطن وأولوية الانسحاب الآمن

تزامناً مع الانقسام الحاد في الساحة الشيعية العراقية مساء الثلثاء، سئل المتحدث باسم البنتاغون جون كيربي عن بيان ”قوى المقاومة“ عن ”عدم التهاون مع المشاريع الخبيثة التي تسعى إلى دمج الحشد الشعبي أو إلغائه، والتي لا تصب إلا في خدمة الاحتلال الأميركي“. أجاب: ”لا نريد أن نرى مزيداً من الهجمات على قواتنا في العراق نتيجة للانتخابات“.

 وعلى الأرجح فإن انسحاب القوات القتالية الأميركية بعد شهرين ونصف من العراق، سيتمّ في ظلّ حكومة تصريف الأعمال الحالية برئاسة مصطفى الكاظمي، إن لم يطرأ ما يرجئه. إذ ليس من المرجّح أن تكون شُكّلت حكومة جديدة، ولا حتى أن يكون سُمّي اسم جديد لتأليفها. فالجميع ينتظرون حالياً النتائج النهائية التي ستعلنها المفوضية، وقد لا تصدر قبل أيام. بعدها ستدخل الكتل في دوّامة التحالفات والمساومات التي لن تنحصر في منصب رئيس الوزراء، بل تتعداه إلى رئاستي الجمهورية ومجلس النواب ومناصب وزارية.

المعطيات الحالية في شأن رئاسة الوزراء تفيد بالآتي: القوى الشيعية المناوئة للصدر ستحرص على ألا يحظى بأي صوت شيعي من خارج كتلته، وبالتالي تفقده ورقة ”التوافق الشيعي“ في مفاوضاته لتسمية رئيس للوزراء، على أن تلجأ هي إلى تسمية المالكي، رغم ما يثيره ذلك من رفض في المحيط العربي، ناهيك عن عدم التوافق الشيعي كذلك، في ظل علاقته المضطربة تاريخياً مع الصدر.

زعيم التيار كان أعلن بوضوح أنه يريد ”جعل رئيس الوزراء صدرياً“ والإسم الأبرز هو السفير في لندن محمد جعفر الصدر. ومن يقولون بأن الظروف لن تسمح برئيس وزراء صدري، يرجحون دعم الصدر ولاية ثانية للكاظمي بالتحالف مع زعيم ”الديموقراطي الكردستاني“ مسعود بارزاني وزعيم تحالف ”تقدّم“ محمد الحلبوسي اللذين حققا نتائج مهمة في الانتخابات، وإن لم تكن هذه الصيغة محسومة بعد بسبب ما قد تقتضيه ظروف إقليمية ودولية.

ويبقى ذلك كله رهناً بمدى انضباط الشارع الشيعي طوال الشهور التي ستتطلبها مفاوضات التوصل إلى حكومة جديدة.

Read Previous

لا ركوب مجانياً على (الظهر الأميركي).. حلف “الناتو” والموت الإكلينيكي

Read Next

إلى أي شيء تحتاج البلدان النامية للوصول إلى صافي الصفر؟ – في شانكار

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *