عباقرة وحمقى يا عبد الرزّاق – عقل العويط

“هناك أناسٌ يعرفون كلّ شيء، وعندهم رأيٌ في كلّ شيء، ولا يتردّدون في إبداء هذا الرأي. هم أناسٌ ممتلئون بالحصافة والغطرسة، ويستندون في حكمتهم هذه إلى الاعتقاد بأنّ جميع الآخرين حمقى”.

لو لم يكن الكاتب الزنجباريّ التنزانيّ الفائز بجائزة نوبل الآداب هذه السنة، عبد الرزّاق غورنة، هو القائل هذا القول في كتابه “قرب البحر”، لكان تفكيري ذهب توًّا إلى أحد كتّابنا المحلّيّين، هنا في هذه الجمهوريّة غير السعيدة، من شدّة ما ينطبق هذا الوصف علينا، نحن عموم اللبنانيّين (بدون تعميم طبعًا)؛ طبقةً سياسيّةً وحكّامًا ومسؤولين ومستأثرين وأهل صلف وغطرسة واستكبار وسلاح وإرهاب وصفقات وأثرياء حديثي نعمة وحزبيّين وطائفيّين ومذهبيّين و… ناسٍ عاديّين.

عبد الرزّاق غورنة، الكاتب الأفريقيّ الزنجباريّ المقيم في الظلّ الترويجيّ والإعلاميّ، والمجهول من كثيرين في عالم الأدب، والذي يدور جلّ أدبه على الّلجوء واللّاجئين، ووحشيّة الاستعمار والمستعمِرين، ومآسي الهجرات والاقتلاعات، وأشكال التفوّق والتمييز العنصريّة والعرقيّة؛ هذا الذي ترك بلاده قاصدًا بلاد الإنكليز، بحثًا عن سقفٍ وعن سماء، لا بدّ أنّه يصف ما قد تعرّض له هو شخصيًّا، و/أو شعبه، على يد مالك المعرفة والحقيقة والسلطة والقوّة والفهم والعقل.

يحلو لي أنْ أستدرج قوله أعلاه، لأفترض افتراضًا أنّه يصفنا، فأجده يقول على لسان كثيرين منّا، أو أحدنا (أيًّا يكن)، وقد يكون زعيمًا بلطجيًّا أزعر، أو مسلّحًا خطيرًا، أو مسؤولًا، أو أرشي ملياردير، أو سارقًا، أو رئيس عصابة، أو حاكمًا، أو مستوليًا على حزبٍ وتيّارٍ وطائفة ومذهب: نحن أصحاب قوّة، أو نحن أصحاب حقّ، ونريد استرداد الحقّ (لِم لا بالقوّة)، ونحن عباقرة، عارفون، مدركون، رؤيويّون، أذكياء، دهاة، بعيدو النظر، أمّا الآخرون (أنتم) فعاجزون، وتافهون، وجاهلون، وبلهاء، وحمير، وبهائم، وحمقى و(صرامي عتيقة).

أكرّر: لا يجوز التعميم قطعًا. لكنّ عبد الرزّاق واضحٌ في الوصف والتوصيف. خلاصة المعنى المقصود في الجملة أعلاه، أنّ هناك أناسًا يتشدّقون بالمعرفة، ويزعمون أنّ الله خلقهم وكسر القالب، وأنّهم حَمَلَة رسالة، ودعاة تغيير، وملّاك حقيقة (وحدهم يمتلكون الحقيقة). ويستولي عليهم هذا الهوَس الممتلئ بالذات العبقريّة، إلى حدّ شعورهم اليقينيّ بأنّهم أعظم عقلًا وحكمةً وحصافةً، وأرفع مقامًا من غيرهم، وهذا يخوّلهم إطلاق الأحكام على الآخرين، ولِمَ لا شنّ الحروب لإزاحة هؤلاء الآخرين، لإلغائهم، لقتلهم، بكلّ الوسائل الممكنة، ومنها استخدام التزوير والكذب والتشويه والطمس والبهورة والمرجلة و… القتل المادّيّ والمعنويّ، من أجل ضمان البقاء والفوز. هذا لا بدّ من أنْ يتلاقى مع قولة سارتر، “الآخرون هم الجحيم”.

يا عبد الرزّاق غورنة، يا حامل نوبل الآداب لهذه السنة، تعال إلى بلادنا، لتُمتِّع نفسكَ، وتُكحِّل عينيكَ، وعقلكَ، وأدبكَ، برؤية هؤلاء العباقرة. مَن يدري. فقد تفتح هذه الزيارة أمامكَ سبيلًا غير مسبوق لكتابة روايةٍ عن لبنان، وعنّا، نحن أهل لبنان.

وإذا كنتَ وضعتَ كتابًا عنوانه “وداعًا زنجبار”، فسأقترح عليك – مستلهمًا “العباقرة” الذي خرّبوا لبنان – العنوان الآتي: “وداعًا لبنان؟” (مع علامة استفهام طبعًا، رفضًا للأمر الواقع، ورفضًا لليأس).

هؤلاء ليسوا عباقرة قطعًا، بل شياطين ومجرمون وقتلة. لكنّنا، يا عبد الرزّاق، نحن الحمقى… قطعًا.

Read Previous

آباء في الصين يختطفون أبناءهم بهدف الحضانة

Read Next

عودة الهدوء الى بيروت بعد تصعيد مسلّح حصد 6 قتلى

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *