التضامن الفلسطيني ونضال السود بأميركا.. تاريخ طويل مشترك

في ستينيات القرن العشرين، تشكلت حركة “القوة السوداء” في الولايات المتحدة الأميركية، للدفاع عن الأميركيين السود ضد الاضطهاد العنصري الأبيض، وبناء مؤسسات اجتماعية واقتصادية وحتى مكتبات وتعاونيات ومزارع ووسائل إعلام مملوكة للسود.

 

ورغم أن الحركة -التي اعتبرت نقيضا للعنصرية البيضاء- تم انتقادها من داخل مجتمع السود ذاته ومن حركة الحقوق المدنية السائدة التي تعود جذورها إلى أواخر القرن 19، لميلها إلى العزلة والعنف وتبنيها مبدأ التفوق الأسود على الأعراق الأخرى، فإن الحركتين ظلتا متكاملتين نوعا ما.

 

وخلال القرن العشرين، أعرب العديد من النشطاء الأميركيين ذوي الأصل الأفريقي عن إعجابهم بتجربة الحركة الصهيونية، معتبرين أنها كفاح لأقلية مضطهدة أخرى في العالم الغربي. ولكن بعد حرب يونيو/حزيران 1967، عندما احتلت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة، استحوذ الصراع على انتباه النشطاء السود، في وقت كانت فيه حرب فيتنام تدفعهم بالفعل إلى إدانة ما اعتبروه إمبريالية أميركية في الخارج، بحسب تقرير لصحيفة بوليتيكو (Politico) الأميركية.

نضال مشترك ضد الإمبريالية

 

رأى الكثيرون في حركة الحرية السوداء أن غزو إسرائيل للأراضي الفلسطينية مثل حرب الولايات المتحدة في فيتنام، كلاهما مشروع إمبريالي موازٍ للعنف العنصري الذي عانى منه الأميركيون الأفارقة في الوطن. ونشرت لجنة التنسيق الطلابية اللاعنفية كتابًا تمهيديًا عما أسمته “مشكلة فلسطين”، واصفة الصهيونية بأنها مشروع إمبراطوري أيدته “الحكومات الاستعمارية الغربية البيضاء” للولايات المتحدة وأوروبا.

 

في غضون ذلك، أعرب حزب الفهود السود -وهو حركة حقوقية مسلحة لسود الولايات المتحدة، نشأت عام 1966 بعد مقتل مالكوم إكس- عن دعمه للمقاومة الفلسطينية التي ظهرت في أعقاب الحرب، واصفا حركة التحرير الفلسطينية (فتح) والفهود بأنهما منخرطان في “نضال مشترك” ضد “العنصرية والصهيونية والإمبريالية”.

 

بالنسبة لهذه الجماعات، كان الأميركيون ذوي الأصل الأفريقي شعبا “مستعمَرا داخليا”، وكان موقعهم في الولايات المتحدة مماثلاً لوضع شعوب “العالم الثالث” على مستوى العالم، بمن فيهم الفلسطينيون.

 

أثارت حرب 1967 أيضًا موجة من النشاط من جانب الأميركيين العرب، الذين بنوا جسورًا مع النشطاء والسياسيين السود طوال أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات. ودعت منظمة الطلاب العرب زعيم القوة السوداء ستوكلي كارمايكل للتحدث في مؤتمرهم الوطني عام 1968، حيث وجّه دعوة نارية لدعم السود للثورة الفلسطينية، وأعلن أن “الفلسطينيين لهم حق في فلسطين”.

 

وفي الحركة العمالية، شكل العرب الأميركيون في مصانع السيارات في ميشيغان تجمعًا للعمال العرب عام 1973، وصاغوه بشكل واضح على غرار مجموعة من التجمعات السوداء التي تشكلت لتحدي الممارسات العنصرية في شركات السيارات، ومع دعم الحركات السوداء نجح تجمع العمال العرب في الضغط على نقابتهم المحلية لسحب الاستثمارات من سندات الدولة الإسرائيلية.

 

بلغت هذه الموجة من النشاط الأسود والأميركي العربي ذروتها، جنبًا إلى جنب مع الاحتجاجات الجماهيرية المناهضة لحرب فيتنام والانتفاضات السوداء في المدن في جميع أنحاء البلاد، مما وضع القضية الفلسطينية على أجندة الحركات الاجتماعية لليسار الأميركي، ولكن ذلك الزخم تراجع كثيرا مطلع الثمانينيات مع انحسار حركات إنهاء الاستعمار، وكذلك نتيجة صراعات القيادة والانقسامات الأيديولوجية والقمع الحكومي.

تقاطعات السود والفلسطينيين

 

وفي المقال الذي نشره موقع “ميدل إيست آي” (Middle east eye) البريطاني، تقول الكاتبة سلام عواد إن حركة التضامن بين السود والفلسطينيين مثلت رافدا أساسيا لحركة “حياة السود مهمة” (Black Lives Matter) التي ظهرت في 2014، إلا أن التقاطعات بين نشاط السود والفلسطينيين ليست ظاهرة جديدة، بل هي إعادة لتاريخ التحالف المتجذر في الصراع العالمي ضد العنصرية والإمبريالية؛ إذ وجدت جماعات السود القومية والنشطاء الفلسطينيون قضية مشتركة منذ حقبة الستينيات.

كتاب “جغرافيات التحرير: صنع مخيال سياسي أفرو عربي” صدر عام 2013كتاب “جغرافيات التحرير.. صنع مخيال سياسي أفروعربي” صدر عام 2013 (مواقع إلكترونية)

 

وفي غلاف الكتاب أعلاه، يظهر مالكوم إكس مع قادة منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، ويبحث الكتاب الذي أصدره ألكس لوبين بعنوان “جغرافيات التحرير.. صنع مخيال سياسي أفروعربي” (Geographies of Liberation)، عن التقاطعات بين نضال السود والفلسطينيين، ويعتبر الكاتب أن العلاقة بين هذه النضالات لا تقتصر فقط على الهويات القومية والعرقية.

مالكولم إكس (يسار) أثناء لقائه مع الأمير فيصل آل سعود (الملك لاحقا) في أبريل/نيسان 1964 (غيتي)

 

وكان مالكوم اكس واحدا من أهم الأصوات في نضال السود بالولايات المتحدة، وأصبح أحد أهم أيقوناتهم الثورية. وقد تم توثيق رحلته لأداء شعائر الحج في المملكة العربية السعودية، إلا أنه في الواقع إلى جانب زيارة مكة سافر إلى فلسطين في عدة مناسبات.

 

وفي رحلته الأخيرة إلى فلسطين عام 1964، زار قطاع غزة واستقبله الشاعر الفلسطيني هارون هاشم رشيد. وخلال زيارته للمنطقة، جال مالكوم إكس بين مخيمات اللاجئين والمستشفيات، وكان شاهدا على محنة الفلسطينيين الذين هجَّرتهم إسرائيل.

 

هذه المناسبة دفعته إلى كتابة رسالة إلى صحيفة الإجيبشيان غازيت المصرية بعنوان “المنطق الصهيوني”، يعلن فيها دعمه الكامل للنضال الفلسطيني، ويساوي فيها الصهيونية بالاستعمار، داعيا القادة الأفارقة لدعم المساعي الفلسطينية للتحرر.

 

ربط مالكوم إكس بين فكرة الأممية السوداء والقضية الفلسطينية، وهذا بدوره ترك موروثا من التضامن أثر على الثوريين من السود والفلسطينيين بعد ذلك.

 

في 1967، أصدرت لجنة التنسيق الطلابية اللاعنفية في الولايات المتحدة، نشرة بعنوان “لمّ الشمل في العالم الثالث.. المشكل الفلسطيني: اختبر معارفك”، عرضت فيها 32 ادعاء واقعيا حول تاريخ الاستعمار في فلسطين، وتأثير الاعتداء الإسرائيلي على الفلسطينيين أثناء الحرب العربية الإسرائيلية في 1967.

 

وفي 1969 احتضنت الجزائر أول مهرجان ثقافي للقارة الأفريقية. هذه الدولة التي كانت قد استقلت للتو، أصبحت منارة للحرية بالنسبة للمناضلين الثوريين، وتمت تسميتها عاصمة العالم الثالث.

)

 

وقد حضر في المهرجان الثقافي الأفريقي المئات من الوفود من 31 بلدا أفريقيا مستقلا، إلى جانب ممثلين عن مختلف حركات التحرر الأفريقية. وكان من بينهم فلسطينيون تمت دعوتهم للحضور باسم التضامن ضد الإمبريالية. وقد لعب هذا المهرجان دورا أساسيا في “توحيد النضالات الأفريقية والفلسطينية ضد الإمبريالية العالمية”، بحسب الكاتبة.

 

وفي 1969، نشرت صحيفة الفهود السود خطابا قدّمه وفد منظمة التحرير الفلسطينية أثناء المهرجان الثقافي الأفريقي، جاء فيه أن أفريقيا ليست مجرد قارة بل هي قضية، مؤكدا بكل حماس على أن أفريقيا هي مركز كل قوى العالم التي وقفت ضد الاستعمار والعنصرية والإمبريالية.

 

وفي حديثهم أمام الحشود، قال ممثلو منظمة التحرير الفلسطينية إنهم رغم كونهم فلسطينيين وليسوا أفارقة، فإن نضالاتهم ومساعيهم للتحرر تجعلهم ينتمون للقضية الأفريقية.

خطاب منظمة التحرير الفلسطينية منشور في صحيفة الفهود السود في أكتوبر/تشرين الأول 1969 (ميدل إيست آي)خطاب منظمة التحرير الفلسطينية منشور في صحيفة الفهود السود في أكتوبر/تشرين الأول 1969 (ميدل إيست آي)

 

وكانت نشرة الفهد الأسود الإخبارية تنشر تقارير مفصلة حول الأوضاع في فلسطين. وفي العدد المنشور في 1977، تم تسليط الضوء على قمع الوجوه الفلسطينية في الضفة الغربية، وسلطت التقارير الضوء على محنة الفلسطينيين، وربطت بين نضالهم ونضالات السود للتحرر في أميركا.

 

تواصل الثوريون الفلسطينيون والأفارقة عبر عدة قنوات بداية من الستينيات، ويمكن أن نلاحظ في الأدب والشعر الذي تم إنتاجه في تلك الفترة، مشاعر التضامن القوية بينهما.

 

ومن الشخصيات المهمة في هذا السياق، الشاعر الثوري الفلسطيني المعروف سميح القاسم، وقد قاده نضاله إلى السجن في إسرائيل في عدة مناسبات، وكتب العديد من أعماله داخل الزنزانة. وقصائده تحفل بالنغمات القومية والرسائل المعادية للإمبريالية، كما أنها تركز على مسألة التضامن مع باقي الشعوب المناضلة ضد الإمبريالية.

 

وفي قصيدته المعنونة باتريس لومومبا، يتحدث القاسم عن مأساة القائد الكونغولي، الذي تم اغتياله بمساعدة وكالة الاستخبارات الأميركية، ويقول:

 

يا هتافا، لوقعه زُلزِلَ الكونغو الحزين المعذبُ المستعبَد

 

أغفلته عصابةٌ ساقت الشعب عبيدا.. لأجنبيّ مسوّد

 

نسرَ إفريقيا العظيمَ.. نداءُ الشمسِ دوّى على الوجود وأرعد

 

فاستجبتَ النداءَ.. لبيكِ أمي.. غدا في أفق البطولات موعد

 

ومد الملاكم وبطل نضال السود محمد علي يده هو أيضا تضامنا مع الفلسطينيين، وصرّح أثناء زيارته لمخيم لاجئين فلسطينيين في جنوب لبنان بموقفه الناقد القوي للإمبريالية الأميركية، وعبّر عن تضامن كبير مع الشعب الفلسطيني، وسعيه للحرية.

الملاكم العالمي الراحل محمد علي في بيروت عام 1985 (غيتي)

 

وفي 2016، قدمت مدينة جوهانسبورغ الجنوب أفريقية لمدينة رام الله الفلسطينية المحتلة هدية، تتمثل في تمثال لنيلسون مانديلا بارتفاع 20 قدما.

الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات يلتقي بنيلسون مانديلا الزعيم السابق لجنوب أفريقيا في مدينة غزة 2014 (غيتي)

 

ومانديلا -الذي يمثل أول رئيس لجنوب أفريقيا بعد سقوط نظام الفصل العنصري- كان واحدا من أكبر المدافعين عن تحرر الفلسطينيين في المحافل السياسية الدولية.

Read Previous

حمدوك يوجه رسالة الى السودانيين من مكان اقامته الجبرية

Read Next

“ملكات عربيات قبل الإسلام” لتيسير خلف

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *