الاستشراق لإدْوَرد سعيد.. الكتاب الذي خذلته الترجمة والتلقي! – محمد شاهين

منذ ظهور الاستشراق عام 1978، وهو يشكل مصدر جذب يغلب فيه المدّ على الجزر. وهو إلى يومنا هذا يحظى باهتمام الباحثين في شتى أنحاء المعمورة؛ إذ إنه يخاطب مختلف الثقافات والأعراق ويجمع شتى أنواع المعرفة التي تتداخل وتتقاطع لتؤول بنا إلى خطاب كونيّ حطَّ على خارطة العالم يحمل بوصلة تهدي سواء السبيل.

أول تواصل لي مع الاستشراق كان صيف 1983، عندما حظيت بلقاء إدوَرْد. كانت الثانية عشرة ظهراً حسب الموعد عندما دلفت إلى مكتبه. كان من الطبيعي أن ينتابني شعور بالرهبة وقد وجدت نفسي وجهاً لوجه مع رجل كانت شهرته تملأ الآفاق بعد خمس سنوات من ظهور الاستشراق. بعد التحية، بادرت بقول ما استذكرته من ريموند وليمز، صديق إدوَرْد الحميم وأستاذي بالجامعة، وكان قد طلب مني في آخر لقاء معه أن أبلغ إدوَرْد السلام. على الفور تناول إدوَرْد نسخة من كتاب ريموند وليمز: الثقافة والمجتمع، طبعة جديدة كانت قد صدرت للتو من دار النشر بجامعة كولومبيا (ولا بدّ أن إدوَرْد كان قد سعى لإصدارها). وقد عثرت لاحقاً على رسالة في طيّات الكتاب من مدير النشر تطلب من إدوَرْد ولو سطراً واحداً يتضمن مراجعة للكتاب. تناول كتاباً آخر لأستاذ عزيز عليه وهو بلاكمير وقدمه إليّ. آخر الهبات نسخة من الاستشراق. سألني بداية عمّا إذا كنت أقتني الكتاب، أجبته بأنني أرحب بنسخة موقعة. وشّحها بالعبارة الآتية: كتاب مثير للمشاكل (a trouble-making book).

توجهنا بعد استراحة قصيرة في مكتبه إلى مطعم يوناني في حدود الحرم الجامعي. تصدرت ترجمة الاستشراق حديثنا حول مواضيع كثيرة تبادلناها في تلك الجلسة. ذكر إدوَرْد أن الاستشراق ترجم إلى ثلاث عشرة لغة وأن الترجمة العربية أسوأ تلك الترجمات. كما أنني أتحفظ على إعادة اللغة القاسية التي نعت بها الترجمة. ظل هذا التقييم لترجمة الاستشراق من صاحب الاستشراق يؤرقني ردحاً من الزمن إلى أن التقيت بإحسان عباس بعد عقد ونيف من الزمن لأعلم منه شيئاً عن سيرة ومسيرة ترجمة الاستشراق لأعلم منه عن جانب آخر من القصة، التي سأرويها في مناسبة لاحقة.

ظهرت ترجمة كمال أبو ديب واستقبلت بانتقادات لاذعة؛ إذ إنها بشكل عام تفتقد الحد الأدنى من السلاسة التي تجعلها مفهومة عند القارئ العادي، بل وغير العادي، وذلك بسبب النقص اللغوي والحذلقة الأسلوبية التي سيطرت على النص العربي. وكم من قارئ سمعته يقول إن ضعفه في اللغة الإنجليزية يؤهله لقراءة أفضل للنص الإنجليزي بدلاً عن النص المترجم إلى العربية.

ليس في نيّتي أن أخوض في تفاصيل الترجمة كي لا يبدو الأمر تجريحاً أكثر منه نقداً. ولكن يمكن القول إن الانطباع العام الذي يخرج منه القارئ عند قراءة ترجمة كمال أبو ديب هو أن المترجم كان يستعرض أسلوبه الخاص به في الكتابة عن البنيوية التي كان مهتمًّا بها في سبعينيات القرن الماضي، ومفاده تقديم كليشيهات لغوية جهد في نحتها لتثبت وجودها كلغة جديدة تخرج عن اللغة المألوفة، والنتيجة أنها مفرغة من المعنى الذي تفرضه عادة التقاليد اللغوية كعقد اجتماعي. ولمزيد من الإيضاح، يمكننا مقارنة الأسلوب الذي اتبعه كمال أبو ديب في المساهمات التي نشرتها مجلة مواقف بأسلوبه في الاستشراق لتبين كيف أن كمال أبو ديب اتخذ من الاستشراق تجربة ميدانية في البنيوية التي نصّب نفسه مبشراً لها في العالم العربي!

ظلّت ترجمة كمال أبو ديب سيدة الموقف على مدى عقدين؛ إذ إن انتشارها ازداد بازدياد شهرة الكتاب وصاحبه في شتى أنحاء المعمورة، مما شجع بعض المحترفين في الكسب المادي على السطو على ترجمته من خلال الإقبال عليه كسلعة تجارية، بكل أسف.

هنالك ناشر متواضع على سبيل المثال دفع بالكتاب إلى مترجم شغل منصب أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة. التقيت بالناشر بعد أن قدم لي نسخة من الترجمة، وعتبت عليه أولاً في القيام بالمشروع دون الوصول إلى حقوق الملكية، لا من ورثة إدوَرْد سعيد ولا من ناشر ترجمة كمال أبو ديب. وأكثر من ذلك أنني أخبرته أن الترجمة، رغم أنها تتفوق على ترجمة كمال أبو ديب في مجملها، لا تخلو من أخطاء جسيمة، خصوصاً ما جاء في تقديم المترجم الذي اشتقه من تقديم النسخة الإنجليزية (سآتي بالتفصيل على ذلك لاحقاً).

أجابني الناشر بكل بساطة أن تسويق الكتاب لا يعتمد على مثل قراءاتي للترجمة. ورغم كل ما في هذه الإجابة من سذاجة، فإنها، بكل أسف، تنطق بلسان الواقع، وكأن الاستشراق المترجم إلى العربيّة أضحى ديكوراً يدخل بيت من يقتنيه من خلال الشهرة التي يتمتع بها الكتاب أصلاً.

وقبل بضع سنوات، ظهرت ترجمة لكتاب الاستشراق عن دار المدى بدمشق تكاد تكون أسوأ الترجمات، ليس فقط لأنها لم تحصل على حقوق الملكية التي تخص نشر الكتاب، بل أيضاً لأن المترجم نذير جزماتي ينقل حرفياً ما لا يقل عن 90% من ترجمة كمال أبو ديب.

***

ظلت قضية الترجمة تشكّل عبئاً على مريم سعيد بعد رحيل زوجها، ليس فقط بسبب الترجمات المسيئة التي ظهرت في القاهرة ودمشق؛ بل أيضاً لأنّ حقوق إعادة نشر ترجمة جديدة بقيت منوطة بدار النشر التي نشرت ترجمة كمال أبو ديب. استمرت مريم سعيد عبر السنوات الماضية تفاوض دار النشر المذكورة إلى أن حصلت على حقوق نشر ترجمة جديدة لـ الاستشراق من تلك الدار، وبذلك أصبحت حقوق النشر كاملة بيد الورثة ممثَّلين في مريم سعيد. وقد تشرفْتُ بتكليفي بمتابعة المشروع. وكانت سعادتي غامرة عندما وافق محمد عصفور، بالقيام بمهمة الترجمة؛ إذ أُعطيت القوس لباريها كما يقال. ويعلم الله المعاناة التي مرّ بها الصديق في العامين المنصرمين ليخرج علينا بترجمة تستحقّ الثناء لأسباب عدة، أولها أنّها تصحّح المسار الذي مرت به ترجمة السلف؛ إذ إنها تقدم لنا الاستشراق في أبهى حلله. وثانيها أن ترجمة محمد عصفور تشكل مرجعاً مهمًّا للباحثين، ليس فقط في قضايا الترجمة (أقصد هنا مقاربات الترجمات المختلفة)، بل إنها أيضاً تثري المكتبة العربية بترجمة تُعين الباحثين في شؤون الاستشراق، خصوصاً ممن لا يتيّسر لديهم الإلمام باللغة الإنكليزية.

وإنه لمن قبيل الإنصاف ألا نضع اللوم جله على المترجم حتى لو جاءت الترجمة معطوبة بشكل أو بآخر (يضاف إلى ذلك التزوير، طبعاً)؛ بمعنى أن النص المعقد والبنية اللغوية المحكمة التي كتب بها الاستشراق تشكل عائقاً أساسياً في عملية الترجمة لا يستطيع المترجم، أي مترجم، الفرار منه.

أقبل إدوَرْد سعيد على كتابة الاستشراق كما هو معروف بعد أن تسلح بشتى أنواع المعرفة المتمثلة في أساطين الخطاب المعرفي من فوكو إلى دريدا مروراً بنيتشه وهيجل، وبعد أن أعد نفسه في منظومتي النقد والنظرية الحديثة، وبعد أن أنجز عملاً ثقافياً ضخماً هو بدايات الذي أثرى الاستشراق لاحقاً بأسلوبه ومقاصده، وبعد سيطرة سابقة على عملية الكتابة، ومن ثم القراءة التي يشير إليها إدوَرْد سعيد بنفسه بعبارة “الاستيعاب وإعادة الاستيعاب”.

يقول إدوَرْد سعيد إن اللغة تفرض نفسها علينا. بالمثل يمكن القول إن الرد على استشراق المستشرقين فرض نفسه على إدوَرْد سعيد. وبعبارة إدوَرْد سعيد التي شاعت بين أصدقائه المناصرين واتخذوها عنواناً لكتاباتهم: اكتب ردك على ما كتبوا عنك (write back). فإذا كان الاستعمار حسب مقولة كبلنغ وأمثاله عبئاً فرضه الله على الرجل الأبيض في تعامله مع الآخر، فالردّ يصبح عبء الآخر بديلاً للصمت وقبول الأمر الواقع الذي يقرّره الرجل الأبيض ضمن اعتقاده وأطروحته. ويمكننا القول دون إحراج إن الاستشراق قد تم ضمن توجه النظريّات الحديثة في الكتابة ومفاده أن الخلف يعيد كتابة السلف (بعيداً عن المحاكاة المباشرة)؛ بمعنى أن الخلف يسعى إلى البحث عن أشكال وأساليب (models & styles) جديدة ومتباينة ومتكافئة من خلال فعلٍ يردّ به الخلفُ على ما كتبه السّلف. وهذا يعني أن عملية الردّ لا تنطلق من فراغ. ومهما يكن الأمر، فكتابة الخلف لكتابة السلف تواجه مشاكل جمّة، أبرزها الأخذ في الاعتبار السياق الذي تمت فيه كتابة السلف، والسياق الذي تتم فيه كتابة الخلف، والتقاطع بينهما للتعرف على الموقع الجديد لنوع الكتابة المركبة الذي ينتج عن هذا التقاطع.

تتطلب أي قراءة منصفة للاستشراق استيعاب السياق التي تمت فيه الدراسات الشرقية وإعادة استيعابه فعلاً كتابياً لما يحتاجه الرد للتعبير عن أطروحة مناهضة لأطروحة الرجل الأبيض المذكورة لتكون في النهاية رداً على خطاب الاستشراق الأحاديّ الجانب.

ينسحب هذا بالطبع على الترجمة المنصفة التي هي في واقع الأمر فعلٌ كتابيٌّ؛ بمعنى أن المترجم الكفء الخلف يكتب إلى حدٍّ قريب كتابة الكفء السلف. ومن يقرأ ترجمة الاستشراق، يدرك أن محمد عصفور التقط بحساسيته الشعرية (فهو شاعر قبل أن يكون أكاديمياً) روح السياق ونصه وأفلح في كتابتها ترجمة مثل ما استشعر هموم الاستشراق التي حملها صاحب الاستشراق في حياته ومماته. بهذا أصبح محمد عصفور معيناً أميناً في استكمال عملية الرد المذكورة.

Read Previous

موظّفات يرفعنَ دعوى قضائية على “تسلا” بسبب تعرضهنّ للتحرّش

Read Next

الدبيبة يتقدم بأوراق ترشحه لرئاسة ليبيا

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *