تواصل إنساني مأزوم في عصر ثورة الاتصالات – كرم الحلو

إذا شئنا أن نحدّد الطابع المميز لهذه المرحلة من تطور الإنسانية، لرأينا أنّ القفزات التي أنجزتها تكنولوجيا الاتصال في العالم كله، وبخاصة في الغرب الرأسمالي، هي أهم ما يتصف به عالمنا الراهن. لقد أشارت التقارير والإحصاءات الدولية إلى الانتشار الواسع والسريع لأجهزة التلفزيون والهاتف والفيديو والراديو والإنترنت التي باتت تغطي العالم المتمدن بكامله.

ولكن رغم كل هذه الثورة التي حققتها تكنولوجيا الاتصال، نجد أن الإنسان المعاصر ينكفئ تدريجاً إلى ذاته، وأن الحوار الإنساني ينقطع أو يكاد. فالعلاقات الحميمة بين البشر تتراجع، وعزلة الإنسان المعاصر تتعمّق، غربته تشتد، وسط عالم يهدده بالنفي الدائم، عالم يصارع كي لا ينسحق في مواجهة تحدياته المتزايدة.

أجل، إن عالمنا، رغم كل التقدم في العلم والإنتاج وتقنيات التواصل، يبدو الآن أكثر وحشة من أي وقت مضى. إنه عالم يخلو من الودّ ليغرق في “علاقات السوق”، عالم يفرغ من الصداقة التي تنسحب الى الماضي وكأنها من القيم البائدة التي تنتمي الى التاريخ لا الى العصر. أليس هذا ما يمكن استنتاجه من إقبال الغرب بالذات، حيث الثورة الاتصالية حققت أكبر إنجازاتها، على اقتناء الحيوانات الأليفة لتعويض التراجع في العلاقات الإنسانية؟ أليس هذا أيضاً ما يدل اليه ارتفاع وتزايد معدلات الانتحار والطلاق والاستهلاك المسعور لأدوية الأمراض العقلية ومضادات الانهيار العصبي في العالم المتقدم، رغم كل المظاهر الباهرة للثراء والرفاهية؟

فشل تكنولوجيا الاتّصال

إن الحقيقة التي تؤكدها هذه الوقائع ما هي في نظرنا إلا النتيجة المأسوية لتدهور العلاقات الإنسانية وانتكاسها، وفشل تكنولوجيا الاتصال في تحقيق تواصل حقيقي بين الناس. ولعلّ من الأمثلة الصارخة على هذا الفشل ما لحظه عالم الاجتماع العربي حليم بركات، لدى زيارته للولايات المتحدة، من وحدة الإنسان الغربي ووحشته، حيث الناس يسيرون في الشوارع على الأغلب كل وحده تماماً، حتى في نيويورك ذات الازدحام الهائل لا يتحدث الناس مع بعضهم البعض كثيراً، بينما عدد غير قليل من الأفراد يتحدثون مع أنفسهم بصوت مسموع. ولنا في ما أورده الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر مثل واقعي معبّر عن عزلة الإنسان الغربي وفشل التواصل الإنساني في الغرب، رغم كثافة الاختلاط الظاهرية. ففي كتابه “الغثيان”، يعبّر الفيلسوف عن شعوره وسط حشد هائل من الناس بالقول: “إنها لصحراء شاسعة من البشر”، وما ذلك إلا لإحساسه بانهيار الروابط الحميمة بين البشر، وغياب التفاعل الروحي في ما بينهم، حتى لكأنهم أشبه بحبّات رمال لا يجمعها سوى الوجود المكاني”.

وليس أدلّ على فشل تكنولوجيا الاتصال في تحقيق تواصل إنساني حقيقي بين البشر، ما نلاحظه من تعاون وود وألفة في المجتمعات العربية، رغم الفارق الكبير بينها وبين الغرب على مستوى الاتصالات وامتلاك وسائل التواصل، حيث لا تتجاوز أجهزة الراديو والتلفزيون والهاتف والإنترنت في العالم العربي العشرين في المئة بالنسبة إلى الغرب.

تعميق العزلة

مع هذا يمكن اعتبار الإنسان العربي أكثر سعادة من الإنسان الغربي، رغم شظف العيش الذي يعانيه عموماً، ورغم تدني دخله القومي نسبة الى الغرب، فالقيم الجماعية العربية تؤمن للإنسان العربي إحساساً أصيلاً بالانتماء وتمده بقوة وصلابة وفرح في مواجهة مصاعب الحياة ومشاقّه. وكثيراً ما نرى الفقراء العرب في أحزمة الفقر المحيطة بالمدن وفي الأرياف الفقيرة يرفلون بسعادة يؤمّنها لهم تعاونهم وتآلفهم وعلاقاتهم الحميمة، رغم الضائقة الاقتصادية التي تضغط عليهم، فيما لم تتمكن ثورة الاتصال من تحقيق تواصل إنساني بين الناس، فأسهمت في تعميق عزلة الإنسان المعاصر وغربته بدل أن تزيده انتماءً والتصاقاً بالمجتمع وبغيره من أنداده من البشر.

فلماذا أبعدت هذه الثورة الإنسان المعاصر عن العالم والمجتمع والناس بقدر ما قرّبته إليهم أو أكثر؟ ولماذا تبدو تكنولوجيا الاتصال المتفوقة وكأنها البديل الجاف والبارد لحرارة العلاقات الإنسانية، أو كأنها نفي مستمرّ لهذه العلاقات، يتخفى وراء مظاهر خادعة لوسائل اتصال لا تصل الإنسان المعاصر بالعالم إلا لكي تفصله عنه وتبعده عن التواصل معه؟

تساؤلات لا جواب لها في نظرنا إلا في ما آل إليه الواقع الإنساني على يد المذاهب والأيديولوجيات والفلسفات السياسية والاقتصادية التي هيمنت على هذا العصر وقزّمت أبعاده الروحية والإنسانية. فالرأسمالية حوّلت بفظاعتها وتوحّشها إنسان العصر الى رقم تافه في معادلاتها الاقتصادية، رقم قابل للتداول والنفي والإلغاء حسب مقتضيات سوقها المادية البحتة، فغذّت بذلك العلاقات الصراعية التزاحمية، الإقصائية والإلغائية، مسقطة العلاقات الحميمة الودّية بين الناس.

ولم تكن الاشتراكية بصيغتها البيروقراطية التي تم تداولها في عصرنا، أقل فظاعة وتوحشاً. فقد سحقت الإنسان المعاصر تحت وطأة توتاليتاريتها الفظة والتسلطية، وجعلت من الإنسان جزءاً لا حول له ولا قيمة في آلتها البيروقراطية.

لم تعمل هذه الأيديولوجيات إذاً إلا لتفتيت الوجود الإنساني الحميم ونفيه، فكان أن تقهقر التواصل الإنساني إلى حد الغربة والفردية الأنانية. وليس في تقديرنا أن تكون الاكتشافات المتوقعة في مجال الاتصال سبباً في حل أزمة التواصل الإنساني. فالحل لن يكون إلا بإعادة الاعتبار للوجود الإنساني كقيمة قائمة بحد ذاتها، بل بما هي أصل القيم كلها وهدفها وغايتها النهائية. من هنا يجب إحياء الروابط التواصلية التي كانت قائمة في المجتمعات الأهلية، وصون ما تبقى منها، وتشجيع اندماج الإنسان المعاصر في علاقات جماعية طوعية يتحقق من خلالها أكبر مقدار من العلاقات الإنسانية الحميمة.

ولقد آن الأوان كي تتجه الثورة الاتصالية نحو الإنسان ذاته، كي تفتح موجاتها وتمدّ أسلاكها نحو باطنه المظلم والمعزول الذي أقصته أيديولوجيات العصر المتوحّشة، حتى يصبح في الإمكان إنقاذ الإنسان المعاصر من عزلته وعلله السيكولوجية، وإقامة تواصل حي وحار وحميم بين البشر.

Read Previous

الوثائقي العراقي “خذني إلى السّينما” في مهرجان البحر الأحمر السّينمائي الدّولي

Read Next

مواجهة حرب الكرملين الهجين الجديدة في أوروبا

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *