أماني الشّرقاوي “تؤنسن” الزمن قصصياً – يسري عبدالله

 ثمة التقاطات من الحياة العامة، من متن الواقع الاجتماعي المدجج بالمشكلات والقضايا، ولا يحدث ذلك من منظور السرديات الكبرى ولكن من زوايا الفعل الإنساني ذاته، هذا الفعل المعبأ بالتفاصيل الصغيرة، وتداخل المسافات بين الحلم والواقع، وإعطاء مساحات أكبر لسردية الحواس، حيث يتجاوز الواقع حضوره المادي إلى ما نحدس به، وتصير الكتابة استجابة جمالية لمشاعرنا الداخلية صوب العالم والأشياء. هذا ما نراه في مجموعة “باب مروحة” للقاصة المصرية أماني الشرقاوي، والصادرة حديثًا عن “دار المعارف” في القاهرة.

تحيل المجموعة إلى واقع رجراج، عابر وسريع الإفلات مثل الباب المروحي الذي يتسلل منه المغادرون، فهو ليس باباً جامداً موصداً، ربما لتتمكن الساردة البطلة من استعادتهم من جديد، والتّماس مع تلك الذكرى التي لا تخبو ولا تموت.

سرديّة الحواس

تتشكل المجموعة من أكثر من عشرين قصة قصيرة، تمثل مجمل المتن السردي لها، وتستهلها الكاتبة بقصتها “درة” التي تعاين واقعاً اجتماعياً يزاوج بين الأحلام الفردية والقسوة المجتمعية عبر وحدتين سرديتين مركزيتين تتجادلان معاً، حيث الزوج البخيل المُقطر الكانز للأموال، والزوجة الباحثة عن حياة أرحب.

تبدأ القصة من بعيد، حيث “لؤلؤة الحظ السعيد” التي تلوح في طفولة الساردة البطلة، والتي تتوقف حين ترتبط بهذا المأفون؛ في إحالة الى الموروث الشعبي ودلالاته الاجتماعية، وقد آمنت البطلة كثيراً بأنه “وفي السماء رزقكم وما توعدون”، وصارت تعاني ديوناً متراكمة على الشقة المستأجَرة، فتقترض من البواب، وتتوارى منكسرة حتى تسدد ما عليها، إلى أن حدث التحول الدرامي في النص برؤيتها للمال الذي يملأ دولاب الغرفة، فتقرر الانتقال من موضع المفعول به إلى موضع الفاعل. تتواتر الحوادث، وتَضمُر أحلام زوجها في استعادة المال والطفل والزوجة، وتصبح صحته صعوداً وهبوطاً مرهونة بالمساومة التي تنتهي بثباتها على موقفها في دراما اجتماعية خالصة.

وفي “سيدة الكهوف الصفراء” ينتقل السارد الرئيسي من العام إلى الخاص في التوصيف النفسي لحالة التماهي بين الحلم والحقيقة، يبدأ من المطلق الى المتعين، ويعدّ تكنيك الحلم آلية أصيلة هنا، وجزءاً مركزياً من بنية القص، وتشير إلى تبدلات الروح وتطوافها الحر في عالم الأحلام.

وتأتي النهاية كاشفة، وإن كانت بحاجة إلى تعميق أشد: “تستيقظ حياة حزينة لحال الأميرة، وكأنه واقع عاشته في عالم سابق إن حكت ما رأته: “أضغاث أحلام أو ملبوسة بمارد من الجن، وربما مجنونة”. ترى روحها وقد فاضت مئات المرات أحياناً تكون رجلاً وأحياناً تكون أنثى!” ( ص13).

 القدرة على الفعل

وعلى رغم الخيبات التي قد تحاصر الذات الساردة، إلا أنها تتمسك دوماً بقدرتها على الفعل؛ ففي “انصهار تحت الجليد” ثمة قصة تحيل إلى الطبقة العميقة التي تتلو السطح الساكن، والتي تمور بتوترات لا نهائية، فالزوجة تريد مستقبلاً أفضل لكنها تواجه بكسل رتيب من الزوج، وتسعى لشراء شقة حتى لو على سبيل الاستثمار كما فعلت صديقتها، وتعتمد القصة على تكنيك المفاجأة وتنتهي نهاية محبِطة للبطلة المركزية داخلها، لكن المفاجأة هنا تبدو ابنة لسردية جاهزة يمكن توقعها في النهاية.

في “تحت العباءة البيضاء” التي تتشكل من متوالية قصصية تتكون من ثلاث وحدات متصلة ومنفصلة في آن، وهي (“الغاضب 1″ /”الغاضب 2” / “تسليم”)، وتنحو جميعها في سياق التصاعد الدرامي، حيث لا يتنامى الحدث القصصي ذاته، بل تتحول المشاعر الذاتية نفسها للبطلة المركزية داخل النصوص الثلاثة.

في “الغاضب 1” حيث بداية الرحلة، والتوترات المصاحبة، ومغالبة الرتابة بالتمرد، ومحاولة تدخين سيجارة في أوتوبيس يحمل المعتمرين، تمتزج هنا المسافة الحرة بين الحلم والواقع، حين لا يُعثر على أثر السيجارة المشتعلة التي تزعم الحاجة وزوجها المجاوران لها في الأوتوبيس أن رائحة دخانها تملأ المكان، لمجرد أن البطلة أمسكتها بين يديها لتمنحها إحساساً يغالب التوتر، ويبدو الإيحاء هنا حاضراً بقوة.

وفي “الغاضب 2” تستمر التوترات بجسارة أشد، وتسائل الكاتبة واقعاً يختلط فيه الإيمان القلبي بالتدين الظاهري، حيث الصخب ليس طريقاً للوصول إلى حقيقة الإيمان. وفي “تسليم” يهدأ كل شيء، وتصفو الذات الساردة إلى علاقتها الخاصة مع السماء بلا صخب أو افتعال.

في “مروق” تلوح التناقضات الإنسانية التي تجعل الأخ في نهاية القصة يأخذ خزينة الأموال خاصة الرجل الذي تزوج من أخته المطرودة من جنة العائلة دون أن ترمش له عين. إن الاستحلال والقنص يلوحان هنا بوصفهما ممثلين للبنية الذهنية الحاكمة للرجل ومسلكه.

أنسنة الزّمن

وفي قصة “الساعة تن تن”، تحاول الساردة التعايش مع الزمن، وعدم العدو خلف السراب، عبر التصالح مع الواقع، على حين يبدو موقف السيدات مغايرًا في قصة “استفهام… تعجب”، حيث يحاولن التحايل على الزمن بوسائل عديدة. والاستفهام والتعجب هنا ليستا علامتين من علامات الترقيم فحسب، وإنما توظفان للتعبير عن تقوّس الجسد أو استطالته في التحايل على واقع فسيولوجي لا فرار منه.

وفي “دال نقطة قاف عين” يتجادل البعدان البصري والصوتي للحروف، وتطل “مرفت” التي ترمم عالمها الخرب بالكذب والتجمل، وتدّعي أنها أستاذة في كلية العلوم، لتنتهي القصة نهاية دالة: “مرفت – هي بعينيها وبكامل هيئتها – تتحدث في هاتفها المحمول، تجلس أمام مكتب خشبي قديم، تحجبها مجموعة هائلة من الملفات المرتبة!” (ص 42).

وفي قصة “أوهام”، ثمة معاينة للعالم الداخلي للمرأة، هذا العالم المركّب والمتشابك. وفي “عاد إليها صوتها”، يحيل مرجع الضمير إلى الشخصية المركزية في القصة، وتلوح شبكة من العلاقات الاجتماعية، تحوي تلك العلاقة الشائكة بين الزوج والزوجة الأولى والأخرى الجديدة، ثمة عالم معقد للغاية رغم بساطته الظاهرية، تبرز فيه تيمة التواطؤ على الذات على نحو دالّ.

بعد أعمالها السردية “إفلاس دولت”، “فساتين النشوة”، “سلمى وأخواتها”، “في محطة مصر”، “ترانيم أنثى”، تأتي المجموعة القصصية “باب مروحة” للكاتبة أماني الشرقاوي لتسرد عالماً ممتداً من الحكايات التي تزاوج بين الصخب والسكون، الحلم والحقيقة، الخيال والواقع عبر صيغ حكائية مختلفة تتوسل أحياناً بالموروث الشعبي، أو تضفير السرد بالشعر، أو المونولوغات الداخلية والخارجية في قصص مسكونة بخبرة جمالية وحياتية معاً.

Read Previous

الصليب الأحمر: كورونا أضرّ بـنسيج المجتمعات

Read Next

موديانو يزرَع حقل رواياته بأشباح الطفولة – احمد المديني

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *