موديانو يزرَع حقل رواياته بأشباح الطفولة – احمد المديني

غرس باتريك موديانو (نوبل للآداب، 2014) قدميه بقوة في الموسم الأدبي الفرنسي الجديد، رغم أنّ الكتّاب الراسخين يؤجلون دخولهم إلى الموسم الثاني في الربيع.

صدرت روايته “Chevreuse” (غاليمار، 2021) لتشغل أبرز موقع في مجموع روائي تنافس فيه الكبار والصغار، وظهر هو ليجدّد التذكير بجدارته لدى جمهور تراخى قليلًا عن استقباله، وكذلك ليستأنف ديمومة وحيوية التيمتين الأساسيتين اللتين تعمران رواياته الثلاثين ابتداءً من أولاها “ساحة النجمة” (1968) عبورًا بـ”زقاق المتاجر المعتمة” (1988)، حاز بها جائزة غونكور: تيمتا الزمن والذاكرة، وكسب رهانه باستقبال نقدي وحفاوة تليقان بمعلم سرد كبير مثله.

 يبدو موديانو (1945ـ)، مع التباعد الزمني وأسلوب المعالجة، أقرب ما يكون وريثاً شرعياً لبروست، (1871ـ1922)، الذي أحدث انقلاباً جذرياً في كتابة الرواية الحديثة بموسوعته الروائية الضخمة والحاشدة: “البحث عن الزمن الضائع” (الصادرة تباعاً بين 1913 ـ  1927). فهو بدوره وضع ذاكرته أمامه مادة وطفق يستمدّ منها عناصر وملامح طفولة وشباب وحياة وشخصيات ومشاهد غارقة في ضباب ذكريات، وبوصلة يسترشد ويسحب إليه خيوطها في زمن طويل يبدأ من الحرب العالمية الثانية، ويتواصل بلا انقطاع وهو يتكرر في حركة دائرية. وقد يخيل أحياناً لقرّائه أنّه لم يكتب إلا رواية واحدة، وما تلاها تنويع وتطريز على الأصل، بيد أنّ هذا الانطباع سيغفل أنه عَبْر بناءِ متنٍ سرديّ طويل، أرسى عالمَه المستقل وبداخله خلق شخصيات وولّد حيوات واستعاد واقعياً وتخيلياً أوضاعاً إنسانية مشاعرها وأزماتها مجسّدة في غموضها وصمتها الناطق بالإيماءات والفلاشات ونصف الكلام إلى درجة المحو.

تضاريس الذّاكرة

في خطابه أمام الأكاديمية السويدية أوجز موديانو عالمه وكشف عن منجمه الروائي، نقتبس منه الآتي: “أعتقد أن بعض حلقات طفولتي تحولت لاحقاً إلى مستنسخ لكتبي. كثيراً ما كنت أوجد بعيداً عن والدَيّ، عند أصدقاء لهم لا أعرف عنهم شيئاً، وفي أماكن وبيوت متتابعة (…). بعد وقت متأخر بدت لي طفولتي ملغزة، وحاولت أن أتعرف إلى مختلف الأشخاص الذين كنت آوي عندهم، وهذا من غير أن أنجح في تحديد طبوغرافي دقيق لمنازل الماضي. إن إرادة فك الألغاز دون أن أفلح تماماً ومسعى اختراق غموضها، ما منحني رغبة الكتابة”.

هاتان الإرادة والرغبة لا تفتران، ونراهما تقودان النوبلي الفرنسي الغامض والصَّموت حد العيّ، من أرخى ظلاله على الرواية الفرنسية في السنوات الخيرة أضحى يُحتذى طريقة كتابة ووسواساً؛ ليقوم في “Chevreuse” بحفر جديدة في تضاريس الذاكرة بحثاً عن زمن ظنه ضاع وقابل للاستئناف، بل لإعادة التأسيس روائياً كما فعل بروست، فيصبح ما وجد وحدث ونرى واقعاً ويمكن أن يُرى خيالاً، انطلاقًا من استرجاع شظايا مادية وكلمات وأصداء، نظير الزمن البروستي الهائل الذي جُلب بشخصياته وعوالمه ولغاته من نكهة كعكة (مادلين) الطفولة. ها نحن أمام طفولة روائيين عملاقين مجددين وكلاسيكيين يبنيان الرواية بالذاكرة.

تتأسّس رواية موديانو الجديدة من استدعاء لحظة من الطفولة البعيدة للسارد والشخصية جان بوسمان، وهو ضِعف الكاتب، أثناء ما كان يقيم وهو تلميذ في بيت ببلدة شفروز، عاد إليه صدفة بعد خمسة عشر عاماً برفقة صديقة له (كميل) ورفيقتها (مارلين) يقع في الرقم 38 من زقاق الدكتور كوزين. وهو يخفي عليهما معرفته بالمكان وينتبه لما يدور حوله: سيدة مندوبة عن وكالة عقارية لتأجير البيت؛ مارلين الراغبة في الإيجار، وثمة التباس مقصود في المعاملة، هو الجو الذي يهيمن كغيمة إلى النهاية. ثم يعود برفقتهما في السيارة إلى باريس حيث ينزلان بشقة في حي “أوتوي”، هذه الشقة التي ستصبح البؤرة الثانية في لغز القصة بوصفها المكان الذي تلتقي فيه شخصيات مُريبة كان لها حضور في طفولة بوسمان وهي “غي فانسان” و”روني ماركو” وثالثهما “دي غاما”.

 

براءة زائفة

نتعرف عليها في البداية متفرقة، وفي علاقتها المنفردة بشخصيتي كميل (السكرتيرة المحاسبة العاملة لحساب دي غاما في فندقه) ومارتيل (المقترنة بشخص مجهول ترك لها فندقاً مهجوراً في غابة، وهي مرتبطة بجماعة شقة أوتوي حيث يتم بانتظام لقاء ليلي غامض الموضوع).

في مرحلة ثانية سترتبط الخيوط بينها عندما يشرع التلميذ الذي كان، وهو في سن الحادية والعشرين، في إنجاز عملية التحري (بتقنية بوليسية تامة) للشقة والمترددين عليها والعلاقات الخفية بين الرجال والنساء، حيث تكبر كتلة الخيوط وتتشابك بواسطة ومن خلال عين وحس وشكوك وتركيب الرّائي الفاعل السارد بوسمان دائماً، وقد عُثر على بوصلته، صديقته كميل التي تخفي عليه بدورها معرفتها بشخصيات الشقة متظاهرة ببراءة زائفة، وهو يثابر في استنطاقها هي ووصيفة الشقة كيم مربية طفل مالك الشقة روني ماركو، يجمع منهما مثل أي محقق إثباتات التهمة.

في زيارة ثانية بعد سنوات مضت إلى البيت نفسه في شفروز وعلاقته بكميل مستمرة، سيرافق صديقتها مارتيل وقد استأجرته، لكن بعدما حدث تحوّل حاسم في مجرى القصة، إذ سيصبح المحقق موضع التحقيق، وهو الذي يطارد شخصيات الشقة، نابشاً في أسرارها مطارداً. ذاك ما نبهته له الصديقة المحاسبة الزائفة، إذ أعلمته أنهم يريدون به شراً لحيازته سراً تلمح له بـ”الكنز” ويريدون الوصول إليه، وسيتكشف أنه كذلك. تحذير يزدوج مع آخر من مارتيل التي تبدي تعاطفها معه، ويبوح لها أولاً بأنه عاش في بيت زقاق الدكتور كورين فترة من طفولته (للعلم، فإن موديانو كان تلميذاً في ثانوية بهذه المنطقة ومقيماً بداخلية فيها)، تغويه وتفشل في حلب أسراره، ناصحةً إياه بأن يحترس، وكذلك تفعل صديقته كميل خاصة وتخبره أن نزلاء الشقة عرفوا بعض ماضيه ويريدون استجوابه عن شيء محدد وقف عليه.

في القسم الثالث من مجرى الحكي والعقدة، تتجه الرواية إلى جلاء اللغز واللبس العامّين المهيمنين على سلوك الشخصيات وعلاقاتها، علمًا أنه ليس ثمة حوادث أو أفعال حية، بل توتر من النظرات والارتياب وتكرار المشاهد والعبارات أيضاً، وصولاً تدريجياً إلى كرشندو درامي، هو في “شفروز” كما في روايات سابقة للمؤلف “سيرك يمر” (1992) و”في مقهى الشباب الضائع” (2007)، و”كي لا تضيع في الحي” (2014)، ذو انفراج بوليسي شبيه بما نجد في حبكات سيمنون.

استجلاب الذّاكرة

أجل، سيستعيد في سياق عملية استحلاب الذاكرة في زمنها الخالي (الطفولي)، ما يكشف لغز بيت زقاق الدكتور كورين، وسبب ملاحقة الثلاثي المذكور له والمنعوتين بإشارات متقطعة أنهم مجرمون ولصوص تعارفوا في السجن، تربط بينهم عمليات سرقة هو شاهد عليها طفلاً حين كان مأواه في البيت الذي أقام فيه أحدهم نفسه وهو فانسان، رآه يستقبل مرات بباب البيت أشخاصاً يحملون رزما وينقلها هو إلى الداخل، كما رصد عملية هدم في غرفة بالطابق الثاني، حيث حفر الجاني مخبأً وضع فيه المسروقات.

مضى وقت رحل إلى أميركا واختفى، بينما ظل شركاؤه يجهلون هم والشرطة التي قلبت البيت رأساً على عقب ولم يعثروا على شيء، إلا بوسمان الطفل وحده يعرف لكنه لم ينبس ببنت شفة ولا أحد من الشرطة فكر في استجوابه، وها هي الذكريات تطارده شتاتاً مع المجرمين، بعد اختفاء كميل، فيهرب من تهديدهم لينتزعوا السر المكنون، يغادر باريس في مطلع الصيف جنوباً إلى الساحل اللازوردي، ويلوذ بقرية جبلية وتحدث له مغامرة طريفة تصله بالقصة التي يعيش. وليتخلص من ضغط هؤلاء الأشخاص والأشباح وجثومهم عليه وكل شيء، يضع أمامه حزمة من الأوراق ويشرع في تسويدها هكذا ليحوّلها إلى شخصيات روائية.

يعكف على الكتابة بانتظام في منتجعه الصيفي إلى أن ينهيها وتكون ميزانيته قد نفدت فيقفل راجعاً إلى باريس مفلساً، وسوف يطبع روايته ويصبح هذا الماضي وراءه، تقريباً.

زمن بروست

أقول تقريباً، لأن جان بوسمان، ضِعف المؤلف ـ جان هو الاسم الشخصي الأثير عنده في رواياته بحكم لعبة الاجترار المتوالي والحفار المولع بها في وطن حالته المدنية، ولكي يترك حبلها ممدوداً مع ذاكرته إلى الخلف “بحثاً عن الزمن الضائع” مثل جده الأدبي بروست، وإلى الأمام، نحو حكاية أخرى آتية مثل بروست دائماً في “الزمن المستعاد”؛ أقول لهذا عمد بعد ثلاثين عاماً من نهاية قصته إلى زيارة ثالثة، أولاً، إلى شقة أوتوي ليتأكد من معلومات ناقصة وينعش معها أيضاً ذكريات؛ وثانياً، إلى بيت الطفولة القديم في زقاق الدكتور كورين ببلدة شفروز، هنا تفتح له الوصيفة والمربية كيم الباب يجدها هناك فيدخل ويصعد إلى الغرفة، حيث الجدار لا يزال أبيض أملس في أعلى كوته مخبأ (الكنز) عبارة عن صفائح مغلفة ذهبيًا من خارج فقط، ورزم مالية فقدت الصلاحية، وأكياس علب سجائر أميركية من زمن التهريب. عندئذ ينظر بوسمان والسارد (وموديانو، تحصيل حاصل أن التخييل الذاتي نهجه الأغلب) عبر الكوة، ويكتب ما اعتبره مسك ما بعد الختام ويغني عن كل توصيف نقدي لاحق:

“عبر الكوة، هناك تميس الأغصان العليا لشجرة حور، وهذه الشجرة تومئ له. وفي زرقة السماء تنساب طائرة بصمت مخلفة وراءها ذيلاً أبيض، لكننا لا نعلم إن هي ضاعت، إن هي جاءت من الماضي أو تعود إليه” (ص 159 من الرواية، لندرك أي كثافة واقتصاد جليّين).

Read Previous

أماني الشّرقاوي “تؤنسن” الزمن قصصياً – يسري عبدالله

Read Next

واشنطن تبدي مخاوفها من الحشد العسكري الروسي قرب أوكرانيا

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *