انتفاضة الطلاب تعمّ السليمانية في إقليم كردستان العراق.. قمع أمني وتخبّط حكومي

بغداد – محمد جهادي

أدى ارتفاع نسب البطالة وتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الى خروج تظاهرات شعبية داخل إقليم كردستان العراق، في ظل تأزم المشهد السياسي بصورة عامة نتيجة ما أفرزته نتائج انتخابات تشرين الأول (أكتوبر).

وتقدم الاحتجاجات التي يشهدها الإقليم طلاب الجامعات، تنديداً بقطع المنح المالية التي كانت تُعطى لهم، فضلاً عن سوء الأوضاع في الأقسام الداخلية. وجوبهت التظاهرات بالغاز المسيل للدموع واستخدام الهراوات، في وقت ترفض السلطات الحكومية الكردية التعليق على ذلك في ظل معلومات عن تخبّط في أروقة السلطات حيال كيفية التعامل مع تمدّد الاحتجاجات.

ودعا مركز “ميترو للدفاع عن حقوق الصحافيين”، الى الاستجابة الفورية لمطالب المحتجين السلميين من طلبة الجامعات والمعاهد وضمان حق المواطنين في التجمع والتظاهر السلمي، مؤكداً رفضه استخدام العنف الذي طال مجموعة من الطلبة والإعلاميين.

وتواصلت الاحتجاجات السلمية لطلبة الجامعات في مدن إقليم كردستان العراق (أربيل، السليمانية، جمجمال، رانية، كلار، حلبجة، كويسنجق، خانقين) لليوم الثالث على التوالي، مطالبين بتحسين أوضاعهم وصرف المنح المالية المستقطعة عنهم منذ عام 2014.

وقد أغلق طلاب جامعة السليمانية الباب الرئيس للجامعة، قبل أن ينتقلوا الى الشارع الرئيس للمدينة الذي يربط السليمانية بكركوك وأربيل، واجتمعوا أمام مبنى المحافظة القريب من مبنى الجامعة، فيما قطع العشرات من زملائهم تقاطع الطرق في مناطق مختلفة داخل المدينة الذي يعاني أصلاً ازدحاماً متواصلاً.

وبحسب “ميترو”، فإن هناك “مناوشات حصلت بين الطلبة الذين توجهوا في مسيرة الى شارع سالم وقوى شرطة النشاطات المدنية، بعدما منعتهم من اجتياز جسر خسرو خال، حيث مقار تابعة للحزبين الاتحاد الوطني والحزب الديموقراطي، مع احتدام حالات اختناق بالغاز المسيل للدموع الذي أطلقته قوات الشرطة، فيما شوهد ارتفاع النيران في جزء من مركز الاتحاد الوطني”.

وأكد المركز أن “القوات الأمنية استخدمت الاثنين الغاز المسيل للدموع والمسدس الكهربائي لتفريق المتظاهرين، ما أدى الى جرح عدد من الطلبة ونقلهم الى المستشفى، في وقت كانت عناصر من الشرطة تقتحم الحرم الجامعي”.

وفي قضاء رانية (140 كم شرق السليمانية)، نظمت اللجنة المشرفة على التظاهرات مسيرة من أمام الجامعة الى الشارع الرئيس، وقال ممثل مركز “ميترو” إن المحتجين رفعوا لافتات مثل “سترحلون بالتصفيق فقط”.

وقطع المتظاهرون في قضاء دوكان (60 كم شمال غربي السليمانية)، الشارع الرئيس (أربيل – السليمانية)، رافعين لافتات تضامن مع زملائهم في مدن الإقليم.

وفي قضاء كلار (140 كم جنوب شرقي السليمانية) أقدم المئات من (جامعة كرميان) على إغلاق طريق كلار – السليمانية، مطالبين بتحسين الخدمات المقدمة لهم، فيما تجمع طلاب جامعة صلاح الدين في العاصمة أربيل أمام وزارة التعليم العالي، رافعين لافتات تطالب الحكومة بزيادة المخصصات المالية المقطوعة عنهم منذ 2014، وقطعوا أحد الشوارع الرئيسية (شارع 100 م). وقالت إحدى المتظاهرات التي رفعت شعار “أين حقوقنا” لوسائل الإعلام: “لا يسمعنا أحد، نحن هنا لإيصال صوتنا الى السماء”.

وخرج طلبة جامعة كوية في قضاء كويسنجق (74 كم شمال غرب) التابعة إدارياً لمحافظة أربيل، مطالبين الحكومة بصرف مستحقاتهم وتحسين أوضاعهم، قاطعين طريق المدينة الرئيسي، وخرج العشرات من زملائهم في جامعة حلبجة في مدينة حلبجة (83 كم جنوب شرقي السيمانية)، وانضم العشرات من طلبة كلية العلوم الإنسانية في قضاء خانقين التابعة لمحافظة ديالى، مطالبين بصرف المنح الشهرية المستقطعة عنهم.

وأكد المركز أن “عدداً من الفرق الإعلامية المستقلة منها والحزبية أصيبوا باختناقات جراء استخدام الغاز المسيل للدموع استخداماً واسعاً، ومنعت من التغطية وواجهت مضايقات مختلفة أثناء تغطيتها الاحتجاجات”، مؤكداً “رفض كل مظاهر العنف، ونعتقد أن عودة ظهور العنف ضد الإعلاميين والمتظاهرين من قبل القوات الأمنية هو ما يتسبب بالفوضى، وليس التظاهر المدني السلمي الذي يقوم به طلبة الجامعات والمعاهد للمطالبة بالحد الأدنى من حقوقهم”.

ويسيطر على إقليم كردستان الذي يتكوّن من ثلاث محافظات (أربيل، السليمانية، دهوك)، حزب الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديموقراطي الكردستاني، منذ مطلع تسعينات القرن الماضي.

وتعاني حكومة الإقليم أزمة صرف رواتب موظفي الدولة جراء خلافات بين بغداد وأربيل على إدارة الثروة النفطية وتوزيع إيراداتها، إضافة إلى إيرادات المعابر الحدودية، ما أدى الى قطع رواتب الموظفين رغم الانتعاش الذي حصل أخيراً نتيجة ارتفاع سعر النفط الذي وصل الى ما يقارب الـ80 دولاراً، بالإضافة الى العلاقات الجيدة مع حكومة بغداد، بحسب مراقبين.

وأطلق ناشطون من مختلف المحافظات العراقية وسم “السليمانية تقمع”، تضامناً مع متظاهري كردستان، وتضمن الوسم انتقادات شعبية لحكومة إقليم كردستان.

ويعلق الصحافي الكردي سليمان عبد لله على أزمة الاحتجاج، قائلاً، إن “ما يشهده الإقليم حالياً لا يختلف كثيراً عمّا تشهده العاصمة بغداد وباقي المحافظات الجنوبية المنتفضة”، مبيناً أن “الأحزاب جميعها، سواء الكردية أم العربية، تمارس الأساليب القمعية ضد كل من يحاول أن يطالب بحقوقه”.

ويضيف أن “الأوضاع الاقتصادية في إقليم كردستان تشهد أسوأ فترة تاريخية يمر بها الإقليم… منذ أشهر طويلة والمواطن الكردي يكافح لأجل أن يعيش. في المقابل، لم تكترث حكومة الإقليم له ولم ولن تستمع الى مطالبه المشروعة”.

كما يقول المختص بالشأن السياسي الكردي سامان نوح لـ”النهار العربي” إن “ما يحدث في إقليم كردستان هو تظاهرات لطلاب يطلبون إعادة صرف المنح المالية التي كانت تعطى لهم سابقاً، لأن الوضع الاقتصادي في إقليم كردستان بات لا يُحتمل”.

ويضيف أن “التظاهرات التي يشهدها إقليم كردستان الآن ليست بجديدة، فقد سبقتها تظاهرات عدة لمحاضري المدارس وأصحاب العقود”، لافتاً الى أن “حكومة إقليم كردستان لم تتحرك لأجل حل تلك الأزمة، بل إن وظيفتها الأساسية هي منع التظاهرات المطالبة بالحقوق المشروعة”.

ويرى نوح أنه “رغم التحسن الذي حصل في أسعار النفط، والارتفاع في الإيرادات الجمركية والمنافذ الداخلية التي تورد أموالاً، إلا أن حكومة الإقليم تصر على ممارسة السياسيات السابقة التي تثقل المواطن الكردي”.

ويتفق الإعلامي علي تحسين مع نوح، مؤكداً أن “طلاب إقليم كردستان بدأوا يشعرون بالغبن نتيجة سياسة حكومة الإقليم تجاه الشعب الكردي، ورغم أن هناك انتعاشاً اقتصادياً نتيجة ارتفاع أسعار النفط والموارد التي تحصل من المنافذ والضرائب والعلاقات الجيدة مع حكومة بغداد، إلا أن الحكومة الكردية لم تعالج الوضع الاقتصادي”.

ولاحقاً أعلنت كتلة الاتحاد الوطني الكردستاني “دعمها للمطالب المشروعة لطلاب الجامعات وإعادة صرف المخصصات الشهرية لهم”، داعية حكومة الإقليم إلى “الالتفات إلى مطالبهم وأخذها في الاعتبار”.

Read Previous

مرصد الأزهر يحذر من تحريض داعش

Read Next

جديد جريمة الدهس في أميركا: المتّهم مغني راب يكره ترامب

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *