سوريا : مستقبل الطفولة في المناطق المحررة في خطر – د. أحمد موفق زيدان

مع بدء كل عام دراسي في المناطق السورية المحررة، تُنكأ جراح قديمة جديدة، جراح تتعلق بمستقبل التعليم في المناطق المحررة، تحديداً في مناطق إدلب التي تضم حوالي أربعة ملايين شخص، معظمهم مهجرون ومشردون من سوريا كلها. يعيشون في خيام معظمها بالية لا تقيهم برداً ولا حراً، ولكن الخطر الساحق الذي يتهددهم هو مستقبل أبنائهم وأجيال أحفادهم، ممثلاً بخطر افتقار كثير منهم للتعليم، خصوصاً أن منظمات دولية تشترط لدعمه الاقتصار على المرحلة الأولى، وهي الابتدائية، وتتخلى عن دعم المرحلتين الإعدادية والثانوية. هذا الواقع دفع كثيراً من الأساتذة الذين حرموا من راتب أقل من القليل، للتخلي عن مهنة التعليم، واللجوء إلى كسب يدوي، لكفالة أنفسهم وعائلاتهم.

وبالعودة إلى لغة الأرقام والبيانات والحقائق، فإن المعلم الواحد في مناطق إدلب المحررة لا يتجاوز راتبه مائة دولار شهرياً، وفي الغالب خمسون دولاراً فقط. وبحسب المعلومات المتوافرة لدينا فإن عدد المدارس في منطقة إدلب، التي تحتاج إسعافاً عاجلاً وأولياً قبل فوات الأوان، يصل إلى 405، وعدد المعلمين والمعلمات فيها من غير المدعومين يبلغ 5707 معلمين ومعلمات، أما عدد الأطفال المتسربين من التعليم بشكل عام فيصل إلى 145285 طالباً وطالبة، وهو أمر شديد الخطورة على بلد، قد يتحول هؤلاء كلهم لاحقاً إلى مشاريع لجريمة منظمة، يهددون مستقبل البلد بأكمله.

إنَّ تسرّب الأطفال من المدارس ينعكس سلباً على الحالة الاجتماعية والأسرية، فأول انعكاساته على الأسرة، بقاء الأطفال في البيت أو الخيمة في حالة توتر متواصلة على مدار الساعة، في حين على الطفل أن يقضي جزءاً كبيراً من وقته كما يُفتَرض خارج المنزل في المدرسة، يُفرغ فيها طاقته، ويتعلم فيها ما ينقله لأسرته، لكن الأخطر في تداعياته، هو تحول الجيل القادم إلى مشاريع للتطرف والراديكالية، وربما للهجرة، بعد أن سُدَّ المستقبل في وجهه، لاسيما أن دولة واحدة فقط تفصل بين اللاجئ السوري وأوروبا، كما أن ذلك قد يدفع الطفل أو الطفلة للزواج في سن مبكرة، مما يسبب مشاكل كثيرة إما في عدم فهم وتقدير الحياة الزوجية لأطفال لم يُهَيَّأوا لذلك، أو في انشغال الطفل مبكراً في حياة غير مهيَّأ لها بعدُ، فضلاً عن التسبب بحالات طلاق، نظراً لأن الطفلة أو الطفل لم ينضجا بعدُ، والطفلة لا تزال عاجزة عن فهم مصلحتها بشكل واعٍ، فيكون القرار هو قرار أسرتها، مما يحرمها من اتخاذ قرار صائب بنفسها، في قضية تمسها بشكل مباشر وتمس مستقبلها.

والواقع أن المعلم أو المعلمة اليوم يضربون أروع الأمثلة في التضحية والفداء لصالح جيل التعليم في المحرر، إذ إن رواتبهم لا تسدّ رمقهم لأيام، ومع هذا يصرون على مواصلة العملية التعليمية، فهم يدركون تماماً مخاطر التخلي عن خطوط الجبهات، التي هي آخر الحصون في المنطقة، فانهيارها يعني انهياراً لا للجيل الحالي فحسب، وإنما انهيار للأجيال اللاحقة. وقد نجح المحرر في إدلب في إنشاء جامعة حكومية تابعة لحكومة المحرر، وهي حكومة الإنقاذ، حيث تأسست جامعة إدلب التي تضم أكثر من 16 كلية، والتحق بها ما لا يقل عن 17 ألف طالب وطالبة، وفيها تخصصات مهمة مثل الطب والصيدلة والهندسة بأنواعها، بالإضافة إلى العلوم الإنسانية والشرعية واللغويات. ولذلك فإن الطالب المتخرج في المدارس يجد الفرصة أمامه سانحة لمواصلة التعليم الجامعي وما بعده. وبالإضافة إلى جامعة إدلب، فإن هناك جامعات خاصة أيضاً مهمة في مناطق إدلب المحررة، تستوعب آلاف الطلبة الذين لم تستوعبهم جامعة إدلب.

آفة الأمية التي قد يعاني منها المحرر في إدلب لن تكون أضرارها على المحرر فقط وإنما ستنعكس على المناطق المجاورة وما بعد المجاورة، وميزانية التعليم وإن كانت تبدو بسيطة في ظل راتب المعلم الهزيل، لكنها ستسدّ حاجة لا لكفاف المعلمين والمعلمات فحسب، وإنما لسد ثغرة خطيرة قد تفتح في داخل أحشاء المجتمع السوري المحرر. ولا بد من التذكير بأن رواتب قسم كبير من المعلمين في سوريا قبل الثورة كانت تدفعها منظمة اليونيسف التابعة للأمم المتحدة، فإن كانت بلداً مستقراً قبل الثورة وقد عجزت حكومته عن دفع رواتب معلميها، فلنا أن نتخيل الوضع هذه الأيام في المناطق المحررة، بعد أن تخلى كثير من الداعمين والممولين عن دعم التعليم وغير التعليم.

إنَّ انشغال المجتمع الدولي بقشور الحل السياسي، واللجنة الدستورية، وطبخ الحصى على مدى سنوات، هو في الواقع انشغال عن مشكلة حقيقية، لا تهدد سوريا وما حولها فحسب، وإنما تهدد أوروبا والعالم في المستقبل، إن تم التخلي عن الطفولة وتعليمها وتثقيفها، ورميها في متاهات الجهل والتطرف والراديكالية. لا بد من مقاربة دولية سريعة وعاجلة للمناطق المحررة، أما وضع الرؤوس في الرمال، وكأن إدلب والمناطق المحررة غير موجودة، هو تخلٍّ عن مستقبل وليس عن واقع يمس أهل المنطقة جميعهم.

Read Previous

الملحق الإعلامي لسفارة قطر في بريطانيا يفند المزاعم التي أوردتها “الغارديان” حول حقوق العمال في قطر

Read Next

تجنب المآسي الإحصائية – بينيلوبي غولدبرغ

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *