رجل السياسة ورجل العصابة! – محمد الرميحي

في تاريخنا العربي، مع الأسف، هناك رجال سياسة (ولا أقول رجال دولة) ورجال عصابة، الفرق أن السياسي يكذب في الغالب أما رجل العصابة فيفجر دائماً، وقد يعود التاريخ ليفصل في هذه الحقبة العربية السوداء ليسرد تفاصيل لرجال عصابة تصادف أن تحكموا بدولة. رجال السياسة قد يستمعون الى الغير ورجال العصابة لديهم أنانية مفرطة ويعتقدون في الكثير من الأوقات أنهم “ملهمون”!

استدعت ذلك التفكير، وليس بالضرورة التطابق، المقابلة الصحافية التي نشرت في صحيفة “القبس” للسيد جبران باسيل في عدد الجمعة \ السبت 19-20 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري. العنوان العريض الذي استطعت الخروج به من المقابلة أن السيد باسيل أهان ذكاء القراء بسبق إصرار وتعمد، لا لأن ما قاله يحمل تناقضاً فجاً، بل لإصراره على تغييب الحقائق المعروفة للجميع.

في مسيرتي الكتابية، عادة، أتجنب التعليق على الأشخاص، ما يهم هو القول لا القائل. والذي قيل في المقابلة شيء غير عقلاني يقول: “تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية”! ومن زج بلبنان في “الصراعات الإقليمية” غير السياسات التي تبعتها كونك كنت وزير خارجية، وتلك المواقف ليست بعيدة من الذهن أو صعب استحضارها، كما يقول: “لا تدفعونا الى أماكن لا نريدها”، ترى من يدفع من؟ تلك الأماكن التي لا تريدها أنت بالفعل فيها ومنذ زمن، أي منذ أن سلمت بتحالف تعرف قبل غيرك أنه أفقر لبنان وأهلك الحرث والنسل فيه، وسبب كل تلك المآسي التي وقع فيها اللبناني ولا يزال. أما ما يجبر الإنسان على أن يسخر وربما يضحك فهو قول السيد باسيل إن تحالفه مع “حزب الله” هو لمنع الفتنة. أي لو لم يتحالف لوقعت فتنة في لبنان، كيف يبيع تلك الفكرة على الناس، التحالف زاد من إشعال الفتنة ولم يمنعها، بل وأوصل لبنان الى ما هو عليه اليوم. مدن تموت وبشر لا يعرفون ما يمكن أن يصيبهم في الغد، وموظفون فقدوا 95 في المئة من قيمة مرتباتهم، وأجبر اللبنانيين على ركوب قوارب الموت في البحر المتوسط.

زاد على ذلك في استغباء الآخرين قوله: “لا أعرف حجم تدخل “حزب الله” في اليمن”. كم من التشويه يحمله هذا القول، إنْ أردت أن تعرف فقط اطلب من مساعديك أن يترجموا لك التقارير الدولية وتقارير الأمم المتحدة في هذا الملف، بل استمع الى خطابات الحزب الذي يكرر على رؤوس الأشهاد حجم ذلك التدخل، ويمكن أن ترسل بعض خاصتك الى البقاع كي تعرف مَنْ يدرب مَنْ على السلاح والمتفجرات؟ أما التساؤل الذي طرحه السيد باسيل الذي له العجب قوله في المقابلة: “لماذا يتم الدمج بين “حزب الله” وبين لبنان الرسمي”، صحيح لماذا يتم الدمج؟، السؤال هو: “ماذا بقي في لبنان الرسمي يا سيد باسيل؟”.

لو كانت هناك إجابة عن هذا السؤال لاستطعنا الإجابة عن الأول! أما القول المبطن والمثير فهو قول السيد باسيل: “في الإقليم يتكرس انتصار فريق على الآخر … ومع ذلك لا نريد أن يتكرس هذا الانتصار”. قول واضح لمن يريد أن يعرف أين يقف السيد باسيل (لبنان الرسمي وهو مكون كبير فيه) مع أي طرف في الإقليم، هو يرى أن ذلك الطرف منتصر، كم من الأوهام يعتنقها السيد باسيل! أما العقوبات الأميركية التي طبقت على السيد باسيل فهو مقتنع أنه يستطيع رفعها في التو واللحظة (إذا اتحذ موقفاً معادياً لـ”حزب الله”)! وذلك وهم آخر، فلم يكن كل من تعامل مع “حزب الله” من سياسيي لبنان عرضة لفرض عقوبات عليهم، العقوبات فرضت لأسباب أكثر وأكبر من العلاقة بـ”حزب الله”!

ما يوجع في هذه المقابلة أن السيد باسيل يطلب توسط الكويت في الإشكال القائم بين لبنان (القندهاري) وبين دول الخليج، وهو يعرف أن الكويت قد أعلنت موقفها ضد تقاعس (الدولة اللبنانية) أمام تغوّل “حزب الله” على اللبنانيين في الداخل وعلى آخرين بعيدين وقريبين.

أعرف كما يعرف كثيرون غيري أن السيد جبران باسيل قد يمثل شريحة من اللبنانيين، ولكن أيضاً أعرف أن هناك شرائح لبنانية واسعة لا توافقه الرؤى ولا تنتظم تحت مظلة أفكاره التي هي في مجملها أقرب الى التسويق السياسي المرتبط بمصالح لا تخفى. إلا أن العجب يأتي من تجاوز مثل السيد باسيل آلام شعبه الأوسع وأوجاعه، سواء أكان هذا الشعب في داخل لبنان أو خارجه. فما وصل اليه لبنان لم يصل إليه شعب آخر في المنطقة، رغم كل العواصف السياسية. لقد تم استنزاف لبنان وتعطيل مؤسساته والاستهانة بدماء شعبه وليس بقوته فقط، وأي عاقل يرى أن أي سياسي مهما عمته مصالحه لا بد من أن يعرف القاع الذي وصلت اليه شرائح واسعة من شعبه، ومع ذلك هو مصر على سلوك يرى أنه (منتصر) ولم يبقَ من قطف ثمار الانتصار إلا فترة وجيزة.

الضمير الشعبي اللبناني لم يكن عبثياً حين قال: “كلن يعني كلن”. طفح الكيل عنده. لقد أضاف السيد باسيل الإهانة المغدقة الى الجرح النازف وقدم لنا مقابلة استفزازية كان الأولى أن لا يفعلها، ولكنها في رأيي رسالة الى الحليف للدفاع عنه في “عقر دارهم”!!

Read Previous

العيسوي ينقل تعازي الملك إلى آل أبو بيدر

Read Next

وارسو ترجح بقاء 10 آلاف مهاجر في بيلاروسيا.. بولندا: الأسوأ لم ينتهِ بعد في أزمة المهاجرين

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *