الحكاية الشعبية العراقية وتدوينها – سامي مهدي

في آب 2012 رحل عن عالمنا الأستاذ الدكتور داود سلوم ، أحد الأكاديميين العراقيين البارزين ، وبرحيله فقدت الحكاية الشعبية العراقية أحد أكثر الباحثين اهتماماً بجمعها وتدوينها ونشرها . والحكاية الشعبية ، كما هو معروف ، من أجمل مكونات التراث الشعبي ومن أبلغها في التعبير عن روح الشعب والإفصاح عن همومه وآلامه وأحلامه وآماله . وتعرف هذه الحكاية في العامية العراقية باسم ( السالفة ) أو ( السالوفة ) وجمعها ( سُوالف ) وهي حكايات تروى شفاهاً وتنتقل شفاهاً من بيئة إلى أخرى ومن جيل إلى جيل .

    وقد تميزت الحكايات الشعبية العراقية بوفرة عددها وتنوع بيئاتها وتعدد روافدها ، فكانت مصدراً من مصادر غنى التراث الشعبي العراقي وخصبه وجماله . ولكن المؤسف أن رواة هذه الحكايات بدأوا بالانقراض منذ أن غزا التلفاز البيوت . فقد همّش هذا الجهاز السحري دور الأمهات والجدات اللواتي كن يحفظنها ويروينها وينقلنها من جيل إلى جيل حتى غدت مهددة بالنسيان والضياع ، بل لقد نسي الكثير منها فعلاً وضاع ، وكاد ما تبقى منها في طيات الذاكرة أن يضيع هو الآخر لو لم يقيض له كتاب يعنون بجمعه وتدوينه ونشره ، وفي مقدمتهم الراحل الدكتور داود سلوم ، وها هم هؤلاء يرحلون الواحد بعد الآخر ، دون أن نجد في الأجيال الجديدة من يتابع مسيرتهم .

    تعد المحاولة التي قامت بها ( ي. س. ستيفنز ) أبكر المحاولات التي عنيت بجمع الحكايات الشعبية العراقية وتدوينها . فمنذ أكثر من ثمانية عقود قامت ستيفنز هذه بتدوين ثمان وأربعين حكاية عن ألسنة نساء عراقيات اتصلت بهن اتصالاً مباشراً ، ثم قامت بترجمتها إلى اللغة الإنكليزية وأخرجتها في كتاب عام 1931 ، وقام بترجمة هذه الحكايات إلى العربية كل من الدكتور عبد الله أحمد المهنا والدكتور داود سلوم ، وأخرجت هذه الترجمة في كتاب نشر في الكويت عام 1983 ، وعنوان هذا الكتاب هو ( قصص شعبية عراقية ) وقصصه مصوغة صياغة جيدة .

    ويذكر مترجما هذا الكتاب في مقدمته أن الأب أنستاس الكرملي قام عام 1932 بتأليف كتاب عنوانه ( ديوان التفتاف أو حكايات بغدادية ) وهو كتاب مخطوط قام بتحقيقه في ما بعد الباحث عامر رشيد السامرائي ونشره عام 2003 . ورأى المترجمان أن الأب الكرملي وضع كتابه هذا متأثراً بما أثارته الآنسة ستيفنز في محاضرة لها عن الحكاية الشعبية العراقية قدمتها عام 1930 . وقام بترجمة هذه المحاضرة الأستاذ كاظم سعد الدين ، وأعادا هما نشرها في الكتاب الذي ترجماه .

    وفي عام 1963 ظهر للدكتور داود سلوم كتاب بعنوان ( قصص بغدادية ) ضمت مجموعة من الحكايات الشعبية . وتلت هذا الكتاب محاولة ليوسف أمين قصير دون فيها عدداً كبيراً من الحكايات وصدرت في كتاب عام 1970 بعنوان ( الحكاية والإنسان ) . وفي عام 1976 أصدر المؤلف نفسه كتاباً آخر بعنوان ( حكاية وفلسفة ) وضم هذا الكتاب حكايات شعبية أخرى . ولكن كتابي قصير هذين بهما حاجة إلى المراجعة والتنقيح من حيث الصياغة في رأينا ، فهي صياغة ضعيفة يعتورها الكثير من الأخطاء .

    وفي عام 1979 صدر لكاظم سعد الدين ، وهو باحث ومترجم له اهتمام خاص بالحكاية الشعبية والدراسات المقارنة الخاصة بها ، كتاب بعنوان ( الحكاية الشعبية العراقية / دراسات ونصوص ) . وضم هذا الكتاب ثلاث دراسات جيدة منها محاضرة ستيفنز التي مر ذكرها مع عشرين حكاية مدونة بالفصحى لمسنا في بعضها بعض التدخل من جانب صاحب الكتاب ، وهو أمر لا نحبذه بغض النظر عن مسوغاته .

    وأسهم في تدوين عدد من الحكايات الباحث عزيز جاسم الحجية ، المتخصص بتراث بغداد الشعبي ، ونشرها في سلسلة كتبه التي تحمل عنوان ( بغداديات ) منها حكاية اقتبسها من ( ديوان التفتاف ) الذي حرره الكرملي . وقد كتب بعض هذه الحكايات بفصحى ميسرة ، بينما كتب الأخرى باللهجة البغدادية العتيقة ووضع لها هوامش لتبيان معاني مفرداتها لمن يجهلها ، زيادة على المفردات التي وضع معانيها بين قوسين في متن النص .

    وخلال سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته نشطت مجلة ( التراث الشعبي ) في نشر حكايات شعبية دونها عدد كبير من الكتاب من شتى أنحاء العراق . ويلاحظ على نشر هذه الحكايات مظاهر كثيرة للفوضى والارتجال والعشوائية . ذلك أن أغلب مدونيها كانوا من الهواة والمتأدبين . ومع ذلك قام الدكتور داود سلوم والدكتور صبري مسلم بجمع هذه الحكايات في كتاب من جزءين ، تضمن كل منهما عشرات الحكايات ، ونشر الكتاب في قطر بعنوان ( القصص الشعبية العراقية ) .

    وفي عام 1994 أصدر القاص العراقي خضير عبد الأمير كتاباً بعنوان ( حكايات الشتاء القصيرة ) وتضمن هذا الكتاب خمس عشرة حكاية كان المؤلف قد نشر بعضها في مجلة التراث الشعبي في أوقات مختلفة وأعيد نشرها في كتاب ( القصص الشعبية العراقية ) الذي سبقت الإشارة إليه .

    هذا ما أمكننا متابعته في مجال تدوين الحكايات الشعبية العراقية على مدى العقود الماضية ، وجهود الدكتور سلوم في جمعها ونشرها . وليس لنا إلا أن نشيد بجهود الأساتذة الذين قاموا بعمليات التدوين والجمع . فقد قدموا بعملهم هذا خدمة كبيرة للتراث الشعبي العراقي ، وأسهموا في حفظ هذا الجانب منه من النسيان والضياع . ومع ذلك نجد لزاماً علينا إبداء الملاحظات التالية على هذه الجهود :

1-  يلاحظ ، قبل كل شيء ، أن مفهوم الحكاية الشعبية يبدو غامضاً وملتبساً عند بعض المدونين والجامعين بحيث جمعوا إلى جانب الحكايات قصص الأمثال والمفارقات والنوادر . وأخص بهذه الملاحظة بعض مدوني الحكايات التي نشرت في مجلة ( التراث الشعبي ) . ومن المؤسف أن جامعَيْ هذه الحكايات ، الدكتور سلوم والدكتور مسلم ، لم يقوما بفرز ما جمعاه من تلك المجلة ، حتى لقد تضمن كتابهما أكثر من قصة ملفقة ومؤلفة ، لا صلة لها بالحكايات الشعبية ولا بالتراث الشعبي ، ومن ذلك قصة ( في انتظار المهرجان ) وقصة أخرى للقاص الراحل غازي العبادي كتبها عن حادث وفاة والدته وتشييعها إلى مثواها الأخير .

2-  إن عملية التدوين والجمع لم تخضع لمنهج موحد ، نظراً لاختلاف المدونين وتباين اجتهاداتهم ، فثمة قصص دونت بالفصحى ، وأخرى بالعامية ، وأخرى بخليط من هذه وتلك ، وحمل بعض المدون بالعامية هوامش إيضاحية ، وبعضها نشر من دون هذه الهوامش .

3-  إن المدونين يتفاوتون في مستويات علمهم بالتراث الشعبي وحكاياته ، فخلط بعضهم بين الحكاية وغيرها ، وهم يختلفون في قدراتهم السردية ، فجاء بعض ما دونوه جيداً متماسكاً ، وجاء بعضه مفككاً مهلهلاً ، وربما كانت الحكايات التي دونها الباحث عزيز الحجية أفضلها صياغة .

4-  إن بعض المدونين أعطى لنفسه حق التلاعب ببعض الحكايات وتحريفها ، كما صرح لنا بعضهم .

5-  ظهرت أخطاء نحوية وإملائية كثيرة في بعض الحكايات المدونة بالفصحى بسبب جهل مدونيها بقواعد اللغة العربية .

    لكل ذلك نرى أن ما قدم حتى الآن جهد أولي لا يتعدى التدوين والجمع ، والحكايات ما زالت بها حاجة إلى جهد آخر ، علمي ومنظم ، يخرجها إخراجاً يليق بقيمتها التراثية ، ولابد لهذا من مشروع يقوم على مراجعة كل ما دون ونشر من حكايات ، بما فيها تلك التي دونتها الآنسة ستيفنز ، والأخرى التي دونها الأب الكرملي ، وفرزها في ضوء المفهوم العلمي للحكاية الشعبية ، واستبعاد ما لا يدخل منها في إطار هذا المفهوم ، ثم إعادة صياغتها صياغة فنية ، بلغة فصحى ميسرة ومعززة بالهوامش الضرورية ، ولكن من دون حذف أو إضافة أو تحريف في التفاصيل ، مع تثبيت أسماء مدوني هذه الحكايات ورواتها ومعيدي صياغتها ، وذكر الكتب والمجلات التي نشرت فيها أول مرة ، وكتابة مقدمة علمية وافية لها ، وأخيراً جمعها في كتاب يصدر دفعة واحدة أو في أجزاء متتابعة .

    إن تحقيق هذا المشروع يمكن أن يقدم للقارئ العربي كتاباً لا يقل أهمية وجمالاً وإمتاعاً عن كتاب ( ألف ليلة وليلة ) . ولكن من ينهض بهذا المشروع اليوم ؟ ومن يتبناه ؟!

Read Previous

ما الذي يهم حقا في المنافسة الصينية الأمريكية؟ – جوزيف ناي

Read Next

كيف يستطيبون الحكم – عقل العويط

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *