كيف يستطيبون الحكم – عقل العويط

كيف يستطيبون الحكم والعيش في هذا الماخور من صفقات انعدام الكرامة، كيف؟!

عقل العويط

مواطنٌ عاديّ جدًّا (قد يكون كلّ واحدٍ منّا) يراقب ما يجري في لبنان، وما يحدث لبلاده، ولأهله، على يد سلطاته ومسؤوليه وحكّامه وأحزابه ونوّابه ووزرائه (ومُصادِريه ومحتلّيه)، لا بدّ من أنْ يخرج بخلاصةٍ موجعة، فحواها ومختصرُها الآتي: هنا، في لبنان، تُوزَّع شهادات الكرامة الممهورة والمختومة والموقّعة والمُصادَق عليها. وهي شهادات صفر كرامة، وصفر شرف، وصفر قِيَم، وصفر دستور، وصفر قانون، وصفر سيادة، وصفر استقلال، وصفر دولة.

هذا المواطن العاديّ جدًّا، يقول بكِبَر، لكنْ بتواضع وخجل وتهيّب، وبمزيج من مشاعر الألم والوجع والأسى والغضب والعنفوان والانتفاض و… الحكمة، إنّ الكرامة لا تُشترى من سوق، أو من بورصة، ولا يحصل عليها المواطن الفرد والمواطنون والمجموعات والأحزاب والسلطات، أو الدولة، بالمساومة، بالعمالة، بالخيانة، بدفع المال، بالركوع، بتقديم فروض الطاعة إلى جهةٍ ما، بالاستجداء، بتعفير الجبين، بالمقايضة، أو بإبرام الصفقات.

الكرامة كرامة، وهي مسألة شرف، ومعايير ومفاهيم وقِيَم وأخلاق وأحكام وأعراف وتقاليد وطقوس. فإمّا أن تكون الكرامة موجودةً بالأصالة، بالبداهة، وبالممارسة، وإمّا أن لا تكون موجودةً البتّة.

ليس هناك ما يُسمّى ربع كرامة، أو ثلاثة أرباعها، أو 99 في المئة منها، ولا حتّى 99 فاصلة 99 في المئة.

الكرامة تكون. تنوجد بذاتها، وهي كلٌّ مطلقٌ ومتكامل. والكلُّ هو كلٌّ فحسب. ونقطة على السطر، بل على كلّ السطور. فأنتَ لا تكون صاحب كرامة هنا (عيار مئة في المئة)، ومنعدم الكرامة هناك (عيار واحد في المئة وما دون)، أو تكون كرامتك منتقصًا منها هنالك، بنسبة خمسين أو أربعين أو ستّين في المئة.

لا تستطيع أنْ تكون صاحبَ كرامة وسيادة، مؤتَمنًا على الذات (ذاتكَ الفرديّة و/أو الذات الجماعيّة)، مؤتمَنًا على دستور، وقانون، وحدود، وتكون في الآن نفسه قابلًا بما يجري في لبنان (وما يجري للبنان وأهله)، غاضًّا الطرف عنه، ساكتًا، غافلًا، أو متنازلًا، وراضيًا بتسوية (بصفقة)، وإلى آخره.

لم يسبق للبنان على مدى تاريخه الوطنيّ والسياسيّ الحديث كلّه (منذ مئة عام) النزول إلى هذا الحدّ، إلى هذا القعر من قلّة الكرامة، ومن انعدامها.

على مدى تاريخه الحديث هذا، كان ثمّة في لبنان، ودائمًا، وإنْ بنسبٍ متفاوتة ومتواضعة، حدٌّ أدنى من الكرامة، ومن الشرف. أمّا الآن فكم يطيب لمواطنٍ عاديٍّ جدًّا – أكرّر: لمواطنٍ عاديٍّ جدًّا، أنْ يموت بكرامته، على أن يعيش، ويرى دولته تعيش، وأهله، في هذه الجحيم المطلقة من انعدام الكرامة.

في خضمّ عذابه الوجوديّ المضني، يصرخ هذا المواطن من أعماقه، بدون صوت: كيف لمسؤولين، كيف لحكّام، كيف لرؤساء، كيف لنوّاب، وكيف لوزراء، أنْ يستطيبوا الحكم والعيش (بترف، برغد، بأبهة، بابتسام، برضا، وبسعادة) في هذا الماخور العامّ من صفقات انعدام الكرامة؟! والسلام!

Read Previous

الحكاية الشعبية العراقية وتدوينها – سامي مهدي

Read Next

 محمد حسن الأمين.. عمامة وعلمانية – د. عبدالحسين شعبان

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *