الحصيري عبد الأمير – سامي مهدي

    تعرفت على الشاعر عبد الأمير الحصيري في مقهى البلدية عام 1965 ولم تكن لي معرفة به شاعراً وإنساناً قبل ذلك العام . ثم تزايدت معرفتي به شيئاً فشيئاً . كان له مجلس خاص قريب من مدخل المقهى ، تحيط به مجموعة من الأدباء الشباب تكبر أو تصغر حسب الظروف ، وكان أكثر أفراد هذه المجموعة ملازمة له : الشاعر خالد يوسف ، والشاعر عمران القيسي ، والروائي عادل عبد الجبار ، والشاعر (الشعبي) طارق ياسين ، والناقد مؤيد البصام .

    كنت يومئذ أرتاد المقهى في صباحات أيام الجمعة وأيام العطل الرسمية فأجد الحصيري وقد اصطبح ببعض الحسوات ، وراح ينفث دخان نركيلته العابق برائحة الخمرة ، وقد جلس عن يمينه وعن يساره بعض من ذكرت من صحبه فأنضم إليهم ، ثم لا يلبث أن يفد آخرون من صحبي ، ولاسيما صديقي الشاعر خالد علي مصطفى ( رحمه الله ) فينضمون إلينا ، وشيئاً فشيئاً يتكاثر العدد ، ويتسع المجلس ، وتتعدد أشكال الحوار في شؤون الأدب وصحافته وإصداراته . وكان الحصيري في كل ذلك مستمعاً أكثر منه متحدثاً ، فلا يعلق إلا على ما يهمه ، وإذا علق أوجز وعاد إلى نركيلته .

    ورغم ما كان يحظى به من إعجاب صحبه ومن شهرة بين الأدباء كنا نحن ننظر إليه بحجمه الطبيعي ، فهو في رأينا شاعر ثانوي تقليدي ، يقلد كبار شعراء العربية من المتنبي حتى الجواهري ، وكان يظن أنه خير من ورث هذه السلسلة الذهبية وسار في أثرها ، وحاول تحت ضغط الأفكار الجديدة تجديد صوره الشعرية ، ولكن ( أسطورة الشاعر ) هي ما بقي منه أخيراً وليس ( الشاعر ) على رأي الشاعر سعدي يوسف .

    والحصيري نجفي ، ويذكر سعدي يوسف أنه كان أصغر منضّد حروف في مطبعة الحزب الشيوعي السرية ، وأنه عمل أميناً لمكتبة اتحاد الأدباء عند تأسيسه عام 1960 ، وكان يومها فتى حيياً يحمر وجهه ويتورد إذا مازحه أحد الكبار كالجواهري مثلاً ، ولم يكن عمره يزيد يومئذ عن ثمانية عشر عاماً ( ولد عام 1942) . ولكن هذا الفتى الحيي الغض لم يلبث أن عرف الطريق إلى الخمرة ، فأولع بها حتى صار مدمناً . وهناك من يلوم أشخاصاً معينين كان لهم مجلس شراب يومي في الإتحاد ( سعدي يوسف ورشدي العامل ) ويزعم أنهم هم من استدرجوه إلى هذا الطريق ، وهذا ليس ببعيد في ظني .

حين تعرفت على الحصيري كان قد أدمن ، وكان متبطلاً لا عمل له ، يبيت ليله في فندق رخيص ، ويتنقل في النهار من مقهى إلى مقهى ، وهو يحمل حقيبة جلدية سوداء ، رثة ، منتفخة بمحتوياتها ، ورائحة الخمرة تفوح من حوله ، وكان مصدر رزقه الأساسي ما يبيعه للآخرين من كتاباته ، فإن لم يجد أخذ من هذا أو ذاك من أصدقائه ومعارفه بعض المال ليشتري به زجاجته ، وكنت واحداً من هؤلاء على قلة ذات اليد .

    أذكر أنني جئت المقهى صباح يوم من أيام العيد ، فوجدته جالساً مع الشاعر خالد يوسف فسلمت ، ثم جلست إلى جانبه ، ولم تمض سوى دقائق حتى طالبني بثمن قنينة من العرق ، فاعتذرت وأقسمت له أنني لا أحمل في جيبي سوى مبلغ يسير لي به شأن خاص ، فسكت . ولكن لم تمض سوى دقائق حتى مد يده في جيب سترتي لينتزع منه ما كان يخشخش فيه من دراهم قليلة ، ولم يدعه حتى تمزق واندلعت منه الدراهم ، فراح يلتقطها وهو يضحك منتصراً !

    وأذكر أنه ظفر بي ذات يوم من أيام عام 1969 وأنا في حان في شارع أبي نؤاس مع صديق كرخيّ لا علاقة له بالأدب ، وكنا قد انتهينا تواً وتأهبنا للخروج لحظة دخوله الحان ، فطلب مني أن أشتري له ( ربعية عرق ) فاستجبت لطلبه دون تردد ، ولكن ما إن تسلم ( الربعية ) حتى طالبني بأخرى ، فامتنعت وخرجت ومعي صديقي ، فما كان منه إلا أن تبعنا وراح ينادي خلفنا في الشارع ( شرطة .. أمن .. هذا سامي مهدي .. شيوعي .. إلزموه .. إلزموه .. ) وكان يضحك ! فتركناه ونحن نضحك مثله !

    قلت : إن مصدر رزقه الأساسي ما كان يبيعه من كتاباته . كان يبيعها لأشخاص معينين يطيب لهم أن يُعرفوا بأنهم شعراء وما هم بشعراء . وقد عرفت من هؤلاء في السبعينيات صاحب فندق متواضع يدعى ( ك. خ. ) نظم له الحصيري ديواناً كاملاً نشر بعضه في الصحف ، ثم نشره كاملاً باسمه لقاء إيوائه في فندقه والتكرم عليه بسكرة عند اللزوم . وكان ( ك. خ. ) هذا يجالسنا أحياناً في مقهى البرلمان بوصفه شاعراً !

    وعرفت في الحقبة نفسها محامياً كان يتردد على المقهى نفسه يدعى ( أ. س. ) وكان هو الآخر يشتري من عبد الأمير أبياتاً خمسة من الشعر في كل مرة وينشرها باسمه في الصحف ، لقاء ثلاثة أرباع الدينار . ومن طريف ما يروى عن هذا الرجل أن عبد الأمير كتب له ذات مرة تسعة أبيات خلافاً للإتفاق ، فرفض أن يدفع عن هذه الأبيات أكثر من المبلغ المتفق عليه ، فما كان من عبد الأمير إلا أن يقول له : وماذا أفعل أنا بالأبيات الأربعة ؟!

    صديقي الشاعر حميد سعيد يسمي هذا النوع من الكتابة للغير باسم ( الكتابة السوداء ) . ويروي في ما يرويه في كتيب له عنوانه ( الكتابة ومآلاتها ) أنه حضر ذات يوم فصالاً بين الحصيري والكتبي المعروف عبد العزيز القديفي بشأن كراس ديني كتبه الأول للثاني ، وكان الخلاف بينهما حول تقاسم أرباح مبيعات الكراس .

      حكايات الحصيري وطرائفه كثيرة ، بعضها مسيء دون ريب ، ولكن إدمانه كان يشتد عاماً بعد عام حتى صار يحمل في جيبه قنينته أنّى ذهب ، وقد رأيته أكثر من مرة وهو يدخل بيت الراحة في المقهى ليتجرع فيه ما يتجرعه من الخمرة ، غير أن حالته الصحية كانت تسوء عاماً بعد عام ، كان يتآكل من داخله دون أن يعلم به أحد ، ولم يفلح أحد في إصلاحه .

    أذكر أن محاولة جرت لإصلاحه عام 1976 ، فطلبه أحد المسؤولين ، وقبل أن يذهب لمقابلة المسؤول أُخِذ إلى حمّام شعبي ، واشتريت له ملابس جديدة ، ومنها بدلة كاملة سوداء ، وأربطة عنق ، ثم أعطي بعدئذ مبلغاً كبير1ً من المال ، وأوصي بطبع دواوينه ، ولكن لم تمض على ذلك سوى مدة وجيزة جداً حتى عاد إلى حياته المعتادة .

     وفي يوم من أيام عام 1978 تلقيت خبر وفاته وأنا في باريس فأسفت لذلك أشد الأسف . وهكذا ذهب الحصيري الشاعر وبقيت منه أسطورته .

Read Previous

حزب سوداني يدعو لإلغاء الطوارئ وإطلاق سراح المعتقلين

Read Next

صدور التنظيم القانوني للذكاء الإصطناعي للدكتور خالد ممدوح ابراهيم

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.