الفصائل المسلّحة في العراق على محكّ الخسارة السياسيّة

كتب: عقيل عباس

فيما يوشك السباق الانتخابي العراقي على الختام وبدء التنافس السياسي لتشكيل الحكومة المقبلة، تُثار الكثير من الأسئلة بخصوص المسار الذي سيمضي فيه البلد. يتعلق أحد هذه الأسئلة الكبرى بالمعنى الفعلي للخسارة الانتخابية لقوى سياسية – ميليشياوية متنفذة في المشهد السياسي، وتحديداً كتلة الفتح التي تنضوي فيها الفصائل المسلحة التي تُعرّف نفسها على أنها الطرف العراقي في محور المقاومة الإقليمي بقيادة إيران. فإذا استطاعت الدولة العراقية إنجاز انتخابات نزيهة تخسر فيها أطراف سياسية قوية، كان يُظن الى وقت قريب أنه لا يمكن مسّها، فهل تستطيع هذه الدولة ضمان تحول الخسارة الانتخابية الى خسارة سياسية كما يُفترض أن تكون الحال في أي نظام فيه تداول انتخابي للسلطة؟ يرتبط الجواب عن هذا السؤال بنوعية المساومات السياسية التي ستبرز في إطار التنافس السياسي لتشكيل الحكومة.

بالطبع، تحول الخسارة الانتخابية الى خسارة سياسية ليس أمراً مفروغاً منه في النظام البرلماني كالنظام السياسي العراقي، بعكس النظام الرئاسي الذي يكون فيه الفوز والخسارة واضحين وحاسمين منذ البدء. بإمكان الخاسر الانتخابي، في النظام البرلماني، أن يدخل في حكومة ائتلافية تضمن بقاءه في السلطة عبر تحالفه مع أطراف أخرى حائزة مقاعد برلمانية. عراقياً، سيحدد هذا الأمر التيارُ الصدري، الفائزُ بعدد المقاعد الأعلى والأكثر احتمالاً بأن يُكلف بتشكيل الحكومة. لحد الآن لم يكشف التيار الصدري عن أوراقه بخصوص تحالفاته المقبلة، بعكس حركات سياسية أخرى، بسبب قلقها، سارعت لإعلان تحالفاتها أو نياتها بتحالفات مستقبلية، لقطع الطريق على التيار الصدري، فيما ينتظر الأخير، الواثق في سلوكه لحد الآن، رسوخ النتائج الانتخابية عبر مصادقة المحكمة الاتحادية عليها قبل الكشف عن تحالفاته لتشكيل حكومة ائتلافية بقيادته.

أياً تكن خطط الصدريين، فإن التحدي الذي يواجهونه هو انسجام هذه الخطط مع إعلانات التيار بخصوص أمرين. الأول تشكيل حكومة أغلبية سياسية حقيقية، وليست تجميلية يكون ظاهرها أغلبوياً وجوهرها توافقياً. الثاني، الالتزام بالوعد الذي أطلقه زعيم التيار، مقتدى الصدر، بتفكيك الفصائل المسلحة وإعادة هيكلة الحشد الشعبي على نحو يضمن احتكار الدولة للسلاح. سيمثل تحقق هذين الأمرين خطوةً هائلة إلى الأمام في قصة عراق ما بعد 2003. سيفتح النجاح في هذين الأمرين الباب أمام إصلاحات مهمة تالية.

المفتاح للإنجاز في هذين الملفين، حكومة الأغلبية واحتكار الدولة للسلاح، هو حسم وضع الفصائل المسلحة عبر الوسائل السياسية والمؤسساتية السلمية، بدلاً من العسكرية، برغم الغضب الشعبي الهائل ضد هذه الفصائل، والتعطش لحل عنيف ضدها إذا لزم الأمر. يمكن للحسم السلمي للملفات الصعبة أن يساهم في تشكيل تقليد جديد صحي على قدرة مؤسسات الدولة على إنتاج حلول عقلانية هادئة، بعيداً من التقليد الحالي باستخدام العنف، الراسخ في تأريخ هذا البلد وحاضره. قد تكون هذه لحظة مناسبة لمثل هذه الحلول. ينبغي أن يكون عنف الدولة الخيار الأخير بعد اليأس التام من الخيارات السلمية.

تواجه الفصائل المسلحة الآن أزمةً وجودية قد تدفعها الى خيارات يائسة ومتهورة إذا شعرت أنها ستخسر كل شيء، وتصبح خارج المعادلة الحكومية المقبلة. إحدى وسائل تجنب سيناريوهات العنف المقلقة هي إدخال هذه الفصائل في الحكومة المقبلة، في إطار صفقة سياسية تنزع بموجبها هذه الفصائل أسلحتها، وتُعاد هيكلة الحشد الشعبي ليكون مؤسسة عسكرية مهنية خاضعة للدولة فعلاً وقولاً، وليس مشروعاً إقليمياً سياسياً – مسلحاً كما هو الآن. سيكون القبول بمثل هذه الصفقة أمراً صعباً جداً على الفصائل، لكن انعدام حيز المناورة أمامها سيجبرها على القبول بأقل الخسائر في ظل انعدام خيارات أخرى لها، في حال مصادقة المحكمة الاتحادية على نتائج الانتخابات وإصرار التيار الصدري على استبعادها من أي ائتلاف حكومي، وتفكيكها تالياً عبر أدوات الدولة. تعني هذه الخسائر احتفاظ زعماء الفصائل بامتيازاتهم الشخصية الحالية ومناصبهم في الدولة، مقابل قبولهم بفقدان تأثيرهم السياسي والميليشياوي.

لن يكون مثل هذا الخيار الصعب على الفصائل ممكناً من دون إحساس زعمائها بعجز إيران عن إنقاذهم سياسياً وميليشياوياً. بعكس القناعة المغلوطة والواسعة عراقياً بأن هيمنة إيران في البلد مطلقة لا تستطيع أي وقائع عراقية أن تقف بوجهها، تدرك إيران جيداً أن لنفوذها في العراق حدوداً من مصلحتها أن تراعيها تجنباً لخسارات أشد. ازداد هذا الإدراك وضوحاً وحضوراً في الذهن السياسي الإيراني، على إثر الوقائع العراقية الجديدة التي أفرزتها حركة احتجاجات تشرين. فثمة مؤشرات جدية بأن إيران تعيد التفكير بسياستها وخياراتها الاستراتيجية في العراق التي ساهم سوؤها في فقدانها أي تعاطف شعبي حقيقي عراقي معها. كان تغول الفصائل المسلحة وفساد الأحزاب الإسلامية الشيعية المتحالفة مع الجمهورية الإسلامية من بين الاستثمارات الإيرانية السيئة في العراق التي كلفت إيران كثيراً في ما بعد، كما ظهر في الانتخابات العراقية الأخيرة التي كان حلفاء إيران أكبر الخاسرين فيها. لذلك تبدو إيران حتى الآن مترددة في الدخول بقوة في ملف تشكيل الحكومة العراقية، بعكس ما اعتادته في السابق.

سيكون من الحمق تفويت هذه الفرصة السياسية النادرة لتفكيك الفصائل المسلحة التي تقوّض سلطة الدولة وتنافس الصدريين. الصدريون هم الطرف السياسي الأقدر عراقياً على التعاطي مع ملف الفصائل المسلحة ونفوذ إيران عبرها، إذا تمسكوا بخطابهم الحالي وحوّلوه إلى وقائع على الأرض، ورفضوا المساومات الانتهازية المعتادة التي لجأت لها القوى السياسية العراقية بعد 2003 وقادت البلد الى المأزق الحالي العميق الذي يعيشه اليوم.

Read Previous

دعوة بستاني إلى «إهمال» الحدائق تثير الجدل في فرنسا

Read Next

جورجيّون يلوّحون بإضراب عن الطّعام تضامناً مع ساكاشفيلي

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.