صار السّكان 40 مليوناً.. صعوبات تواجه تنظيم الأسرة العراقيّة

كتب: رستم محمود

فيما تتوقع الأوساط الحكومية العراقية مزيداً من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على الأحوال العامة في البلاد خلال السنوات المقبلة، بفعل الزيادة السكانية “الانفجارية” التي يشهدها العراق منذ سنوات، في غياب تنمية اقتصادية وبشرية موازية، تجاوز تعداد سكان العراق الـ40 مليون نسمة هذا العام. وفي وقت تراكم المزيد من الديون على الخزينة العامة، وتراجعت فرص العمل ومستويات مداخيل المواطنين، حذّر تقرير استقصائي نشره مركز “نوفيلد” للصحة والتنمية الدولية، التابع لجامعة ليذر البريطانية، من  العقبات التي تحول دون تنفيذ أي سياسيات حكومية لضبط الأسرة وتنظيمها في كل مناطق العراق، وذلك بغية خلق نوع من الموازنة بين تطور القطاعات التعليمية والاقتصادية والاجتماعية والسكانية بوتائر متوازنة في ما بينها.

التقرير أشار إلى أن غالبية واضحة من العراقيات يملكن رغبة في تنظيم عمليات الإنجاب بعد إنجاب أول طفلين، إلا أن غالبيتهن لا تتمكنّ من الوصول إلى المرافق والمؤسسات الصحية التي تستطيع أن توفر مثل تلك الخدمات، بسبب ارتفاع الرسوم مقارنة بمتوسط دخل الأسرة العراقية، إلى جانب الهواجس الأساسية المتعلقة بالخوف من التمييز والوصم الاجتماعي التي قد تتأتى من عمليات البحث ومراجعة مراكز المعلومات والخدمات الصحية الجنسية والإنجابية. فثمة مخاوف شديدة من مستويات الثقة وحفظ الخصوصية والسرية في تلك المراكز والكوادر العاملة فيها.

وجاء في التقرير أن 6 بالألف فقط من النساء العراقيات أظهرن استعداداً لتقديم الأموال مقابل الاستفادة من برامج تنظيم الأسرة وأدواته، وأن نسبة قليلة من النساء الساكنات في المدن فقط يُقدمن على استخدام وسائل تنظيم الأسرة المجانية، مثل حبوب منع الحمل، مقابل رفض الأوساط الريفية أي وسيلة كانت.

معدّو التقرير أشاروا إلى الدور الكارثي الذي تلعبه قلة المعرفة والمعلومات عن وسائل تنظيم الإنجاب في فشل عمليات التنظيم. فأكثر من 44 في المئة من المستطلعين قالوا إن سبب عدم إقدامهم على استخدام وسائل التنظيم الطبية هو مخاوفهم من الآثار الصحية الجانبية لعملية الاستخدام، بالرغم من عدم صحة معلوماتهم حول الآثار الجانبية المتوقعة. كذلك فإن 25 في المئة من الرجال في إقليم كردستان العراق أعلنوا قبولهم باستخدام الواقي الذكري، مقابل رفض 71 في المئة من مجموع الرجال العراقيين استخدام الواقي الذكري لأي سبب كان، فهم يربطون استخدام الواقي الذكري بمجموعة من النتائج الصحية الخاطئة تماماً، إلى جانب ما يعتقدون أنها آثار مستقبلية على صحتهم الجنسية، بالرغم من عدم صحة معلوماتهم مطلقاً.

وكانت وزارة الصحة العراقية قد أعلنت في أوقات سابقة عن وجود 2680 مركزاً للرعاية الصحية تحت إدارتها في عموم البلاد، أكثر من نصفها يُعدّ رئيسياً، تتوفر فيها مختلف أنواع الخدمات، بما في ذلك مكاتب لشؤون تنظيم الأسرة والرعاية بعد الولادة والصحة الجنسية والإنجابية، إلى جانب 24 مركزاً في عموم العراق، مختصة بهذا القطاع تحديداً، يعمل فيها 544 موظفاً وطبيباً استشارياً. ويبدو العدد الكلّي متواضعاً للغاية، إذ ثمة مركز واحد اختصاصي لكل 1.8 مواطن عراقي، ولا تقوم هذه المراكز عادة بأدوار حيوية في الحياة العامة، فهي تعمل كمؤسسات بيروقراطية فحسب، يستفيد موظفوها من قِلة الإقبال عليهم.

المستشارة القانونية والناشطة الحقوقية الدكتورة زوزان إبراهيم شرحت، في حديث الى “النهار العربي”، الأدوار الأساسية التي يلعبها الجانبان القانوني والحقوقي في عملية تنظيم الأسرة والسيطرة على الزيادة السكانية في العراق، وقالت: “ثمة علاقة طردية بين الزيادة غير الصحية لحجم الأسرة الواحدة ومستويات وعي النساء بحقوقهن وقدرتهن على نيل تلك الحقوق داخل الحياة الأسرية. ففي العراق، وحينما تقفز نسبة النساء المتزوجات دون السن القانونية إلى قرابة 24 في المئة من مجموعة حالات الزواج الحديثة، تكون أعمار 20 في المئة منهن حتى دون 15 عاماً أثناء الزواج، فإن ذلك يدل الى تهتّك مريع في إمكان السيطرة على الزيادة السكانية عن طريق زيادة وعي النساء بحقوقهن، سواء الاجتماعية أم القانونية أم الصحية أم الاقتصادية، فالأساس هو إقناع النساء بضرورة خلق موازنة ما بين دورهن داخل الأسرة وخارجها”.

تضيف إبراهيم: “على الأقل، نصف النساء لديهن موقف سلبي من عمليات تنظيم الأسرة، إلى جانب الغالبية المُطلقة من الرجال، وهذا متأت من نوعية أدوار المناهج والكوادر التربوية في خلق وعي سلبي لدى الشبان والشابات تجاه عمليات تنظيم الأسرة. الأمر نفسه ينطبق على دور القانون في حماية حقوق النساء الحريصات على الدفاع عن حقهن في تحديد حجم العائلة، من دون تعرضهن لأي عنف عائلي أو قانوني، مادي ورمزي”.

الاستطلاعات التي جرت على عيّنات من المتزوجين الجدد، أشارت إلى أن هؤلاء لا يستعجلون إنجاب الأطفال بعد الزواج مباشرة، وأنهم غالباً ما يخططون لإنجاب 2-3 أطفال، خصوصاً من أبناء المدن وذوي الأعمال الأكثر حرفية والمهن المعتمدة على التعليم، إلا أنه نادراً ما يلتزمون بتلك المُحددات، فـ51 في المئة من النساء القادرات والعاملات قبل الزواج، عادة ما يتخلين عن الرغبة في العمل بعد سنوات قليلة من الزواج، ويتفرغن للإنجاب والعمل الأسري.

Read Previous

هل خيّب بايدن الآمال في 2021؟

Read Next

المغرب: توقيف أساتذة “الجنس مقابل النقط” مؤقتاً عن العمل

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.