هل خيّب بايدن الآمال في 2021؟

كتب: جورج عيسى

أكثر من عام مضى على فوز جو بايدن بالرئاسة الأميركيّة. كانت قيمة الفوز مضاعفة لأسباب عدّة. أثبت بايدن صحّة رهانه أمام كلّ من شكّك بإمكاناته في إلحاق الهزيمة بدونالد ترامب وفي مقدّمهم باراك أوباما الذي نبّهه إلى أنّه ليس مضطّراً للترشّح. كذلك، نجح بايدن بدخول البيت الأبيض بعد طول عناء. فهو ترشح مرتين في السابق إلى الانتخابات من دون أن يحالفه الحظ. الأهمّ من ذلك أن الظروف التي أحاطت فوز بايدن، على الرغم من صعوبتها، مكّنته من أن يقدّم نفسه كمنقذ للأميركيّين: أوّلاً من فيروس “كورونا” الذي حصد حتى تشرين الأول (أكتوبر) 2020 أكثر من مئتي ألف ضحية، وثانياً من الفوضى في البيت الأبيض ومن الاستقطاب الداخليّ العميق. وكان الأخير قد وصل إلى ذروته في السادس من كانون الثاني (يناير)، حين دعا ترامب الجمهوريّين للتظاهر أمام الكونغرس من أجل الضغط على المشرّعين لرفض المصادقة على الانتخابات. انتهى اليوم الشهير باقتحام مبنى الكابيتول من قبل متظاهرين مؤيّدين لترامب وسقوط عدد من الضحايا.

لا شكّ في أنّ معالجة الاستقطاب الداخليّ بالغة الصعوبة. لم ينتظر أحد أن يتمّ إلغاء مفاعيل عقود من الانقسامات الداخليّة بين الديموقراطيّين والجمهوريّين خلال عام. لكن على الأقل، أمكن أن تعود واشنطن إلى سياساتها التقليدية، بعيداً من كيل الاتهامات عبر “تويتر”، ومع خطابات أقلّ حدّة. وكان حظر حساب ترامب على “تويتر” بسبب أحداث الكابيتول عاملاً مساعداً للرئيس الجديد وفريق عمله. بالمقابل، بدت مواجهة “كورونا” أكثر سهولة.

وعد بايدن بالإصغاء إلى العلم واستنباط السياسات الوبائيّة المناسبة. ساعده في ذلك حصول لقاحي “فايزر” و”موديرنا” على ترخيص الاستخدام الطارئ في كانون الأول (ديسمبر) 2020. وعلى المستوى الدوليّ، كلّ ما كان يتوجّب على بايدن فعله هو إعادة تعزيز العلاقات مع الحلفاء والشركاء التاريخيّين. بذلك، كانت انطلاقة بايدن الرئاسية واعدة. في نهاية المطاف، لم يكن بالإمكان توقّع أن تسوء الأمور أكثر ممّا كانت عليه بين تشرين الثاني (نوفمبر) 2020 وكانون الثاني (يناير) 2021.

المصالحة… هذه الخطوة ناقصة؟

حمل خطاب بايدن يوم التنصيب، كما كان متوقّعاً، دعوة إلى المصالحة والتشديد على الدفاع عن الديموقراطيّة “الهشّة”. ووعد بايدن الأميركيّين بأنّه سيكون رئيساً للجميع، أكانوا مؤيّدين أو معارضين له. وبما أنّ بايدن لا يقدّم نفسه كيساريّ أو كليبيراليّ، بل كوسطيّ، أمِل أن يسرّع شفاء المجتمع الأميركيّ من الاستقطاب الثقافيّ. لكنّ الشعار كان أسهل من الفعل، بشكل غير مفاجئ. الصراع بين اليسار والمحافظين على “نظرية الأعراق النقديّة” لا يزال في أوجه. تقوم النظريّة التي تعود إلى السبعينات على أنّ الهيكليّات القانونيّة والاقتصاديّة في الولايات المتحدة تديم العنصرية، وهو أمر يرفضه الجمهوريّون والمحافظون بشكل عام. ونبّه خبراء إدارة بايدن من أنّ نجاحها في التواصل مع الجمهوريّين لصوغ سياسات مشتركة ليس مجرّد خير عام، بل هو يرتبط بالأمن القوميّ الأميركيّ.

ولم ينجُ بايدن من سياسات الاستقطاب حتى حول قضايا مثل الإجهاض. وتشير أرقام إلى أنّ نسبة الأميركيّين المتأرجحين الذين قد يبدّلون آراءهم في المرشّحين الرئاسيّين أقلّ من 10 في المئة، وهذا يعني أنّ الغالبيّة الساحقة من الأميركيّين حاسمة لقناعاتها مهما تبدّلت الظروف. ومع استمرار تسييس أو تحزيب مواضيع العرق والجرائم والحدود على مستوى النقاشات الثقافيّة المحتدمة، من غير المتوقّع تحقيق أيّ خرق لجهة تخفيف حدّة الاستقطاب قريباً. ربّما تحتاج الولايات المتّحدة فعلاً إلى “قمّة وطنيّة” لمعالجة هذا الخلل. لكنّ الأكيد أنّ بايدن كان يفضّل رؤية مؤشّرات أفضل عن ردم الهوّة الأميركيّة بعد عام على فوزه بالانتخابات.

المحيّر في الاقتصاد

الوضع الاقتصاديّ الذي احتلّ أولوية متقدّمة على أجندة بايدن ليس في أفضل أحواله بسبب التضخّم. في تشرين الأول (أكتوبر)، أظهر مؤشر أسعار المستهلك ارتفاع الأسعار بنسبة 6.2 في المئة خلال الأشهر الاثني عشر الماضية. وطال هذا الارتفاع السلع والخدمات الأساسية مثل السكن والغذاء والسيارات والشاحنات الجديدة والمستعملة. نقص الإمدادات وارتفاع الطلب بفعل البدء بالخروج التدريجي من جائحة “كورونا” (قبل ظهور متحوّر “أوميكرون”) مسؤولان جزئياً عن التضخم. كان ارتفاع الأسعار هذا هو الأعلى منذ ثلاثة عقود. كذلك، يكافح أرباب العمل لملء قرابة 11 مليون وظيفة شاغرة، منها أكثر من مليون وظيفة يشغلها عمال مهاجرون منعتهم الجائحة من التوجه إلى الولايات المتحدة. وهذا يساهم بدوره في إبطاء عجلة الاقتصاد. ونقص سائقي الشاحنات هو أحد أسباب اختناق سلسلة الإمدادات في الولايات المتحدة.

مع ذلك، ساعدت حزمة الإنقاذ التي أقرّتها الإدارة والبالغة قيمتها 1.9 تريليون دولار في تقليص نسبة البطالة من 6.2 في المئة في شباط (فبراير) إلى 4.2 في المئة في تشرين الثاني (نوفمبر)، بحسب “بلومبيرغ” التي ذكرت أنّ إدارة بايدن تحتلّ الصدارة بالمقارنة مع إدارات الرؤساء السبعة السابقين في الأداء الاقتصاديّ بالاستناد إلى 10 مؤشرات للسوق والاقتصاد. مع ذلك، يرى آخرون أنّ الأسعار المرتفعة على رفوف المتاجر تؤذي العائلات الأميركيّة إلى حدّ بعيد، خصوصاً أنّ الشعور المتشائم لدى الأميركيّين تجاه الوضع الاقتصاديّ، تعكسه استطلاعات رأي عدّة. مهمّة بايدن في 2022 قد تكون في ردم الهوّة بين أدائه الاقتصاديّ الفعّال من جهة، وبين السلبيّة التي يشعر بها الأميركيّون بسبب ارتفاع الأسعار المطّرد من جهة أخرى. وكبح جماح التضخّم هو المدخل الأساسيّ لإنجاح المهمّة.

“كورونا” ورفع سقف التحدّي

من بين الملفّات العالقة، بدا أنّ مواجهة وباء “كورونا” كانت الأسهل. كلّ ما كان متوجّباً على الإدارة هو اتّباع نصائح العلماء فيصبح الوباء بحكم المنتهي. أو هكذا على الأقلّ كانت سرديّة بايدن، خصوصاً خلال حملته الانتخابيّة. لكنّ العلم نفسه حذّر من قوانين الطبيعة التي حكمت على الفيروسات بالتحوّر، وهذا ما حصل أخيراً مع “أوميكرون”. وسارع خصوم بايدن إلى تذكيره بجملته الشهيرة خلال المناظرة التلفزيونية الثانية مع ترامب والتي قال فيها إنّ رئيساً شهدت ولايته وفاة أكثر من 220 ألف شخص بسبب الجائحة “يجب ألّا يبقى رئيساً للولايات المتحدة”. ومن أواخر كانون الثاني (يناير) حتى أوائل تشرين الثاني (نوفمبر)، فقدَ 332 ألف أميركيّ حياتهم بسبب “كورونا”. لا يتحمّل بايدن وحده مسؤوليّة الوفيات ولا المتحوّر الجديد ولا الأشخاص الرافضون تلقّي اللقاح على الرغم من حملات التوعية. فمواجهة الجوائح تتطلّب تضافراً دوليّاً لتسريع التلقيح في الدول النامية كي يتمّ إبطاء عمليّات التحوّر، كما تتطلّب سلطة داخليّة أكثر مركزيّة وهو أمر غير متوافر في دولة لا مركزيّة كالولايات المتحدة. ومع إرخاء الاستقطاب الداخليّ بثقله على كيفيّة تقييد الجائحة، بين من يرى أنّ الدولة تبالغ في فرض القيود للحدّ من الحرّيّات الفرديّة ومن يردّ بأنّ هذه القيود ضرورية للتخفيف من تداعيات “كورونا”، يصبح فرض سياسة وبائيّة متجانسة أكثر صعوبة.

وبرز رافضون لفكرة إلزاميّة اللقاحات على موظّفي الشركات علماً أنّهم أخذوا جرعتين على الأقلّ من اللقاح. وهنالك من يتّهم أيضاً الإعلام المحافظ بزيادة التشكيك في فاعليّة اللقاحات. يضاف إلى كلّ ذلك أنّ بايدن استطاع الوفاء بوعده حين قال إنّه سيوزّع 100 مليون لقاح في أوّل مئة يوم من ولايته. على الرغم من كلّ ذلك، قد لا يتذكّر الأميركيّون سوى الحصيلة النهائيّة. حتى قبل نهاية 2021، خسرت الولايات المتحدة عدداً أكبر من الضحايا بسبب الجائحة بالمقارنة مع 2020. ربّما لم يكن يتوجّب على بايدن رفع سقف التحدّي إلى هذا الحدّ عندما قال في المناظرة: “سأنهي ذلك” الوباء.

الأزمات الخارجيّة

في السياسة الخارجيّة أيضاً، ساد تصوّر بأنّ بايدن سيعيد النظام إلى آليّة صناعة القرار، بما أنّه السيناتور الذي أمضى قرابة 12 عاماً في رئاسة أو نيابة رئاسة لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ. لكنّ سياسته الخارجيّة غالطت التصوّر الأوّليّ. صحيح أنّ العالم لم يحبس أنفاسه على وقع تغريدات “النار والغضب” التي كان يتوعّد ترامب من خلالها الزعيم الكوريّ الشماليّ كيم جونغ أون. لكن حين كانت قرارات خارجيّة تتطلّب المزيد من التمهّل، أحجم بايدن عن ذلك. عقد الرئيس الأميركيّ قمّته الأولى مع نظيره الروسيّ من دون أن يتشاور مع حلفائه الأوروبيين قبل ذلك. وانطبق الأمر نفسه على قراره بالانسحاب من أفغانستان. وحين أراد تعزيز حضوره في منطقة الإندو-باسيفيك، كاد يطيح الحضور الفرنسيّ هناك مع إلغاء أستراليا صفقة الغوّاصات الفرنسيّة لصالح غوّاصات أميركيّة نوويّة من دون وضع باريس في أجواء التفاوض. أدّى ذلك إلى أسوأ أزمة ديبلوماسيّة بين البلدين منذ تأسيس العلاقات قبل نحو 250 عاماً.

أدّت كلّ هذه الأخطاء إلى إلحاق المزيد من الأضرار بالعلاقات العابرة للأطلسيّ، وهي أضرار لم يكن يتوقّعها أكثر المراقبين تشاؤماً. حتى أنّ دبلوماسيّين أوروبيين قالوا إنّ إدارة ترامب استشارتهم في السياسة الخارجيّة أكثر ممّا فعلت الإدارة الحاليّة. وتسبّبت سياسات بايدن بتآكل الهيبة الأميركيّة إذ تفرض الصين وإيران وخصوصاً روسيا تهديدات جدّيّة على إرث بايدن في السياسات الخارجيّة، على اعتبار أنّ روسيا على مشارف شنّ اجتياح في أوكرانيا، والصين تفكّر في إعادة ضمّ تايوان بالقوّة، بينما تقترب إيران من أن تصبح دولة نوويّة. وهذا التصعيد قد يؤثّر في إمكانيّة قيادته سياسة مناخيّة دوليّة، إلّا في حال قدّم تنازلات بارزة إلى روسيا والصين في الملفّات التي تعنيهما بشكل مباشر.

مرحلة رئاسيّة جديدة

يستقبل بايدن سنة 2022 وهو في حالة سياسيّة سيّئة. شعبيّته تراجعت من 54 في المئة بين كانون الثاني (يناير) وشباط (فبراير) إلى أقلّ من 44 في المئة حاليّاً. والفارق بين نسبتي التأييد والمعارضة كان زائداً 7 في المئة في أوائل ولايته قبل أن يصبح حاليّاً ناقصاً 8 في المئة مع ما يعنيه ذلك من خسارة صافية بلغت 15 في المئة. وقد دفع حزبه ثمن ذلك في الانتخابات الخاصة لولايتي فرجينيا ونيو جيرسي. والأسوأ من ذلك، أنّ الرئيس الأميركيّ تلقى ضربة قويّة من السيناتور الديموقراطيّ جو مانشين الذي قال في 19 كانون الأول (ديسمبر)، وعلى شاشة “فوكس نيوز” تحديداً، إنّه لن يوقّع على مشروع قانون “إعادة البناء بشكل أفضل” والبالغة قيمته قرابة تريليوني دولار. لقد نجح بايدن في تمرير مشروع قانون الإغاثة في مواجهة “كوفيد-19” بقيمة 1.9 تريليون دولار في آذار (مارس) الماضي ومشروع قانون البنية التحتيّة في تشرين الثاني (نوفمبر) بقيمة 1.2 تريليون دولار. لكن قد تتوقّف نجاحاته عند هذا الحدّ إذا لم يتمكّن من إقناع مانشين بتغيير رأيه.

الآن، سيبدو الرئيس الذي وعد الأميركيّين بالقدرة على مدّ الجسور بين الحزبين عاجزاً عن مدّها داخل حزبه. وانتشرت تقارير أيضاً عن خلافات بين فريقه وفريق نائبته كمالا هاريس. لهذه الأسباب وغيرها، يعتقد البعض أنّ بايدن دخل مرحلة جديدة في ولايته قائمة بشكل كبير على “رد الفعل” و”إدارة الأزمات” بدلاً من حلّها. لكن هل تكفي “إدارة الأزمات” في سنة انتخابيّة صعبة؟ وماذا عن الأزمات الخارجيّة؟ هل ينجح بايدن بـ”إدارتها” أم تنفجر إحداها ناسفة أي فرصة لحزبه بالاحتفاظ ولو بمجلس واحد من الكونغرس؟ بانتظار الأجوبة، لا شكّ في أنّ عطلة الأعياد الحاليّة لن تكون الأهدأ بالنسبة إلى بايدن.

Read Previous

كشف حساب لعام 2021 لمجلس التعاون الخليجي – د. محمد صالح المسفر

Read Next

صار السّكان 40 مليوناً.. صعوبات تواجه تنظيم الأسرة العراقيّة

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.