هل نجا العراق من حرب أهليّة أخرى؟

كتب: سميح صعب

بعد قرار المحكمة الاتحادية العليا في العراق في وقت سابق من هذا الأسبوع، القاضي برفض الطعون في نتائج الانتخابات التشريعية التي أجريت في 10 تشرين الأول (اكتوبر)، وقبول تحالف الفتح الذي يمثل الأذرع السياسية لفصائل الحشد الشعبي بالقرار، بدأ العراق مرحلة اختيار رئيس الوزراء الجديد، وتجنّبت البلاد حرباً أهلية أخرى.

واللافت، أن قوى الإطار التنسيقي التي تضم في غالبيتها فصائل الحشد الشعبي، سارعت إلى الاجتماع مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الذي تبوأت كتلته مركز الصدارة في الانتخابات، في سياق المشاورات لتحديد اسم رئيس الوزراء. وبما أن الإطار التنسيقي يمثل وزناً سياسياً لا يمكن تجاهله ويحظى بدعم من إيران، فإن الواقعية السياسية تقتضي الوقوف على رأيه في تحديد مسارات المرحلة المقبلة. وتجدر الإشارة إلى كتلة “دولة القانون” التي يترأسها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، فازت بـ37 مقعداً، أي أنها القوة الثالثة في البرلمان الجديد، وهي منضوية تحت لواء الإطار التنسيقي. ويمكن في حال ضم هذه الكتلة إلى مقاعد كتلة الفتح التي فازت بـ17 مقعداً، فضلاً عن بعض المستقلين، أن تشكل القوة الثانية في البرلمان. ولعل من المفيد التذكير أيضاً بأن كتلة الفتح كانت تحتل القوة الثانية في البرلمان المنتهية ولايته.

وبعد حكم القضاء العراقي الذي لم يجد أدلة على عمليات تزوير واسعة النطاق، من شأنها إحداث تغيير جوهري في النتائج، هناك أسئلة عدة يجب أن تطرحها قوى الإطار التنسيقي على نفسها: لماذا لم يكن أداء هذه القوى مقنعاً للناخبين العراقيين؟ ولماذا عزف الجيل الشاب الذي شارك في احتجاجات تشرين الأول 2019، في الذهاب إلى صناديق الاقتراع؟ ولماذا أتت نسبة المشاركة في الاقتراع، الأدنى منذ عام 2005؟ ومع أن أحداً، بمن فيهم أميركا، لا ينكر الدور الرئيسي للحشد الشعبي في التصدي لتنظيم “داعش”، فالسؤال: لماذا فقدت هذه الفصائل الكثير من مؤيديها في العامين الماضيين؟

استناداً إلى تعامل القوى الأمنية وبعض فصائل الحشد مع المحتجين على مدى عامين، فقد الشباب العراقي الأمل بإحداث تغيير عبر الانتخابات، ولذلك أحجم عن المشاركة فيها. ربما في ذلك بعض جواب عن السؤال الأخير.

وبالنسبة إلى الذين شاركوا في الانتخابات، فإنهم فضلوا الاتجاه نحو مقتدى الصدر الذي تبنى خطاباً نأى فيه بنفسه عن الانحياز إلى إيران أو إلى أميركا، القوتين اللتين تتصارعان على النفوذ في العراق. كان هذا سبباً رئيسياً في استقطاب الصدر للعراقيين الذين يريدون التأسيس لتيار ثالث يرفض أن يكون إما “إيرانياً” أو “أميركياً”، ويدعو إلى استعادة العراق لدوره كلاعب إقليمي مهم، وكعامل توازن بين القوى الأخرى في المنطقة.

وعلى رغم هزالة الانتخابات الأخيرة، فإنها لم تكن تستحق أن تكون سبباً في إطلاق شرارة حرب أهلية جديدة في العراق، البلد الذي دمّره الغزو الأميركي وقضى على مقدراته، بحجة كاذبة أطلقها جورج بوش الابن حول امتلاك العراق أسلحة للدمار الشامل. وأتى “داعش” ليرتكب فظائعه عام 2014.

والعراق اليوم هو أحوج ما يكون إلى تآزر جميع قواه السياسية والأمنية للعبور إلى مرحلة من الاستقرار، كي تبدأ عملية إعادة الإعمار ويقضى على الفساد المستشري في صفوف طبقته السياسية، ويوفر أبسط مقوّمات العيش الكريم لأبنائه حتى لا يبقوا تائهين يفتشون عن منفذ للوصول إلى أوروبا، سواء من طريق بحر إيجه أو بحر المانش أو الحدود البيلاروسية – البولندية. كل هذه المناطق تحولت مقابر لعراقيين يفتشون فقط عن الرحيل، وفقدوا الأمل ببناء وطن حقيقي يحترم أبناءه ولا يستخدمهم وقوداً في حروب داخلية أو في صراعات قوى كبرى، على حساب العراق.

لو تأملت القوى العراقية بكل أطيافها للحظة واحدة في العراقيين التائهين في البحار والبراري، بحثاً عن لقمة عيش وحياة كريمة، لما ترددوا أبداً في الإسراع بالتوصل إلى اتفاق على اسم رئيس الوزراء الجديد، والمضي في عملية بناء الهياكل السياسية الخالية من الفساد والمحسوبية والاستزلام.

إن العراق يستحق مثل هذه الوقفة.

Read Previous

النيويورك تايمز: السعودية تسعى إلى التحوّل مركزاً للثقافة والسينما مع تراجع بيروت وبغداد والقاهرة ودمشق

Read Next

المتخلفون ليسوا في بلادنا فقط.. مؤيدون لترامب يستذكرون اقتحام الكابيتول ويصفونه بـالمدهش

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *