تاريخ قاهري مهدّد.. مراقد رموز مصرية شهيرة

القاهرة – عبدالحليم حفينة

في مساحة تتسع لنقيضين، الموت والحياة، كما هو الحال في قرافة الإمام الشافعي، يوجد الكثير من إرث المصريين الثقافي والديني. وبعد انتشار أخبار تُفيد بعزم السلطات المصرية على هدم عدد من مقابر القرافة، لم يتوقف الجدل طيلة أشهر، بسبب ما يمثله المكان من رمزيات عديدة.

وتعد قرافة الإمام الشافعي الواقعة شرق العاصمة المصرية، عند سفح جبل المقطم، جزءاً من النسيج العمراني لمدينة القاهرة التاريخية، إذ تقع داخل حدود المدينة المسجلة كموقع تراث عالمي، إذ سجّلته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “يونيسكو” عام 1979.

وتعرف مقابر الشافعي بالقرافة الصغرى، وتمتد من شارع صلاح سالم حتى مشارف جامع بن طولون، أمَّا القرافة الكبرى (قرافة المماليك) فتقع في منطقة الدراسة، وتصل حتى مشارف مدينة نصر شمالاً، وجنوباً تدخل فيها قلعة الجبل وما يجاورها من مقابر وأضرحة.

وفي شباط (فبراير) الماضي، أعلنت محافظة القاهرة عزمها على نقل 2760 مقبرة من المقابر بمحيط الإمام الشافعي والإمام الليثي، ضمن خطة تطوير مسار آل البيت، والتي تقع أيضاً في مسار كوبري يجري تنفيذه، للربط بين ميدان السيدة عائشة، ومحور الحضارات.

ومع دخول هذه القرارات حيز التنفيذ في الآونة الأخيرة، ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي باعتراضات المهتمين بالتراث، معتبرين إزالة جزء من القاهرة التاريخية طمساً لهوية المكان.

“النهار العربي” استطلع القصة من موقعها، حيث قمنا بجولة في مدينة الموتى، التقينا فيها بالأهالي والمهتمين بالتراث، كما تحدثنا إلى المسؤولين.

الأهمية التاريخية

مُنحت “القرافة” اسمها نسبة لقبيلة بني قرافة التي سكنت أرضاً بالقطاع الشرقي للفسطاط عاصمة مصر إبان الفتح الإسلامي، وسميت منطقة المدافن التي نشأت بينها وبين المقطم نسبة إليها، ومع الوقت صار اسم “القرافة” يشير إلى المقابر التي نعرفها اليوم في القاهرة.

وعن أهمية القرافة يقول الأستاذ في القصر العيني وأحد المهتمين بالتراث مصطفى الصادق: “تحتوي القرافة على جزء من تاريخ مصر، لأن كل شخص دُفن بها شاهد على جزء من تاريخ هذا البلد”.

ويضيف الصادق لـ”النهار العربي” أن هناك جانباً “له أهمية كبيرة في القرافة، وهو الطرز المعمارية المميزة لكثير من المقابر، وبالأخص التابعة لنخبة الحكم في مصر إبان العصر الملكي”، مشيراً إلى عدد من المقابر، ومنها مقبرة علوي باشا علوي، طبيب الأميرة فاطمة إسماعيل (ابنة الخديوي إسماعيل) الذي ساعدها في بيع مجوهراتها من أجل التبرع لبناء جامعة القاهرة.

ويلفت إلى أن “كثيراً من مباني القرافة أنشأها كبار المعماريين، مثل المهندس الإيطالي إرنستو فيروتشي، كبير المهندسين في السرايات الملكية، وهو من قام بتصميم قصر رأس التين، ومبنى معهد الموسيقى العربية، وإضافات قصر عابدين، وغيرها من المباني المهمة”.

ويتابع: “هناك تركيبات فنية من الرخام غاية في الدقة تتميز بها القرافة، فضلاً عن فن الخط الذي يزخر به المكان، حيث يتنوع بين البارز والغائر”، لافتاً إلى أن “هذه الفنون صُنعت بشكل يدوي، وهو ما يضفي عليها قيمة فنية أكبر”.

ويقترح الصادق أن تقوم السلطات المصرية بالاستفادة مادياً من هذا المكان، إذ يقول: “يمكن إغلاق الشوارع في قرافة الإمام الشافعي، وتحويلها لممشى تاريخي، فيه مسارات تمر على مقابر الشخصيات العامة، مثل عبدالخالق باشا ثروت، والشمسي باشا، وعثمان مصطفى، ومحمد نسيم توفيق، وغيرهم”.

كما يقترح “تدشين مسار لمقابر الأسرة المالكة، ومسار يمر بمقابر الفنانين، حيث ترقد في قرافة الشافعي جثامين فنانين كبار مثل: يوسف وهبي، وأم كلثوم، وعبدالحليم حافظ، وأسمهان، وفريد الأطرش، إلى جانب مسار آخر خاص بالمزارات الدينية، فهناك عديد من أضرحة الأئمة والصالحين، مثل: الإمام الشافعي، والإمام الليثي، وفاطمة العيناء، ويحيي الشبيهي، والقاسم الطيب وغيرهم كثر”.

ردود رسمية

ثمة جهة رسمية معنية بالجدل الدائر، وهي الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، التابع لوزارة الثقافة، وتكمن مسؤولياتها في حفظ وحماية المنشآت التراثية ذات الطابع المعماري المميز، التي لم تسجل ضمن الآثار، ومن بينها بعض المقابر الموجودة في الإمام الشافعي.

ويقول  رئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري المهندس محمد أبو سعدة لـ”النهار العربي” إن “المباني التراثية (مثل المقابر) تخضع لـ3 مستويات من الحماية، مستوى (حماية أ)، حيث يتم الحفاظ على المبنى من الداخل والخارج، ومستوى (حماية ب)، يسمح فيه بالتعديلات الداخلية، مع الحفاظ على الواجهة الخارجية، أمَّا مستوى (الحماية ج) قد يصل إلى الهدم الكامل من الداخل مع  عدم المساس بالواجهة، وهذه الحالة تتعلق بالحفاظ على النسيج العمراني، مثلما يحدث في القاهرة التاريخية والخديوية”.

أمَّا عن وجود نوايا هدم لبعض المقابر بقرافة الإمام الشافعي، يؤكد أبو سعدة “عدم وصول أي مخططات للجهاز القومي للتنسيق الحضاري، تتضمن إنشاء مشاريع داخل القرافة، يترتب عليه عمليات هدم”.

ورغم نفي رئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري لنوايا الهدم، يؤكد سكان أحواش المقابر لـ”النهار العربي”، قيام موظفين حكوميين برفع قياسات للمقابر، “تمهيداً لإزالتها”، مع وجود تأكيدات أخرى من قبل ملاك الأحواش “بتسلُّم إخطارات لإزالتها، مع وجود تعويضات عن كل مقبرة بأخرى مساحتها 30 متراً في مدينة 15 مايو”.

سيناريو قديم

ثمة قصة قديمة عن إزالة قرافة الشافعي تعرج إليها الدكتورة سهير حواس، عضو مجلس إدارة الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، وأستاذة العمارة والتصميم العمراني بجامعة القاهرة، إذ تقول: “كان هناك مخطط قديم قبل ثورة 25 كانون الثاني (يناير) 2011، يستهدف إزالة قرافة الشافعي بأكملها وإقامة حدائق عامة في الموقع ذاته، ضمن رؤية لتنمية إقليم القاهرة الكبرى 2050، لكن هذا المخطط رُفض في حينه”.

وتضيف حواس لـ”النهار العربي” أن “رفض هذا المخطط جاء من منطلق أن منطقة القرافة جزء من القاهرة التاريخية المسجلة كموقع تراث عالمي، وتمزيق القاهرة التاريخية يعني تخريب النسيج العمراني”.

وتستطرد: “في جميع البلدان نجد مقابر الشخصيات الشهيرة والملهمة مفتوحة للزيارة، مثل قبر بيتهوفن وغيره، ولدينا في مصر شخصيات بارزة دفنت في قرافة الشافعي، ويجب أن نحتفي بها، مثل الملكة فريدة، الزوجة الأولى للملك فاروق، إلى جانب السمات المعمارية التي لا يوجد لها مثيل في العالم بأكمله”.

وعن الحالات التي يجوز فيها إزالة مبنى خاضع لحماية الجهاز القومي للتنسيق الحضاري تقول حواس: “إن الحالة الوحيدة لإزالة مبنى مسجل لدينا هو أن يكون المبنى مسجلاً في مستوى (الحماية ج)، ويكون آيلاً للسقوط، ويمثل خطورة داهمة، وحتى في هذه الحالة نوصي بالإنقاذ، لا الهدم”.

وعند وجود مشاريع ذات نفع عام مثل الطرق والمحاور، تشير عضو مجلس إدارة الجهاز القومي للتنسيق الحضاري إلى “ضرورة طرح بدائل تغني عن الهدم، وفي حالة مقابر الإمام الشافعي، لم يعرض علينا أي مشروع، وبالطبع لم تقدم بدائل”.

Read Previous

البرلمان الأردني يتابع جلساته بعد اعتذار رئيسه من الشعب

Read Next

العيسوي ينقل تعازي الملك إلى الخوالدة والحسبان

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.