ليبيا.. انتخابات بلا مصالحة قفز نحو المجهول

فشلُ إجراء الانتخابات الرئاسية في ليبيا بموعدها كشف حقيقة أن الانتخابات في حد ذاتها ليست الحل السحري لأزمة الشرعية، إذا لم تتحقق المصالحة بين مختلف أطياف وأطراف الأزمة، أو الحد الأدنى من التوافق.

ففي يونيو/حزيران 2014، جرت الانتخابات البرلمانية بعد نحو 40 يوما من إطلاق حفتر عملية الكرامة، ولكن هذه الانتخابات تسببت في انقسام البلاد إلى معسكرين كبيرين، لكل منهما حكومته الخاصة وبرلمانه وجيشه، وطال الانقسام حتى البنك المركزي ومؤسسة النفط.

وحتى بعد إبطال المحكمة الدستورية لانتخابات 2014، رفض مجلس النواب المحل القرار، واستمر في النشاط إلى اليوم، بفضل اتفاق الصخيرات في 2015، واتفاق جنيف وتونس في 2020.

انتخابات مسدودة

أما انتخابات 24 ديسمبر 2021، فكانت منذ البداية متجهة نحو طريق مسدود، خاصة بعد فشل ملتقى الحوار السياسي في التوافق على قاعدة دستورية لإجراء الانتخابات، ثم إصدار رئاسة مجلس النواب قانون الانتخابات الرئاسة دون تصويت النواب، في خرق صارخ للإعلان الدستوري، أما قانون الانتخابات البرلمانية فصدر بحضور نحو 34 نائبا فقط، في حين يشترط لتمريره تأييد 120 نائبا.

فالقاعدة الدستورية والقانونية للانتخابات كانت هشة، ويمكن بسهولة إبطال الانتخابات لدى المحكمة العليا، لو تم تفعيل الدائرة الدستورية، حتى ولو تم إجراء الانتخابات.

لكن أخطر ما كان يهدد استقرار البلاد لو أجريت الانتخابات، ترشح شخصيات جدلية، على غررا سيف الإسلام القذافي، نجل زعيم النظام السابق، واللواء المتقاعد خليفة حفتر.

وفوز القذافي أو حفتر، كان يعني بالضرورة عدم اعتراف المنطقة الغربية بنتيجة الانتخابات، خاصة وأن كتائبها خاضت معارك وحروب ضد كليهما، ومن الصعب أن يقدم رجالها رقابهم ليطاح بها إذا فاز أحد الرجلين.

فانتخابات 24 ديسمبر 2021، ولدت وفي أحشائها بذور فنائها، وذلك لغياب التوافق بين أطراف النزاع الرئيسية، بالشكل الذي يمهد للاستفتاء على مشروع الدستور، بعد انتخاب برلمان جديد، وتكون الانتخابات الرئاسية آخر حلقة في العملية الانتخابية.

وحتى النائب علي التكبالي، التابع لحفتر، اعتبر أن “إجراء الانتخابات هذا الشهر سيدخل البلاد في حرب أهلية، إذا لم تتوافق القوى السياسية”.

فتأجيل الانتخابات شهرا أو ستة أشهر أو حتى سنة كاملة، سيفضي إلى نفس النتائج في ظل عدم تهيئة أرضية المصالحة بين مختلف أطراف الصراع، وخاصة بين الشرق والغرب، وإبعاد الشخصيات الجدلية المتورطة في سفك الدماء الليبية عن الترشح للرئاسيات، على الأقل في المرحلة التأسيسية للمؤسسات الدستورية.

المصالحة قبل الانتخابات

وفي هذا السياق، أعاد المفكر الليبي، عضو الأمانة العامة للاتحاد العام للعلماء المسلمين علي الصلابي، التأكيد على أولوية المصالحة قبل الانتخابات.

وقال الصلابي، في تصريح لموقع “عربي21”: الأولى اليوم من كل هذا هو المصالحة المجتمعية والسياسية الشاملة، وإعادة دور القضاء باعتباره الفيصل في الخلافات القائمة، والابتعاد عن إضعافه بتفعيل الدائرة الدستورية.

وتحدث خالد المشري، رئيس المجلس الأعلى للدولة (نيابي استشاري)، في حواره مع قناة الجزيرة، عن قناعة لديهم بضرورة “التقارب مع مجلس النواب، وبناء لبنات الثقة، ونسيان كل المشاكل التي بيننا، ونضغط على آلامنا وجراحنا”.

وأشار المشري، أن هناك قناعة لدى الليبيين بعد سنوات من الاقتتال، بأن لا أحد بإمكانه أن يحكم ليبيا بالقوة، وأنه إذا التقى السياسيون فستحدث طمأنة للمجموعات المسلحة خاصة إذا تقاربت فيما بينها.

وقدم مثالا عن لجنة 5+5 العسكرية المشتركة، التي أصبح بين أعضائها ثقة كاملة.

ففي غياب المصالحة، من الصعب الحديث عن توحيد المؤسسة العسكرية، حتى بعد توحيد الحكومة والبرلمان، إلا أن ذلك لم يكن كافيا لتبسط السلطة التنفيذية سيادتها والأمنية على كامل البلاد.

وشكل اللقاء الأول من نوعه بين رئيس أركان الجيش الليبي محمد الحداد، وقائد أركان مليشيات حفتر، عبد الرازق الناظوري، في 11 ديسمبر، بمدينة سرت (شمال)، على رمزيته، خطوة نحو جَسر الهُوة بين قوات الغرب والشرق، وإنهاء الانقسام كمقدمة نحو توحيد المؤسسة العسكرية.

فبدون توحيد المؤسسة العسكرية يصعب الحديث عن انتخابات نزيهة يعترف الجميع بنتائجها، وتخضع جميع الهيئات التنفيذية للسلطة الجديدة المنتخبة.

ويعد لقاء وزير الداخلية السابق فتحي باشاغا مع حفتر، في بنغازي، في 21 ديسمبر، رغم كل ما قيل بشأن خلفياته وأهدافه، خطوة أخرى نحو التقارب بين أبناء البلد الواحد، دون القفز على مبدء “عدم الإفلات من العقاب”.

المجلس الرئاسي والمصالحة

ويقود المجلس الرئاسي ملف المصالحة، الذي يصطدم في كثير من الأحيان مع شرط “عدم الإفلات من العقاب”، والذي يتطلب إطار قانوني وتوافق سياسي واجتماعي، عمودي وأفقي، لتكون المصالحة شاملة.

وفي هذا الصدد، أعلن المجلس الرئاسي، في 6 أبريل/نيسان، تأسيس مفوضية وطنية عليا للمصالحة لحل الخلافات بين الليبيين.

بينما أعلن المنفي، في سبتمبر/أيلول الماضي، رسميا انطلاق مشروع المصالحة الوطنية الشاملة، عبر خطوة رمزية تمثلت في الإفراج عن بعض المعتقلين.

كما زار أعضاء المجلس الرئاسي الثلاثة وعلى رأسهم محمد المنفي، الجزائر عدة مرات وبشكل ثنائي أو منفصل للاستفادة من تجربتها في المصالحة الوطنية، وطلبوا منها احتضان لقاءات للمصالحة.

وفي يونيو الماضي، أبدى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، لدى استقباله عضوي المجلس الرئاسي الليبي اللافي وموسى الكوني، “استعداد الجزائر لاحتضان لقاءات المصالحة الوطنية، استجابة لطلب الأشقاء الليبيين”.

لكن المصالحة بحاجة إلى اقتناع الأطراف السياسية والاجتماعية أن لا أحد بإمكانه استئصال الآخر، أو القضاء عليه، وأن الحياة الآمنة والمستقرة لا تتحقق إلا بالقبول بفكرة العيش المشترك، ولا يكون ذلك إلا من خلال “الحقيقة والتسامح”.

والمجلس الرئاسي الليبي واع بهذه الحقيقة، وله رؤيته الخاصة في هذا الشأن، عبر عنها عبدالله اللافي، عضو المجلس الرئاسي، في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، بالتأكيد على عزم المجلس “الاستمرار في مشروع المصالحة الوطنية الشاملة، التي يشارك فيها كل الليبيين، وعدم السماح بالإفلات من العقاب، لبناء مصالحة واستقرار مستدام”.

وقد يتطلب تحقيق المصالحة بمفهومها الشامل أعواما، لأنها لا ترتبط فقط بالقوانين والقرارات والمؤتمرات بقدر ما هي قناعة فردية وجماعية بضرورة التعايش والتسامح والعفو.

فالتأسيس للمصالحة بين الليبيين وربط جسور التراحم بين أبناء الأقاليم الثلاثة (طرابلس وبرقة وفزان)، يساعد على بناء أرضية مناسبة لانتخابات نزيهة يقبل الجميع بنتائجها، تؤسس لعقد اجتماعي وسياسي لإعادة بناء الدولة الليبية على أسس سليمة.

Read Previous

نقل ناشط سياسي تونسي معارض مضرب عن الطعام للمستشفى

Read Next

من معنّفات إلى ناشطات.. عراقيّات يكافحن العنف لمساعدة أخريات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.