منظمات المجتمع المدني في لبنان بين التاريخ والحاضر والمستقبل

كتب: د.ناصر زيدان

نشأت الجمعيات الأهلية غير الحكومية في لبنان منذ ما قبل الاستقلال، وعملت في مجالات اجتماعية وإنسانية متعددة، خصوصاً في مجال التبشير ونشر الوعي الديني، وقد اشتهرت بعض الجمعيات التعليمية على شاكلة واسعة، وهي أسست مدارس وجامعات كبيرة ومتطورة، ساهمت في النهضة الثقافية والعلمية في دول المنطقة وليس في لبنان فقط. ومن أهم هذه الجمعيات: جمعية الكلية السورية التي أسست الجامعة الأميركية في بيروت عام 1866، وجمعية الآباء اليسوعيين الذين أسسوا الجامعة اليسوعية عام 1875، والجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الروسية التي تأسست عام 1886 وأنشأت ما يزيد عن 100 مدرسة في لبنان وسوريا وفلسطين قبل ثورة 1917.

سجلات وزارة الداخلية والبلديات اللبنانية تتضمن أسماء ما يزيد على 6000 جمعية أهلية، أو غير حكومية، منها 3306 جمعيات تعمل في شكل فعلي، وتتمتع بمشروعية، بينما العدد الباقي متخلِّف عن الالتزام بالمعايير التنظيمية التي يفرضها قانون الجمعيات الصادر عام 1909 والمراسيم التطبيقية اللاحقة له.

من الخطأ اعتبار منظمات المجتمع المدني في لبنان أنها تتبع لسفارات الدول الأجنبية، او للمنظمات الدولية، وهي لم تنشأ بعد سقوط الاتحاد السوفياتي عام 1990 كما حصل في أوروبا وفي عدد من الدول الأخرى. فقسم من هذه الجمعيات كان موجوداً وفاعلاً قبل هذا التاريخ، وقسم منها ولد لاحقاً وتأثر بالتغييرات التي حصلت على المستوى العالمي، وتركز عملها على الانتقام من البيروقراطية التي كانت سائدة عند الحكومات، ومنها في لبنان. كما أن غالبية هذه الجمعيات توجِّه نشاطها لمحاربة العمل الحزبي التقليدي وعقائده وإيديولوجياته الفكرية، وهي اعتمدت على النزعة الفردية البراغماتية استناداً الى ثقافة غربية بشكلٍ عام، وأميركية بشكل خاص.

منذ العام 2011 تنامى عمل منظمات المجتمع المدني في المنطقة العربية، وفي لبنان على وجه التحديد، متأثرة بمناخ الانتفاضات الشعبية التي حصلت في عدد من الدول المحيطة، ومن المؤكد أن دولاً خارجية شجعت هذا الحراك، وعلى وجه التحديد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ومنذ العام 2015 (بعد أزمة النفايات الشهيرة التي غطت شوارع بيروت) ازداد حراك المجتمع المدني “كأفراد وكجمعيات” للمطالبة بحل مشكلة النفايات بطريقة عصرية لا تهدد البيئة المحيطة، وقد نجح الحراك في تأليب الرأي العام اللبناني ضد الحكومة وضد “الطبقة الحاكمة” من خلال تظاهرات شعبية حاشدة. وقد ترشح عدد كبير من ناشطي الحراك المدني في الانتخابات النيابية للعام 2018، ولم ينجح منهم سوى الناشطة الصحافية بولا يعقوبيان في بيروت، بينما حصلت لوائح المجتمع المدني على ارقام لا بأس بها في صناديق الإقتراع، رغم أنها لم تكُن لوائح موحدة بل متعددة الاتجاهات ومتنوعة وعلى خلاف بين بعضها البعض في أحيان كثيرة. وقد يكون وراء الإخفاق في الوصول الى الندوة النيابية، عدم تقديم ممثلي الحراك لأي خطة فعلية تعالج مشكلة النفايات على وجه التحديد، بل أنهم اكتفوا بطرح الشعارات والظهور الإعلامي فقط.

في 17 تشرين الأول (أكتوبر) 2019 اندلعت احتجاجات شعبية واسعة في وجه الحكومة اللبنانية التي قررت زيادة الرسوم على التخابر الخليوي ورسائل الواتساب. وقد استطاع الحراك إجبار حكومة الرئيس سعد الحريري على الاستقالة برغم اعتراض رئيس الجمهورية ميشال عون وحليفه “حزب الله” على هذه الاستقالة، لأن غالبية الحراك كان يستهدف هذين الفريقين أكثر من غيرهما، ويحملهما مسؤولية الفشل في إدارة البلاد، برغم شمول عداء الحراك لكل القوى السياسية الأخرى، وقد أطلقوا شعار “كلّن يعني كلّن” في إشارة الى تحقيق هدف إزاحة كامل الطبقة السياسية، ويقف وراء إطلاق هذا الشعار نُخب تنتمي الى حقبة ماضية سادت فيها العقائد الشمولية التي تتبنى مقاربة الإنقلاب. وانتهى الحراك، أو ما يطلق عليه “ثورة 17 تشرين الأول (أكتوبر)” الى تشرذم بين القوى والشخصيات التي نشطت فيه، وقيدت إجراءات الحجر بسبب جائحة كورونا التحركات الشعبية، ولم تُحقق ثورة 17 تشرين أية نتائج، وربما تكون قد ساهمت في الإسراع بتوفير الظروف المناسبة للتراجيديا المالية والاقتصادية الراهنة.

وجاء التفجير المهُول لمرفأ بيروت في 4 آب (أغسطس) 2020 ليعيد الوهج الى التحركات المعارضة، لكنها لم تنجح في استعادة المبادرة، إلا أن المناسبة أطلقت نشاطاً واسعاً لبعض منظمات المجتمع المدني في مجال إعادة اعمار المنازل المتضررة في بيروت وإغاثة المنكوبين الذين زاد عددهم عن 300 الف مواطن، بينهم 220 ضحية و6000 جريح. وقد ساعدت المنظمات الدولية والعربية وبعض الدول الأجنبية هذه الجمعيات الأهلية لعدم ثقتها بمؤسسات الدولة، وتزايد عدد جمعيات المجتمع المدني بعد هذا التاريخ لتوافر التمويل لها، وبسخاء أحياناً.

ومن الواضح أن استفادة مالية شخصية حققها بعض الناشطين جراء تزايد المساعدات التي تلقتها جمعياتهم، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة الحكومية على عملها، علماً أن بعض الجمعيات كانت محظية أكثر من غيرها نظراً للصداقات السياسية التي تربط بين كوادرها وبعض المسؤولين في سفارات أجنبية مانحة.

هناك 3 أنواع من منظمات المجتمع المدني في لبنان وهي:

1- جمعيات دينية تابعة للطوائف والمذاهب المختلفة، ترعى مؤسسات إنسانية وتربوية وصحية، وهي ممولة من المرجعيات الدينية الداخلية والخارجية ومن شخصيات مليئة. وغالباً ما لا تتدخل هذه الجمعيات في العمل السياسي، ويمكن إعطاء مثال عنها: جمعية كاريتاس وجمعية قرى الأطفال وجمعية الشبان المسيحية (في الجانب المسيحي) وجمعية المقاصد الخيرية ودار الأيتام الإسلامية (السنّية) وجمعية المبرات الخيرية الإسلامية وجمعية الرسالة (الشيعيّة) ومؤسسات العرفان التوحيدية (الدرزية).

2- جمعيات أهلية إنسانية، لها طابع ثقافي أو اجتماعي أو صحي أو شبابي، وهي تحصل على تمويل من الدولة اللبنانية، من طريق وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارات الصحة التربية والشباب والرياضة والثقافة، إضافة الى تمويل تتلقاه من متبرعين من الداخل ومن الخارج، ومن اشتراكات الأعضاء، وهي تقوم بتنفيذ مشاريع تنموية أو اجتماعية أو تدريب في مختلف المجالات. ولهذه الجمعيات أهداف مشتركة بين ما هو إنساني أو سياسي أو لوجاهة محلية، وربما يكون عند بعضها ميول سياسية غير مُعلنة، وهناك شيء من الفوضى في الحسابات المالية لبعض هذه الجمعيات، لأن القانون لا يلحظ أي رقابة مالية عليها، لكن بعضها أبلى بلاءً معقولاً في عدد من المحطات الماضية.

3- جمعيات المجتمع المدني التي تحمل شعارات سياسية وتغييرية، وقد نشأت بغالبيها في المرحلة الأخيرة، ومنها لا يحمل أي ترخيص قانوني من وزارة الداخلية، وعدد قليل من هذه الجمعيات يتبع لحركات وأحزاب معروفة، أو أنها تأسست بتشجيع من هذه الأحزاب. وغالبية من هذه الجمعيات على صداقة مع سفارات أجنبية، وتحصل على تمويل كبير من هذه السفارات لدواعٍ تنموية مفيدة للمجتمع، وتدفع بالقيمين عليها الى واجهة النُخب المنظورة في الوقت ذاته (كما يحصل مع المنظمات المدعومة من وكالة التنمية الأميركية وبعض وكالات الدول الأوروبية)، وهناك فئة منها تحصل على مساعدات لدواعٍ عقائدية او أمنية كما هو الحال مع الدعم الذي تقدمه سفارة إيران لبعض الأحزاب والجمعيات ولرجال دين من مختلف الطوائف بهدف الاستمالة السياسية أو الأمنية.

من الواضح أن أطرافاً خارجية تموّل حملة واسعة تهدف للتأثير في نتائج الانتخابات النيابية المقبلة في أيار (مايو) 2022، وقد اعتمدت هذه الدول مجموعة من الجمعيات المصنفة صديقة لها لمساعدتها مالياً وإعلامياً، وبالفعل فقد بدا الارتياح المالي الواضح عند بعض الجمعيات بعد انفجار مرفأ بيروت، وغالبية نشاطها موجَّه لمناهضة الأحزاب السياسية القائمة، ولدى كوادرها طموحات سياسية وانتخابية واضحة. وهذا الأمر لا يقتصر على الجمعيات المتهمة من قبل القوى الحاكمة بالعلاقة مع السفارات الغربية، بل يشمل أيضاً شخصيات وجمعيات تنتمي الى صفوف اليسار السابق، أو أنها على علاقة وطيدة غير مُعلنة مع قوى الممانعة.

من المتوقع أن تحصل منظمات المجتمع المدني على عدد من المقاعد النيابية في الانتخابات المقبلة تتراوح بين 10 و20 مقعداً، وفي مناطق مختلفة، ومنها بيروت وطرابلس.

ومن الملاحظ أيضاً أن الأحزاب حاولت استمالة بعض الجمعيات غير الحكومية التي تقوم بنشاط سياسي لكنها فشلت في معظم الأحيان، واستمرَّ عداء الحراك لهذه الأحزاب، بما في ذلك للأحزاب التي تعاطفت مع مطالب ثورة 17 تشرين، كما هو حاصل مع حزب “القوات اللبنانية” و”الحزب التقدمي الاشتراكي” وغيرهما، والشخصيات المستقلة المسيحية التي تدور في فلك الحراك المدني ومعهم كوادر من اليسار السابق والذين تربطهم صداقة مع محور الممانعة؛ تعمل بقوة ضد مرشحين يرفعون شعارات سيادية وإصلاحية لمجرد أنها تنتمي الى أحزاب يصنفونها تقليدية، و”حزب الله” وبعض حلفائه يستفيدون من هذه المقاربة الحراكية، وهؤلاء لا يخشون من وصول النُخب النافذة في الحراك بمناطقهم الى الندوة البرلمانية، وينحصر انزعاجهم من تأثير هذه النُخب في المجال الإعلامي، وفي فضح الممارسات الأمنية، لكون الواقع على الأرض في مناطق نفوذ “حزب الله” يمنع هؤلاء من حرية الحركة الميدانية.

الأحزاب جميعها تخشى من تزايد نفوذ منظمات المجتمع المدني، لكن الوقائع تؤكد أن عدداً من هذه المنظمات تحولت الى ماكينات هادفة وموجهة ولها علاقاتها الداخلية والخارجية، وأحياناً تتجاهل كونها مدافعاً عن التنوع والديموقراطية، فتنخرط في أنشطة لها طابع شمولي، وتستهدف تشويه التاريخ أكثر مما تستهدف بناء المستقبل. ورغم نزاهة وشفافية بعض هذه الجمعيات، لكن بعضها الآخر انخرط في نمطية سياسة المحاصصة والانتفاع.

Read Previous

استدعاء إيفانكا ودونالد ترامب جونيور في تحقيق بأصول الرئيس السّابق

Read Next

الكاتبة جمال حسّان تمجّد الذاكرة الوطنية في رواية “1956” – يسري عبدالله

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.