المعلمة الراقصة.. حين يتحول المجتمع إلى جحيم! – شريف صالح

ابتلع العالم الافتراضي “الواقع” المادي الذي نعيش فيه. لم يعد مهمًا “سلوكك” الحقيقي بل تأويل “السوشيال ميديا” لهذا السلوك والحكم عليك.

آية يوسف، معلمة لغة عربية في إحدى مدارس المنصورة (شمال القاهرة)، خرجت في رحلة مع زملائها، ووسط الأغاني وأجواء البهجة، قررت آية إنها “تفك عن نفسها شوية” (على حد تعبيرها) ورقصت (بملابسها العادية كأي سيدة) وسط تشجيع الزملاء.

فيديو لا يتعدى دقائق قليلة جدًا، أشعل النار في حطب المجتمع المصري كله! ومازالت تداعياته مستمرة.

 كان من الممكن ألا يسمع أحد عن آية، ولا تهتم بها قنوات التلفزة وجيوش التريندات. وكان بالإمكان أن تمرّ رقصتها مرور الكرام ويقال لها “برافو عليك… بترقصي حلو”، ثم ينتهي الأمر. لكنّ الموقف الذي لم يستغرق في الواقع “ثلاث دقائق”، مازال طوال أيام يثير شهية المنصات الافتراضية.

أهل آية قاطعوها! تطورات قضية المعلمة الراقصة وزملائها! ففي العالم الافتراضي لابد أن نخلق “من الحبة قُبة”! و”حبة” رقص المعلمة مثيرة لشهية القيل والقال.

الأكثر طرافة هو ازدواجية المواقف، بمعنى أنه داخل كل تيار كانت التعليقات والرسائل المبثوثة، متناقضة.

تحقيق رسمي

على الصعيد الرسمي نشرت تصريحات لوكيل وزارة التعليم في المنصورة عن إحالة آية وزملائها للتحقيق.

بدورها قالت نقابة المعلمين أن “آية” ليست عضوًا بها، فليس لها ولاية عليها، في إشارة إلى أنها معلمة بنظام المكافأة.

هنا السؤال هل ارتكبت آية أي شيء يخالف “القانون المصري”. الإجابة: لا، مع ذلك يتبارى بعض المسؤولين في المزايدة الأخلاقية، والتجريس والإدانة، ويتجاوزون القانون نفسه رغم الإشارة باللجوء إليه (التحقيق)!

لم يشفع لها أنها كانت معلمة مثالية، أو ارتضت عقدًا مؤقتًا بأجر زهيد، وأنها تدرس 24 حصة أسبوعيًا. كل هذه الخصال الحميدة جدًا، لا قيمة لها لدى المسؤولين ما لم تلتزم بالنفاق الاجتماعي، والكود الأخلاقي المتعارف عليه.

في المقابل دافعت المحامية نهاد أبو القمصان عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان (شبه الرسمي) عن “آية” وعرضت عليها وظيفة مدقق لغوي تعويضًا عن خسارة وظيفتها، وناشدت النيابة العامة محاكمة (المجرم الحقيقي) وهو ناشر الفيديو.

أي أن الموقف الرسمي كان متناقضًا، وإن لم يسلم دفاع أبو القمصان من الغمز واللمز، فعلق أحدهم أنه اسمه “المركز القومي لحقوق الإنسان” وليس “حقوق الرقص”! كأنّ الرقص والغناء ليسا من حقوق الإنسان ضمن “حقه في التعبير عن ذاته”!

النظرة الدينية

في المجمل يتبنى المجتمع المصري ـ رسميًا وشعبيًاـ نظرة دينية قد تصل حد الدعشنة فيما يتعلق بالفنون. فالشيخ مبروك عطية رأى أن المذنب الحقيقي من قام بتصوير ونشر الفيديو.

كلام جيد، لكنه لا يعني أن الشيخ كان متعاطفًا كثيرًا مع “آية” ولا أعطاها حق إنها “تفك عن نفسها شوية” بل اعتبر أن رقص المعلمين “مُهين لمهنتهم وغير مقبول”! وأولى بهم أن يقوموا بالقراءة والمذاكرة. معقول! حتى في رحلة ترفيهية يجلسون لمراجعة كتاب سيبويه!

كلام مبروك عطية لا يخلو من “مرونة”، مقارنة بشيخ آخر مثل عبد الله رشدي يرى “الرقص” أمام الآخرين حرام شرعًا قولًا واحدًا.

آراء شعبية

ثمة آراء ـ من منظور ديني ـ كانت أكثر تعاطفًا وتحدثت بمنطق “من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر”.

وهي عبارة دينية تدين ضمنًا المعلمة، وتقر بأنها أخطأت، وأن الرقص حرام أو غير لائق، لكن ليس هناك مبرر لهذه الحملة والإصرار على “ذبحها” و”تحطيمها” خصوصًا بعد تصريحاتها بأنها تفكر في “الانتحار زي بسنت”.

أصوات أخرى ـ أكثر شجاعة ـ رأت أن العيب حصرًا في بث الفيديو وانتهاك خصوصية الآخرين، وأن الرقص في حد ذاته ليس جريمة، وقامت وكيلة مدرسة بنشر مقطع لها وهي ترقص في أحد الأعراس.

فالكل يعلم أن المصريات يحببن الرقص، ويفعلن ذلك في حفلات الزفاف وأعياد الميلاد، وجلسات الصديقات، وحتى أمام لجان الانتخابات. فما الذي يجعل رقص آية مستهجنًا عن أي امرأة أخرى؟!

الزوج وذكورية المجتمع

حدثت واقعة الرقص على مركب نيلي، في رحلة كانت من شهر، وبحضور مئتي شخص.

من الواضح أن الزوج لم يكن معترضًا، وقيل إنه كان موجودًا مع أولادهما. لكن تفاصيل الواقعة ليس لها أهمية، وإنما “الفيديو” هذا الجزء المقتطع الذي تم وضعه تحت ضوء هائل جدًا، ما دفع الزوج للتضحية بزوجته وتطليقها.

فهل المطلوب منه أن يؤازر شريكة حياته وأم أولاده ضد وحش المجتمع الافتراضي؟ لا. هذه ليست معركته.

لو كان حاضرًا، فهو تعامل مع الموقف كلحظة لهو، لكن بعد سيل التعليقات، أصبح قبوله للأمر طعنًا في رجولته.

وهناك مثقفون برّروا تصرفه بأنه هل يقبل زوج على كرامته أن ترقص زوجته أمام الآخرين؟ هل تقبل أن تفعل زوجتك ذلك؟

من أيّد تصرف الزوج، لا يفكر هل الرقص حلال أم حرام، وإنما بوصفه ملازمًا لإثارة الشهوة، كجزء من نشاط غريزي وليس بوصفه “فنًا”. وهي وصمة تلازم مهنة الرقص الشرقي منذ القدم. والصادم أن “آية” نفسها أبدت تفهمها لموقف زوجها!

لو طرح السؤال بشكل آخر هل تقبل أن تشارك زوجتك الغناء مع زميلها في حفلة؟ الإجابة ستكون: نعم. أما الرقص فحتمًا الإجابة: لا

هذا لا يعني أن المجتمع مازال متسامحًا مع الفنون؛ بل المؤسف أن الدعشنة طاولت كل شيء تقريبًا. والدليل أنه مع ضجة “تريند المعلمة الراقصة” كان هناك في البرلمان المصري طلب إحاطة ضد تكريم الفنانة إلهام شاهين في جامعة عين شمس!

هل إلهام شاهين ضبطت في جريمة مخلّة بالشرف؟ هل حكم عليه بالسجن في سرقة أموال الشعب؟ هل اتهمت بالتجسس لمصلحة العدو؟

من أين تصور النائب البرلماني أن تكريم “ممثلة” لها تاريخ فني جيد، يعد إهانة للجامعة؟

إن معظم جامعات العالم تحتفي بالمبدعين في شتى المجالات، وتدرك أنهم أكثر تأثيرًا من الأساتذة وحملة شهادات الدكتوراه، إلا بعض النواب هم في “لا شعورهم” يتعاملون مع الفن أنه “حرام” أو “نشاط جنسي” مبتذل.

العام والخاص

كثرة الإدانة للمعلمة، والإحالة للتحقيق، وفقد وظيفتها، وطلاقها، وتشويه سمعتها. كل هذا يرتبط بفخ التأثيم والتجريم المحيط بالمرأة دومًا، فهي لا تملك حق التعبير عن ذاتها، ولا ممارسة أية هواية، ولا أن تلبس ما يحلو لها. كل شيء تقوم به يتم وضعه تحت مراقبة صارمة وبأثر رجعي. حتى تصوير وبث الفيديو، لا يخلو من حس رقابي، ونزعة تشهير.

هذا ينقلنا لسؤال عن حدود الخاص والعام، فالبعض تحدث باعتبار الرحلة النيلية تدخل في حيز “الحضور العام” وليس “الخاص”، ومن ثم المعلمة هنا تمثل وظيفتها العامة ولا يحق لها التصرف على هذا النحو.

فهل لو فعلت ذلك في ملهى ليلى حضرت إليه بمفردها، وتم بث الفيديو، هل كانت ردود الأفعال ستتغير؟ لا أظن.

ففي مجتمع يمارس كل أشكال الوصاية والقهر، خصوصًا ضد المرأة، من المستبعد أن يسمح لها بأي تعبير خاص عن ذاتها. والرسالة التي أصابت “آية” موجهة ضمنًا لجميع النساء.

وفي ظل ملايين كاميرات الهواتف، أصبح كل شيء على المشاع، ويصعب تحقيق “الخصوصية”. لا تعلم وأنت تجلس في مقهى وحدك كم كاميرا تصورك. ليست فقط كاميرات الهواتف، بل المرور على الطرق، وفي الأسواق والمحال، وثمة جرائم متكررة بسبب انتهاك كاميرات سرية لخصوصية نساء في غرف قياس الملابس أو دورات المياه.

يرتبط بسؤال العام والخاص أيضًا مسألة الدور الرقابي أو ولاية المؤسسة على الموظف بها؟ هل يجب ان تحدد لي المدرسة ما ارتديه عندما أذهب للتسوق؟ هل من حقها أن تمنعني من الرقص في حفلة زفاف أو رحلة مع أصدقاء؟

هناك مبالغة وتنميط، بزعم أن المعلم “قدوة” و”مثل أعلى”. كأننا نتحدث عن قديسين. ألا يمكن أن تكون مُدرسة منتقبة ومحمودة السيرة، وبعض الظهر تمارس الدعارة؟

من قال إننا “ملائكة” في حياتنا (الخاصة) وما الضرر الذي سيعود على الأولاد في المدرسة إذا عرفوا أن معلمتهم (ترقص) رقصًا جيدًا؟

لماذا الإصرار على التزييف والكبت، وخلق مجتمع مزدوج، يدعي علنًا فضائل لا يتحلى بها، ويمارس ما يشاء طالما في الخفاء؟

إن المجتمع ـ بدرجات ـ بات يتفنن في إهدار قيمة الخصوصية واستباحتها، وأعطى نفسه حرية مطلقة، على حساب الحرية الشخصية التي سُلبت منا.

قالت آية: “أنا اتدمرت واتحولت حياتي لجحيم”. كلنا في ظل الكائن الخرافي النهم للسوشيال ميديا، والمتحالف مع وعي داعشي… كلنا ضحايا محتملون لهذا الجحيم.

Read Previous

الدور الثقافي للجامعات في مجلة “الثقافة الجديدة”

Read Next

ارتفاع نسبة الانتحار في مصر

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *