نقدُ “الشيعيّة السياسية” ليس اعتداءً على التشيّع!

كتب: حسن المصطفى

هنالك من يعتريه القلقُ من أي مقاربة نقدية لـ”الشيعيّة السياسية”، وكأنه في حالِ مساءلة خطاباتها، فإن ذلك يستلزم تقويض التشيّع الذي هو مذهب إسلاميٌ أصيلٌ ومحترم!

إن مساجلة أفكار “الشيعيّة السياسية” لا تعني التحريض على المسلمين الشيعة، ولا اتهامهم بـ”الخيانة” أو “العمالة لأنظمة خارجية”، فذلك ضربٌ من التبسيطِ وسوء الفهم والتقدير، ومن يمارس “التخوين” فهو يقوم بسلوك عنصري تحريضي، مجرم نظامياً، لأن البشر جميعهم متساوون أمام القانون العادل، ولا يجوز وقوع أي تمييز بينهم على أسس دينية أو عرقية أو جندرية أو مناطقية.

في أوساط المسلمين السُنّة، هنالك “السنيّة السياسية”، وفي أوساط المسلمين الشيعة هنالك “الشيعيّة السياسية”، وكلا الفريقين لديهما تنظيمات أصولية وميليشيات مسلحة وشخصيات راديكالية، ما يعني أن جميع هذه البيئات المجتمعية لدى المذهبين الكبيرين يمتزج فيها الخير بالشر، العلم بالجهل، الاعتدال والتطرف، كونها تجارب بشرية، غير مقدسة، وليست متعالية؛ ولذا، من الطبيعي جداً أن تتعدد مستوياتها، وتختلف طرائق التفكير وأساليب العمل بين أفرادها وتياراتها.

إن نقد سرديات جماعات “الإسلام الحركي” تعمل على الفصل بين الدين بوصفه منظومة عقائدية يتعبدُ بها الفرد بحريته التامة واختياره، وبين “الدين السياسي” بوصفه أداة للصراع بين المختلفين بهدف الوصول إلى السلطة.

إبراز الدين بمعناه الروحاني، الأقرب إلى جوهر الأخلاق، الذي يقوم على خدمة الإنسان ودفعه نحو فعل الخيارات، هو أمرٌ لا يمكن تحققه من دون قراءات نقدية لـ”الشيعيّة السياسية” و”السنّية السياسية”؛ كونهما قدمتا صورتين متنافرتين للدين، وأظهرتاه في معاني الصراع الطائفي الدموي الذي لا يستطيع أن يستوعب المختلف.

بشرية التجربة الدينية، التي ناقشها مفكرون مثل: عبد الكريم سروش، مصطفى ملكيان، مجتهد شبستري، وعبدالجبار الرفاعي؛ وأيضاً القراءة التفكيكية للنص بوصفه خطاباً يعيش في الحياة الدنيا، كما سعت لمقاربة ذلك شخصيات مثل: محمد أركون، أدونيس، نصر حامد أبو زيد، وعلي حرب؛ كل هذه المساعي التي قد يراها البعض نخبوية، إلا أنها في صميمها ممارسة جادة ضد “السياسية الدينية”، وتحويل خطاب رجال الدين والحركات الإسلاموية إلى نصوص “مقدسة” تعادلُ قوة وحرمة “النص المؤسس”، ولا يمكن مساءلتها أو التضاد معها!

هذا الحراكُ المعرفي، تحتاجه منطقة الخليج العربي، خصوصاً في هذه المرحلة الانتقالية من التحول المجتمعي والثقافي الذي تعيشه، لأن عملية الإصلاح في بنية “الدولة” وأنماط الانتاج والاقتصادات؛ بقدرِ ما هي عملية ذات منحى ميكانيكي – عملي – قانوني، إلا أنها تستند إلى رؤية هي في جوهرها تحديثية، تنويرية، على قطيعة مع العقليات المحافظة التي تتردد أمام التغيير.

بالعودة لـ”الشيعيّة السياسية”، فإن بعضاً من المسلمين الشيعة في الخليج يخشى وضع سرديتها على طاولة النقاش، لا إيماناً بها لدى جميع هؤلاء الممانعين، وإنما بسبب الخشية على الذات، والشعور بـ”الأقلوية”، وأن الشيعة هم مجموعة بشرية أصغر في محيط من السنّة، ولذا عليهم حماية ذواتهم عبر التراص ووحدة الصف، حتى مع المجموعات الخطأ، وهي الآراء الناقصة، لأن الحاضنة الحامية للفرد والمجتمع هي “الدولة” لا “الطائفة”.

هذا الشعور بـ”الخوف الوجودي” تلمسهُ لدى كل الأقليات الدينية والمذهبية والعرقية: الشيعة، العلويون، الدروز، الأرمن، الأكراد، الأقباط؛ وسواهم من الأقليات في العالم العربي؛ وعمق ذلك وجود مناوئين شرسين، سواء من التيارات التكفيرية أو العنصرية، وهو ما دفع هذه الأقليات إلى عزلة لا شعورية، عمقها الانكفاء، وباتت بعض المجتمعات غير قادرة على الخروج منها!

ما يجري حالياً في الخليج عموماً، والمملكة العربية السعودية خصوصاً، من عمليات تحديث وتنمية، سيكون لها أثر كبير في تقليل منسوب هذا القلق، والتشافي من الانكفاء، خصوصاً أن الأصوات المتطرفة التي كانت أحد محركات هذا السلوك، قد تم منعها من التحريض بـ”قوة القانون”، وباتت عمليات “التكفير” أمراً محظوراً يحاسبُ مرتكبه.

ترسيخ “المواطنة الشاملة”، والسياسيات التي تكرس مبدأ “تكافؤ الفرص” وإشراك كل المكونات المجتمعية في مؤسسات الدولة الأمنية والمدنية والعسكرية والحكومية، سيفكك هذه “الكانتونات المذهبية” ويجعل نقد خطابات حركات “الإسلام السياسي” أمراً أكثر سهولة، وسيدفع مزيداً من المثقفين والناشطين الاجتماعيين نحو الانخراط في عملية المراجعة الجادة والمهنية، وسيضعف الدعاية الخارجية المضادة، سواء الآتية من أنصار “ولاية الفقيه” أو “الإخوان المسلمين”، ويحد من قدرتهم على التأثير في المجتمعات.

ما تقدم لا يعني أن المجتمعات العربية الشيعيّة في الخليج لا يوجد فيها مثقفون لديهم قراءات نقدية لـ”الشيعيّة السياسية”، فالشيعة مجتمع حيوي، متعدد، فيه تيارات وأفكار متنوعة، وهنالك العديد من المثقفين أصحاب الآراء التنويرية وحتى المشاكسة، ويمكن مطالعة ما تنشره الصحف وشبكات التواصل الاجتماعي، أو ما تستضيفه القنوات الفضائية من معلقين، للوقوف على الكثير من الشخصيات الجريئة في مواقفها المستقلة على أكثر من مستوى.

في كانون الأول (ديسمبر) 2021، استضاف الزميل خالد مدخلي، عبر قناة “العربية” الباحث الكويتي فاخر السلطان، ضمن برنامج “سؤال مباشر”، في حلقة حملت عنوان “خطاب ولاية الفقيه تحت المجهر”.

وفي تشرين الثاني (نوفمبر) من العام ذاته، تحدث لإذاعة “ثمانية”، الناقد محمد الحرز، الذي حل ضيفاً على بودكاست “فنجان” عبدالرحمن أبو مالح، متناولاً “الهوية الشيعيّة في السعودية وصراع الأيديولوجيا”.

الحلقتان احتوتا الكثير من الطرح الجاد، العلمي، الذي تناول مواضيع حساسة بهدوء وتحليل منطقي، بعيداً من الشعاراتية أو الانفعال أو المزايدات الشعبوية.

إن أهمية ما قدمه السلطان والحرز، أنهما أثبتا أن مناقشة “المحرمات المذهبية” ليست بالأمر المتعذر، وأن في إمكان أكثر المواضيع تشابكاً أن يكون محل مساءلة، من دون أن يؤدي ذلك الى الاقتتال أو التشاتم أو الازدراء.

مشكلة كثيرين ممن ينقدون “الشيعيّة السياسية” أنهم يتعاملون معها بمراهقة سياسية وفكرية، ما يحول تلك المثاقفة إلى سلوك دعائي ممجوج، يسقط في فخ العنصرية والمذهبية ويستعدي الآخرين، عوض أن يؤسس للوعي والاختلاف العلمي، ويحرر العقول من سطوة “المقدس السياسي”.

النقدانية الحقيقية هي تلك التي تبتعد من الضغينة والطائفية والتكاذب، وعن تصفية الحسابات الحزبية والسياسية، وتسعى لفهم المسألة محل الفحص، قبل أن تنخرط في تفكيكها؛ وذلك ما ينقص الكثير من الباحثين والمعلقين؛ ولذا، لنتذكر أن التغيير لا يمكن أن يكون مستداماً ومؤثراً ما لم تكن هنالك رؤية فلسفية ومناقبية عالية في النقاش، وبعد عن النزعات الفردية والرغبة في الشهرة وتصفيق الجمهور!

Read Previous

صور جديدة لكيت ميدلتون في عيد ميلادها الأربعين

Read Next

كبار مسؤولي الشركات يجمعون الملايين عبر بيع أسهمهم

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *