هل تُعرقل التجاذبات السياسية تشكيل حكومة جديدة في العراق؟

تطغى تجاذبات سياسية لامتناهية على المشهد السياسي العراقي، بعد المشادات ‏والفوضى التي سادت جلسة البرلمان الأولى التي عقدت بعد ثلاثة أشهر من ‏الانتخابات التشريعية المبكرة، لتزيده تعقيداً وغموضاً، وتجعل مصير الحكومة شبه ‏مجهول‎.‎

ما خلفية هذا التوتر السياسي؟ وماذا يعني ذلك بالنسبة لتشكيل الحكومة؟

ماذا حصل ولماذا؟‎ ‎

انعقد البرلمان العراقي في التاسع من كانون الثاني (يناير)، أخيراً، لكن تراكم ‏الخلافات والتوتر الذي تلا إعلان النتائج النهائية، انسحب على مجلس النواب‎. ‎

فلم تلبث أن بدأت الجلسة إلا وبدأت المشادات، فيما تعرّض رئيس الجلسة الأكبر ‏سناً لـ”اعتداء”. ‏‎  ‎

خلفيتها

‏ من يملك الكتلة الأكبر وبالتالي من بيده تسمية رئيس الحكومة، الممثل الفعلي ‏للسلطة التنفيذية والذي يقتضي العرف أن يكون شيعياً‎. ‎

وتقول الكتلة الصدرية بزعامة رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، التي حازت على ‏أكبر عدد مقاعد (73 مقعداً)، إنها هي من تملك الكتلة الأكبر عبر تحالفات يُرجّح ‏أنها مع المكونات السنية، لا سيما “تحالف تقدم” الذي ينتمي إليه رئيس البرلمان محمد ‏الحلبوسي، والكردية لا سيما “الحزب الديموقراطي الكردستاني” الحاكم في إقليم ‏كردستان‎. ‎

في المقابل، يصرّ الإطار التنسيقي الذي يضمّ عدة مكونات شيعية أبرزها الأحزاب ‏الموالية لإيران، أنه هو من نجح في تشكيل الكتلة الأكبر عبر تحالفات لم يعلن عنها ‏وقدّم “88 اسماً”، كما قال مصدر في الإطار التنسيقي لوكالة “فرانس برس”‏‎. ‎

وبعدما توقفت لنحو ساعة، استؤنفت جلسة البرلمان، لكن قاطعها نواب “الإطار ‏التنسيقي”. وانتهت الجلسة بانتخاب الحلبوسي رئيساً للبرلمان ونائبين له، ورُفعت ‏من دون أن يبتّ رئيس المجلس الجديد بهوية الكتلة النيابية الأكبر‎. ‎

ما مصير الحكومة؟‎ ‎

جرت العادة في العراق أن تنبثق الحكومة عن توافق الأطراف الشيعية البارزة. ‏لكن في سابقة، لا يبدو أن ذلك قابل للتحقّق في ظل الهوّة في “البيت الشيعي” مع ‏تشديد كل طرف على أن له اليد العليا في تسمية رئيس الحكومة‎.‎

ويَشي إصرار كل من الطرفين بأشهر طويلة من الانتظار أيضاً‎. ‎

إذ أصرّ الصدر في أعقاب الجلسة من جديد على “تشكيل حكومة أغلبية”. في ‏المقابل لم يعترف “الإطار التنسيقي” بنتائج الجلسة، وقدّم “شكوى للمحكمة ‏الاتحادية” على اعتبار أن الجلسة “كانت غير قانونية”، وفق المصدر في الإطار‎. ‎

ويشرح المحلل السياسي العراقي حمزة حداد أن “انتخاب الحلبوسي في اليوم الأول ‏يؤشّر إلى أن الصدر” إلى جانب “تقدّم” و”الحزب الديموقراطي الكردستاني”، ‏‏”سيعملون معاً في المستقبل”. ‏‎ ‎

يضيف “بالتالي، نظرياً، بمكن لهم الدفع باتجاه انتخاب مرشحهم لرئاسة الجمهورية ‏واختيار مرشحهم لرئاسة الوزراء‎” ‎‏.‏

في الإطار، يشير المصدر إلى أن ترشيح رئيس الوزراء المقبل “مرهون بالكتلة ‏الأكبر إذا قدّم التيار الصدري قائمة من التيار ومعها تواقيع من الحزب ‏الديموقراطي الكردستاني وكتلة تقدم سيكونون هم من يرشح”‏‎.‎

ويتابع “لكن إذا بقي الأمر محصوراً بالبيت الشيعي فالإطار التنسيقي هو من يرشح ‏رئيس الوزراء المقبل”‏‎.‎

ويبدو أن “الإطار التنسيقي” يتّجه إلى تسمية رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، ‏زعيم كتلة دولة القانون (33 مقعداً) وحزب الدعوة المنضوي في “الإطار ‏التنسيقي”، كمرشحه، وفق المصدر، وهو اسم لا يمكن للتيار الصدري أن يقبل به ‏نتيجة خلافات قديمة‎.‎

في المقابل، لم يعلن “التيار الصدري” عن مرشحه لاستبدال رئيس الوزراء ‏المنتهية ولايته مصطفى الكاظمي.

مزيد من عدم الاستقرار؟

ويرى حداد أنه “ما لم يسوِّ الطرفان خلافاتهما، ويتجهان إلى تشكيل كتلة واحدة، ‏وهو أمر ترحب به الأحزاب السياسية الأخرى لتفادي مزيد من النزاع، فمن ‏الصعوبة بمكان أن يسمح واحد من الطرفين للآخر بهدوء، بالتفرد في تشكيل ‏الحكومة من دون الطرف الآخر”. العنف بالتالي غير مستبعد في المرحلة المقبلة‎. ‎

وفي حال نجح “التيار الصدري” بتشكيل حكومة أغلبية، أو نجح الإطار التنسيقي ‏بتثبيت نفسه كالكتلة الأكبر، ففي كلتا الحالتين “لن يحاول الطرف الآخر إسقاط ‏الحكومة بالطرق القانونية والسياسية، بل سيصعد بعنف”، كما كتبت الباحثة في ‏مجموعة الأزمات الدولية لهيب هيغل في تغريدة‎.‎

ويعتبر حداد أن “الخشية الأكبر تبقى حصول تقاتل بين الفصائل المسلحة، ‏الصدريون يملكون فصيلاً مسلحاً، والأطراف المختلفة في الإطار، لا سيما تحالف ‏الفتح، لديهم أيضاً فصيل مسلح‎”‎‏.‏

ويمثّل “الفتح” الحشد الشعبي، تحالف فصائل مسلحة أغلبها موال لإيران وباتت ‏جزءاً من الدولة، وتعدّ 160 ألف منتسب.‏‎   ‎

ومنذ أن صدرت نتائج الانتخابات، يحاول “الفتح”، والذي سجّل تراجعاً كبيراً في ‏الانتخابات (17 مقعداً مقابل 48 في البرلمان السابق)، الدفع باتجاه إلغاء النتائج. ‏وتظاهر مناصروهم لأسابيع طويلة أمام بوابات المنطقة الخضراء‎. ‎

ووصل التوتر ذروته بمهاجمة مقر إقامة رئيس الوزراء بثلاث طائرات مسيّرة، لم ‏تصدر بعض نتائج التحقيقات المتعلقة به‎. ‎

فيما لم يحدد موعد جلسة البرلمان المقبلة، لكن الاستحقاق الآن هو اختيار مرشحين ‏لرئاسة الجمهورية، يقتضي العرف أن يكون كردياً، خلال أسبوعين. وينتخب ‏البرلمان رئيس الجمهورية قبل أن تبدأ مهلة جديدة بثلاثين يوماً لاختيار رئيس ‏للوزراء‎

Read Previous

بياض الثلج أم الملكة الشريرة.. الجمهور يتفاعل مع صورة أديل

Read Next

التاريخ بمرسوم – إيان بوروما

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.