الأطفال ممنوعون من شراء الزيت.. غلاء الخبز وندرة الحليب يصدمان الجزائريين

الجزائر – نهال دويب

عاد كابوس احتكار المواد الغذائية ذات الاستهلاك الواسع وندرتها في الأسواق المحلية، على غرار الزيت والحليب، وارتفاع اسعار الخبز، ليطاردا الجزائريين، في ظل تبادل المسؤوليات وتقاذفها بين مختلف الأطراف الفاعلة في هذا المجال، وعجز الحكومة عن احتواء الوضع الذي أعاد إلى الأذهان أزمات اجتماعية عديدة عاشوها خلال عام 2019.

زيادات مفاجئة

واستفاق الجزائريون، في أول أيام 2022، على ارتفاع مفاجئ لأسعار الخبز من دون سابق إنذار، وهي الخطوة التي بررها أصحاب المخابز بعدم قدرتهم على تغطية تكاليف الانتاج في تحدٍ واضح لوزارة التجارة التي هددت باللجوء إلى القضاء.

تفاصيل هذه الزيادات التي أثقلت كاهل الجزائريين، تعود إلى اجتماع عُقد نهاية 2021 من طرف الاتحادية الجزائرية للخبازين أو ما يعرف بـ”نقابة الخبازين”، تم الإجماع فيها على رفع السعر إلى 15 ديناراً بدلاً من سعر البيع الذي يحدده القانون بـ 8.5 دنانير أي ما يعادل 0.09 دولار للرغيف الواحد بدءاً من كانون الثاني (يناير) 2022.

ومن بين المبررات التي ساقها الخبازون، ارتفاع أسعار الكهرباء والغاز مرتين منذ عام 2015، إضافة إلى ارتفاع سعر الطحين عالمياً وغيره من مستلزمات الإنتاج إضافة إلى رواتب العمال ومصاريف الضرائب والتأمين الصحي للعمال.

ولم يهضم مختلف الفاعلين في قطاع التجارة في الجزائر، هذه الزيادات المفاجئة وأعلنوا جميعهم رفضهم لوضع الجزائريين أمام الأمر الواقع ومخالفة قوانين الجمهورية.

ويقول العضو البارز في جمعية حماية المستهلك فادي تميم لوكالة النهار العربي: إن تسعيرة الخبز العادي “مقوننة” ولا يمكن للخبازين رفعها من دون صدور قرار رسمي من السلطات العليا في البلاد، وما قاموا به يُعد تجاوزاً في حق المستهلك الجزائري.

ومع أنه أبدى تفهمه لاستياء الخبازين بسبب ارتفاع تكاليف الانتاج مقابل بقاء التسعيرة وفقاً للمرسوم القديم والساري المفعول حالياً، غير أن الناشط تميم أصرّ على أن تكون المراجعة بإشراك جميع الفاعلين من دون استثناء في ضبط التسعيرة الجديدة بما يتوافق مع القدرة الشرائية للمستهلك الجزائري.

خيبات أمل الجزائريين لم تتوقف عند هذا الحد فقط، بل وجدوا أنفسهم رهينة ندرة حادة في مادتي الزيت والحليب، فبين ليلة وضحاها اختفت المادتان عن الأنظار وصار الحصول على قارورة زيت واحدة ذات سعة ليتر واحد، حلماً صعب المنال.

وفي خضم هذه الأزمة، ابتكر العديد من التجار طرقاً غير قانونية لبيع زيت المائدة، فيلجأ بعضهم مثلاً إلى إخفائها لبيعها مقابل شراء مواد أخرى معها أو بيعها لمعارفهم وأقاربهم فقط.

وتشتكي المنظمة الجزائرية للدفاع عن المستهلك منذ أيام من بوادر عودة الأزمة إلى الواجهة من جديد، ووجهت أصابع الاتهام نحو “المضاربين”، وقالت إنهم يتحكمون في الأسعار بالترويج لندرتها ونقصها في السوق من خلال نشر أخبار مفادها تسجيل ندرة حادة في هذه المادة، إلى أن تتحول بعد ذلك إلى حقيقة وواقع “مر” يعيشه المستهلك الجزائري.

الأسباب نفسها قدّمها وزير التجارة وترقية الصادرات في الجزائر كمال رزيق، للرأي العام المحلي، إذ نفى حدوث أزمة وندرة في إنتاج مادة الزيت وأعاد ظهور الأزمة الراهنة إلى “المضاربة” من جهة و”سلوكيات المستهلكين” الذين يلجأون إلى تجميع كميات كبيرة من هذه المادة خوفاً من اتساع رقعة إخفاء المواد.

تفسيرات متضاربة

وقال رزيق لوسائل إعلام محلية، إن “المضاربة إلى جانب السلوكيات غير الرشيدة للاستهلاك تخلقان ضغوطاً كبيرة على توافر زيت المائدة”.

وفي محاولة منه لإقناع الرأي العام المحلي بعدم وجود أزمة في هذه المادة، قال: “لو كانت هناك أزمة فعلاً مثلما يدعون لكانت المطاعم ومحال الحلويات التي تعتمد على مادة الزيت بالدرجة الأولى أول المتضررين”.

وتابع قائلاً إنه “ومنذ انطلاق الأزمة المزعومة لم يغلق أي مطعم أو محل حلويات، رغم أن هذه الأخيرة في حاجة إلى كميات كبيرة من الزيت”. وجدد التأكيد على أن المضاربين مصيرهم القضاء وفقاً للقوانين الجديدة التي سنّها المشرع الجزائري إذ تقرر فرض أقصى العقوبات على هذه الفئة وتصل إلى 30 عاماً سجناً، في وقت لم يستبعد الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون سن عقوبة الإعدام إذا تطلب الوضع ذلك.

وتختلف الرواية التي قدمها رئيس الوزراء الجزائري ووزير المالية أيمن بن عبد الرحمن، عما قدمه وزير التجارة، إذ أرجع هذا الأخير فقدان بعض المواد الاستهلاكية على غرار زيت المائدة إلى اضطراب في التوزيع، غير أنه تعهد بعودة الأمور إلى نصابها خلال الأيام المقبلة.

ويكمن الخلل بالنسبة إلى بن عبد الرحمن في “الإجراءات التي يقوم بها بعض المصانع نهاية كل سنة”، واستدل بـ”عملية الجرد التي تدفع إلى خفض وتيرة التوزيع، ولذلك فإن الأمور ستعود إلى نصابها قريباً”.

ولدى تطرقه إلى الحديث عن موجة الغلاء الفاحش التي تشهدها كل الأسواق المحلية من دون استثناء، قال بن عبد الرحمن إن “كل المواد الاستهلاكية على المستوى العالمي شهدت ارتفاعاً رهيباً وجنونياً في الأسعار نتيجة الظروف المناخية، وأيضاً ارتفاع تكلفة النقل البحري من الصين إلى أوروبا وأيضاً من أوروبا إلى الجزائر والتي تضاعفت أربع مرات”.

 وفي محاولة منها لاحتواء حالة التململ في الشارع الجزائري، اتخذت وزارة التجارة مجموعة من القرارات للحد من الاحتكار أبرزها منع بيع قناني الزيت للأطفال، بحجة أن المضاربين والمحتكرين لهذه المادة يستعملون الأطفال لشرائها، كذلك منعت وزارة التجارة في قرار سابق بيع قوارير الزيت ذات السعة المتراوحة بين ليتر واحد وخمس ليترات على المحال التجارية والمطاعم والمخابز.

وإلى ذلك، ظهرت مؤشرات مقلقة إلى أن الأزمة قد تصل إلى الدواء، مع ملاحظة مواطنين فقدان أنواع معيّنة منه من الصيدليات دون تبريرات واضحة.

ودفع تفاقم الندرة مجلس الأمة (الغرفة الثانية في البرلمان الجزائري) إلى الإعلان عن تشكيل لجنة تحقيق برلمانية للبحث والتقصي في هذه الأزمة وكشف أسبابها الحقيقة.

Read Previous

قطع 80 كيلومتراً ليبيع “الشلن” بـ50 ألف جنيه.. العملات القديمة في مصر بين الثراء والسراب

Read Next

استقالة مؤسس “سيغنال” من منصبه كمدير تنفيذي للشركة

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *